الأحداث الملتهبة التي تشهدها منطقة القوقاز
أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن الحرب الروسية
- الجورجية، لم تكن مجرد رد فعل على خطأ
ارتكبه الرئيس الجورجي ميخائيل سكاشفيلي بحق
اوسيتيا الجنوبية،بل حصيلة تحول نوعي في
السياسة الروسية، منتقلة من مهادنة الغرب إلى
تحديه، لتعلن استعدادها لقطع التعاون مع حلف
شمال الأطلسي (الناتو) حيث أكد المندوب الروسي
لدى الحلف ديمتري روجوزين أن روسيا ستجمد
علاقاتها مع الناتو لمدة ستة أشهر على الأقل.
وعدم رغبتها في المضي قدما في السعي إلى
العضوية في منظمة التجارة العالمية.
ودخلت المواجهة المتصاعدة بين روسيا والغرب
منعطفاً خطيرا، بعد إعلان الكرملين الاعتراف
رسميا باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا
والشروع في ترتيبات التبادل الدبلوماسي مع
هاتين الجمهوريتين، عبر توقيع اتفاق تعاون
وشراكة معهما لضمان التواجد الروسي فيهما،
بهدف حماية مواطنيهما.
وقد استبق الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف ردود
الفعل المتوقعة من أوروبا والولايات المتحدة،
رفضا واستنكارا، بتأكيد أن بلاده لا تخاف من
عودة الحرب الباردة وانه إذا كان الأوروبيون
يريدون تدهوراً شاملاً فسيحصلون عليه.
كان الإعلان الروسي قد أثار ردود فعل قوية
وانتقادات حادة من الغرب، إذ أعلنت الولايات
المتحدة أنها ستراجع علاقاتها مع موسكو، في
ضوء الأزمة في جورجيا، مؤكدة أنه ليس من حق أي
دولة خارجية أن تعلن استقلال أجزاء من دول
أخرى.ورفضت بريطانيا القرار
واعتبرت السويد القرار الروسي مخالفة للقوانين
الدولية، فيما أعربت فرنسا وإيطاليا عن الأسف
والقلق بسبب هذا التطور، وأكدت ألمانيا أن
القرار غير مقبول. وأكدت المتحدثة باسم الناتو،
إن الحلف سيقيم العلاقة على ضوء التزام روسيا
بما جاء في خطة السلام، مؤكدة على إبقاء قنوات
الاتصال مفتوحة، «لا أحد في الناتو يريد أن
يغلق الباب أمام روسيا، لكن في ظل الأوضاع
الراهنة لا يمكن مواصلة الأوضاع كما كانت عليه
قبل اندلاع الأزمة مع جورجيا».
والأمر الذي لا شك فيه أن ثمة مؤشرات قاطعة
على أن العلاقات الروسية - الغربية تتجه نحو
القطيعة والحرب الباردة، ومن أهم هذه المؤشرات:
أن الولايات المتحدة ظلت تسعى بإلحاح خلال
الفترة الماضية من اجل نشر نظامها الصاروخي
الجديد في كل من تشيكيا وبولندا في مواجهة
معارضة روسية قاطعة وحاسمة، وأيضا معارضة
أعضاء بارزين في حلف الأطلسي مثل ألمانيا.
وتضمن الاتفاق الموقع بين واشنطن وبولندا في
الرابع عشر من أغسطس الماضي تزويد الأخيرة
ببطاريات صواريخ باتريوت القادرة على إسقاط
الصواريخ المهاجمة.ويعد هذا الاتفاق بمثابة
استكمال لخطوة أمريكية سابقة خطيرة تمثلت في
اتفاق الولايات المتحدة مع جمهورية التشيك في
يوليو الماضي على استضافة الأخيرة محطات رادار
فائقة القدرة لرصد الصواريخ في مراحل مبكرة من
انطلاقها من قواعدها. وبالخطوتين السابقتين
تكون واشنطن على وجه التحديد قد تقدمت خطوة
نحو محاصرة روسيا الاتحادية وتحجيم قدراتها
على شن هجمات بصواريخ استراتيجية بعيدة المدى
انطلاقا من أراضيها المطلة على شرق ووسط
أوروبا.وهو ما يعني تقليص قدرة روسيا على
الردع النووي وتهديد الأمن القومي الروسي بشكل
مباشر.
كانت الإدارة الأمريكية تكرر دوما ان نظامها
الصاروخي الجديد ليس موجها ضد روسيا بالمرة
وإنما تحسبا لصواريخ معادية من دول مارقة وهي
تقصد ايران.
ولكن يؤكد خبراء الجيواسترتيجية أن إيران تقع
على مسافة أربعة آلاف كيلو متر من بولندا
بينما الصواريخ الأمريكية التي سيتم نشرها في
بولندا مداها ألفا كيلومتر، وهذا يعني أن
الهدف الأمريكي المحدد هو قواعد الصواريخ
الاستراتيجية النووية في قلب روسيا بما يقلص
تماما من قدرة روسيا على الردع النووي وهو
الردع الذي كان بحد ذاته سبب التعايش السلمي
مع أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية. هذا
يعني أيضا أنه سيصبح على روسيا تغيير عقيدتها
الدفاعية من جديد، وهو ما أشار إليه العسكريون
الروس حين أعلنوا أن انضمام بولندا إلى
المشروع الصاروخي الأمريكي الجديد يضعها ضمن
أهداف الرد الصاروخي النووي الروسي في حال
نشوب مواجهة.
ووفقا لبعض المحللين الاستراتيجيين، فإنه إذا
كان سقوط حائط برلين في 1989 وإعادة توحيد
ألمانيا قد أنهيا تقسيم أوروبا الذي أسفرت عنه
الحرب العالمية الثانية، فإن الوجود الأمريكي
على مقربة من الحدود الروسية - سواء منفردة من
خلال النظام الصاروخي الجديد أو بشكل جماعي من
خلال تقدم حلف شمال الأطلسي شرقا - يعني إعادة
تقسيم أوروبا مرة أخرى. ولكن هذه المرة تكون
روسيا وحيدة ومنكفئة على ذاتها ومحاصرة مقابل
أوروبا التي تستقوي عليها بقيادة أمريكية.
وعلى خلفية ذلك ستصبح وارسو التي كانت في
السابق مقرا للحلف العسكري بقيادة موسكو
السوفييتية، لتكون الآن مقرا لشبكة صاروخية
أمريكية تستهدف إصابة روسيا بشلل استراتيجي،
وبعد أن كانت جورجيا وأوكرانيا سابقا جزءا
عضويا من روسيا السوفييتية، تدفعهما أمريكا
الآن إلى عضوية حلف الأطلسي بقيادتها.
ثاني المؤشرات على أن العلاقات الروسية -
الغربية تتجه نحو القطيعة والحرب الباردة هو
ما رصدته أجهزة الاستخبارات الروسية من حركة
كثيفة لتعزيز الوجود العسكري الأطلسي في البحر
الأسود، حيث أكد نائب رئيس الأركان الروسي
أناتولي نوجوفيتسين أن القوات الروسية رصدت
عشر قطع عسكرية بحرية أطلسية بكامل حمولتها من
الأسلحة والعتاد وتتسلح هذه القطع الأطلسية
بأكثر من مائة صاروخ مجنح من طراز «توماهوك»
وكذلك بصواريخ من طراز «هاربون». كما أن
المدمرة »مكفول« الأمريكية تحمل نحو 50 صاروخاً
من طراز «توماهوك» مخصصة لإصابة الأهداف
البرية.
وفي ضوء ذلك قررت روسيا إعادة الطراد الصاروخي
«موسكو» إلى المنطقة الشرقية من البحر الأسود
بعد أيام على سحبه إلى القاعدة البحرية
الروسية في سيفاستوبول، كما أرسلت إلى المنطقة
كاسحة ألغام بحرية وسفينة صاروخية صغيرة. وعلى
رغم استبعاد وقوع مواجهة عسكرية، فإن خبراء
روس تحدثوا عن مخاطر «الترجمة العسكرية للحرب
الدبلوماسية» مع مواصلة الطرفين حشد قوات
كبيرة في المنطقة.
كانت تقارير روسية قد أشارت إلى أن موسكو تخطط
لزيادة حجم مبيعاتها من الأسلحة إلى الخارج
بنسبة من 8 إلى 10 في المائة سنوياً، خلال
السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة.
وكشف رئيس وكالة التعاون الدفاعي الروسي
ميخائيل ديميترييف، أن مبيعات الأسلحة الروسية
إلى الخارج ستصل خلال العام الحالي إلى 8,5
بليون دولار. محذرا من المشكلات التي قد تبرز
بعد عام 2012 ما لم تتخذ الحكومة الروسية
خطوات لتشجيع الاستثمار في الصناعات العسكرية،
إذ أن الكثير من الشركات الدفاعية الروسية إما
توقفت عن العمل أو تحولت إلى تصنيع مواد بديلة
في التسعينات من القرن الماضي.
وتصدّر روسيا أسلحة إلى نحو 80 دولة في العالم،
بينها الصين والهند والجزائر وفنزويلا وإيران
وماليزيا وصربيا. وأكثر أنواع الأسلحة الروسية
مبيعا هي مقاتلات »سوخوي« و«ميج« وأنظمة
الدفاع والمروحيات والدبابات وناقلات الجند
المدرعة والآليات الهجومية لفرق المشاة.
كما تحتفظ روسيا تقليدياً بمرتبة متقدمة في
مبيعات الأسلحة الصغيرة وأنظمة الدفاعات
الصاروخية الجوية والمضادة للآليات.
أما ثالث هذه المؤشرات هو ما ألمحت إليه
تقارير غربية عن إمكانية عودة روسيا لتشغيل
محطة التنصت المعروفة بـ »لورد« فوق الأراضي
الكوبية التي تقدر مساحتها بـ28 ميلا مربعا
والتي كانت روسيا قد أغلقتها عام.2001 فضلا عن
إمكانية نشر القاذفات الإستراتيجية الروسية في
كوبا وهو ما يجعلها على مسافة90 ميلا فقط من
جنوب الولايات المتحدة.
وتشير تلك التقارير إلى أن زيارة الرئيس
الفنزويلي هوجو شافيز الى روسيا في يوليو
الماضي وعقده صفقات شراء أسلحة روسية بمليارات
الدولارات وإعلانه عن استعداد بلاده لاستضافة
قواعد عسكرية روسية، تأتي في إطار الاستعدادات
الروسية لمرحلة الحرب الباردة الثانية.
وكانت بعض التقارير الأمريكية قد ذكرت أن
موسكو نقلت مؤخراً العديد من منصات إطلاق
الصواريخ قصيرة المدى من طراز «إس. إس» إلى
إقليم أوسيتيا الجنوبية، موضحة أن مواقع تلك
الصواريخ شمال عاصمة الإقليم الانفصالي تجعلها
قادرة على ضرب معظم أنحاء جورجيا بما فيها
العاصمة تبليسي.
وفي سياق التصعيد الروسي ضد إدانات ومواقف
الدول الغربية، أرسلت روسيا سفنا حربية إلى
سواحل أبخازيا ترفع العلم الأبخازي الجديد،
وذلك بعد يوم من اعترافها باستقلال هذا
الإقليم وأوسيتيا الجنوبية وذلك بعدما عدلت
الولايات المتحدة عن استعمال ميناء بوتي غربي
جورجيا -حيث يرابط جنود روس وينشر الأسطول
الروسي عددا من قطعه - لإيصال مساعدات إنسانية.
وبدلا من ذلك وصلت سفينة خفر السواحل
الأمريكية «دالاس» إلى ميناء باتومي الجورجي
الذي يبعد نحو 75 كلم عن المنطقة التي تمركز
فيها النزاع بين القوات الروسية والجورجية
بداية الشهر الماضي.
والواقع أن التطورات السريعة في القوقاز تكشف
عن أزمة حقيقية تواجهه الدول الأوروبية في
تكييف علاقاتها مع الدب الروسي الذي أعلن بكل
صرامة عن قوته، خاصة أن الاتحاد الأوروبي عقد
قمة بشأن جورجيا في الأول من سبتمبر الماضي،
وأضحت معظم الدول الأوروبية في ورطة بعد إعلان
مخاوفها من احتمال استهداف روسيا أوكرانيا
ودول أخرى في منطقة القوقاز التي تعتبر في
غاية الأهمية من اجل مرور أنابيب نقل الطاقة
إلى الغرب.
والحقيقة أن الحرب الروسية - الجورجية أصبحت
تثير بقوة مسألة الدور الذي تلعبه الدول
الصغرى في جر الدول الكبرى الى حروب وهي أحد
التفسيرات التي فسرت نشوب الحرب العالمية
الأولى، حيث دخلت روسيا «الاتحاد السوفييتي
سابقا» تلك الحرب دفاعا عن حليفتها الصغرى
صربيا. ووفقا لهذه الرؤية فإن الأزمة الراهنة
قد تمهد المسرح الاستراتيجي العالمي لمواجهة
عالمية كبرى قد تؤدي الى تحول جذري في هيكل
النسق العالمي والى ظهور دول جديدة في السياسة
الدولية.
وبصفة عامة فإن الحرب الروسية - الجورجية لا
شك أنها ستلقي بظلال كثيفة على مستقبل السياسة
الدولية في المرحلة القادمة خاصة بعدما ظهر
الدور الإسرائيلي في تلك الأزمة، الأمر الذي
قد يؤدي الى إبرام صفقات روسية - إيرانية أو
سورية ردا على ذلك وهو ما كشفت عنه زيارة
الرئيس السوري مؤخرا لروسيا.
ويمكن القول أن الأحداث التي تشهدها منطقة
القوقاز تمثل في مجملها بوادر تغيير في ميزان
القوى الأوروبية، في إشارة واضحة لبدء بلورة
توازنات دولية جديدة خاصة بعد أن أصبح واضحا
أن روسيا لن تسمح بموطئ قدم في منطقة نفوذها
المباشر وخاصة مناطق اوسيتيا وأبخازيا والتي
تمثل خطا أحمر لا يمكن تجاوزه نظرا لما تشغله
هذه المناطق من بعد استراتيجي حيوي لروسيا.
بيد أن العديد من الرؤى الاستراتيجية تشير الى
صعوبة انغماس الغرب بقيادة الولايات المتحدة
في مواجهة مباشرة مع روسيا وذلك بحكم المصالح
الاستراتيجية بين القوتين.