«ربما لا نغالي ان قلنا ان الحوار بين اتباع
الاديان ربما يتجاوز اصحاب الرسالات السماوية
الى غيرهم من اصحاب المعتقدات التي يوجد بها
قاسم واضح من الاخلاقيات والمبادئ الانسانية
التي لا يختلف عليها مثل البوذية، وهذه النقطة
على وجه الخصوص تبين الى اي حد ومدى يمكن
لليهود والمسلمين والمسيحيين على وجه البسيطة
ان يجدوا نقاط اتفاق كبرى تعظم من تعاونهم».
مرة أخرى يجد المرء نفسه في سياق الحديث عن
أهمية الحوار والجوار في زمن علا فيه صوت
الفراق على الاتفاق، وبات المنظرون أصحاب
المصالح يشكلون نظرياتهم التصادمية لصالح
معسكرات الكراهية عوضا عن بلورة رؤى الوفاق
وهذا ما جلب على العالم المزيد من المتاعب
وبخاصة في العقد الأخير من القرن المنصرم
حينما ظهرت على السطح أحاديث صدام الحضارات
ذلك التعبير الذي يخفى وراءه ولا شك نوايا
حقيقية لصدام الأديان والتي ما كانت أبدا
لتتصادم بل لتتعايش وقد تعايشت بالفعل طويلا
وكثيرا لكنه زمان الفصل عوضا عن الوصل.
ولعل التساؤل: ما الذي يعود بنا من جديد
للحديث عن «حالة الحوار » بكافة أبعاده
الحضارية والدينية والثقافية الى آخر مناحي
الحياة؟
بلا شك يمكننا ارجاع ذلك الى حديث المؤتمر
العالمي للحوار بين الأديان والمقرر انعقاده
في الفترة من السادس عشر الى الثامن عشر من
يوليو الجاري في العاصمة الأسبانية مدريد
والذي تنظمه رابطة العالم الاسلامي وبرعاية
العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز،
غير انه وقبل الحديث عن المؤتمر فكرة وآليات
ومكانا ربما يجدر بنا طرح تساؤلين: الأول هل
المصطلح في حد ذاته « حوار الأديان» مصطلح
صحيح البنية والتركيب اللغوي والعقائدي ؟
وثانيا لماذا أسبانيا بلغة اليوم، الأندلس
بلغة العصور الغابرة كمكان لهذا المؤتمر دون
غيرها من بلاد الله؟
بداية وفيما يتعلق بالتساؤل الأول ربما كان
الأجدر بنا الذهاب للقول بحوار أصحاب الأديان
لا حوار الأديان ذلك لان الأديان هي معطيات
مطلقة لا نسبية بخلاف بقية النظريات الفكرية
والأيديولوجية البشرية النسبية القابلة للقياس
وللنقد وكذلك للحوار والاتفاق بشأنها او
الاختلاف من حولها وهذا ما لا يتوافر في حال
الأديان بحال من الأحوال، بمعنى ان احدا لا
يتحاور حول عقيدته ومبادئ ايمانه فهذه مسلمات
ربانية لا يمكن لأحد الاقتراب منها بينما
الحوار في واقع الأمر يمكن ان يكون بين اتباع
الأديان حول طرائق ووسائل واليات التعايش
المشترك والاتفاق على قاسم اعظم مشترك فيما
ينفع الناس والوقوف في وجه المفاسد التي باتت
تعم الكرة الارضية سيما من جراء الوجه السلبي
للعولمة ولوسائل الاتصالات الحديثة والتي بقدر
ما خدمت البشرية في جوانب أضرت بها في جوانب
اخلاقية وهذا امر لا يستطيع احد انكاره.
وفي هذا السياق ربما لا نغالي ان قلنا ان
الحوار بين اتباع الاديان ربما يتجاوز اصحاب
الرسالات السماوية الى غيرهم من اصحاب
المعتقدات التي يوجد بها قاسم واضح من
الاخلاقيات والمبادئ الانسانية التي لا يختلف
عليها مثل البوذية، وهذه النقطة على وجه
الخصوص تبين الى اي حد ومدى يمكن لليهود
والمسلمين والمسيحيين على وجه البسيطة ان
يجدوا نقاط اتفاق كبرى تعظم من تعاونهم وفي
ذات الوقت تقلص من هامش الخلاف اي خلاف.
الامر الثاني الذي تجدر الاجابة عليه لماذا
هذا اللقاء في اسبانبا اليوم اندلس الامس؟
ربما يعتبر البعض ان هذا التساؤل من بديهيات
الامور غير ان ذاكرة العوام كثيرا ما لا تزيد
عن ثلاثة اعوام فما بالنا بمئات السنين وعليه
ربما كان التذكير برمزية الاندلس امر حتمي.
يعرف القاصي والداني ان ذلك البلد مثل في
مرحلة تاريخية مبكرة رمزا للتعايش المشترك
فعبر نحو خمسمائة عام عاش المسلمون واليهود
والمسيحيون في ارجاء المملكة لم يفرق حاكم
بينهم، ووجد في بلاط السلاطين المسلمين وزراء
ومستشارون من اليهود ومن المسيحيين، وعرفت
الاندلس بادبائها وشعرائها وكتابها من جميع
الاجناس والاديان ولم يكن من معيار للتمييز
سوى الكفاءة، وقد كانت تلك الفترة الذهبية
مثارا للدهشة في الغرب وشاهدا تاريخيا على
سماحة الاسلام والمسلمين مع من يدينون بغير
الاسلام انطلاقا من ان الاديان لله والأوطان
للجميع بغض النظر عن اللون او العرق او الجنس.
وفي الحق ان الحديث عن الاندلس هو امر قائم
بذاته بمعنى انه في حاجة الى احاديث مطولة
وليس هاهنا مقام تفصيل الكلام لكنها فقط اشارة
عابرة لرمز نجح الداعون للمؤتمر في الاستفادة
منه وتعظيمه.
ويبقى التساؤل الاهم هل العالم حقا في حاجة
لحوار اصحاب الاديان اذا اتفقنا على هذا
التعبير المطروح عوضا عن السابق ؟وهذا التساؤل
يقودنا الى تساؤل فرعي اخر :ما هي الضرورات
الواجب توافرها في هذا الحوار حتى يصبح فاعلا
وناضجا ولا تؤثر فيه زوابع الفنجان ان صح
التعبير؟
يمكننا القول بداية انه لا بد من أن يفترض
الحوار تضامنا مع الطرف الآخر وان يبتعد مجال
الحوار عن مواقف الشك أو رفض ما يأتي من الآخر
أو ما يطالب به الآخر فالحوار يبدأ بنظرة الى
الآخر، نظرة احترام كاملة فلا يعتبره تلميذا
عليه أن يعلمه ولا طريدة يجب أن يصطادها بل
أخا له في الانسانية الواحدة.
ثالثا : يترتب على المحاور أن يتحرر من ثقل
الأحكام السابقة أو التصورات عن الآخرين التي
يتناقلها الرأي الشعبي بطريقة غير واعية من
جيل الى جيل وان يسعى لان يفهم نفسه والآخرين
كأشخاص لهم خبراتهم الشخصية ولهم قدراتهم
ليتخذوا مواقفهم النابعة من قناعاتهم لا من
تأثير الموقف العام.
رابعا: ضرورة قبول المحاور أن يتعلم من الآخر
فعندما نلتقي انسانا آخر علينا أن نعتبر انه
يملك شيئا يعلمنا اياه ويغني خبراتنا الشخصية.
خامسا: أصبح من الواضح أن هدف الحوار ليس أن
نجعل الآخر المختلف يعتنق ايماننا ولا أن
نشككه فيما يؤمن به بل أن ننمي لقاءً روحيا
عميقا يحث كل طرف على أن يتقدم في فهم ايمانه
وفي ترجمته في حياته اليومية.
سادسا: بناء على ما تقدم ينفي الحوار كل
توفيقية أي محاولة ايجاد عقيدة هي مزيج من
عقائد الديانتين SYNCRETISME وكل نسبية أي
مساومة على بعض الحقائق الايمانية RELATIVISME
بل يفترض ابراز حقائق ايمان المتحاورين على
المستوى المعاش أكثر منه على المستوى النظري
فان الحوار الحقيقي يتحول مناسبة ليتعمق
المتحاورون في معنى ايمانهم وفي اخلاصهم له.
والمؤكد أيضا في هذا السياق أن هناك قواعد
أخرى متعددة ومتنوعة تصلح مجالا خصبا للحوار
لا سيما وانه جزء من مسار الباحث في وجدانه
وقلبه عن سر الحضور الالهي.
وأظن كذلك أن هناك وحدة في المصدر الايماني ما
قبل الوحي في اليهودية والمسيحية والاسلام،
فهناك حوار منذ البداية قائم بين الأرض
والسماء بين الله والانسان وما الوحي الالهي
عبر الكتب السماوية ورسائل الأنبياء الا ضرب
من الضروب الأولى لهذا الحوار ولعل كلمتين فقط
يمكنهما أن يقوما الحوار تقويما حقيقيا بعيدا
عن الخلافات الدوجماطيقية والتشرذمات المذهبية
وهما فضيلتا «العدل والتضامن».
فالمسيحية تدعو الى العدل والاسلام يدعو الى
العدل، كما يدعو الى محبة الفقراء التي يحث
عليها الايمان المسيحي كذلك فالحوار اليوم اذن
رغم ما شابه من ضباب أزمة محاضرة ألمانيا يمكن
أن يقوم على فكرة البناء معا سويا جهة مدينة
الله القائمة على العدل والتعاضد وليس مدينة
قيصر القائمة على المجد والقوة والمال.
نعم معا نبني حضارة الاقتسام والمشاركة ونهدم
هيكليات الظلم والاستئثار وعندي أن القضية
الاجتماعية هي المرتكز الحقيقي لمستقبل الحوار
وشهادة الاخوة وعلامة عبادتنا لله الواحد،
فالعطاء هو الأساس الحقيقي لرحمة الله
وللشهادة لحبنا له حتى ولو بالتقدمية المستورة
المتواضعة والعدل جامع مشترك بين المسيحية
والاسلام واليهودية وهو مشروع حوار رائد بين
هذه الديانات فلا يبنى مستقبل على الظلم وهدر
حقوق الانسان رجلا كان أم امرأة.
غير انه في اطار الحديث عن الصعوبات التي
تواجه الحوار الاسلامي المسيحي اليوم لا يمكن
للمرء أن يهمل هذا القدر الهائل من التداخل
بين ما هو سياسي وما هو ديني وبين ما هو روحي
مطلق وبين ما هو دنيوي نسبي فالبعض يرى أن
الحوار الذي بادر به الغرب هو نوع من
الاستدراج للمسلمين ليخرجوا بمواقف ضد من
يدافع عن قضايا الأمة الحقيقية وان اللقاءات
الحوارية التي تجري الآن سائرة في اتجاه
التطبيع والاقناع ونزع الفتيل المعارض للغرب
وهنا في حقيقة الأمر يضطرب أمر الحوار والذي
يقوم على البحث عن أسس روحية وأخلاقية مطلقة
يسعى أتباع الأديان للسير على هديها في طريق
الحفاظ على كرامة الانسان فيما أحاديث السياسة
هي أحاديث الدسائس والمؤامرات والحروب ان
بالنيران أو بالدبلوماسية ولعمري أن اشد ما
يمكن أن يصيب الحوار الاسلامي المسيحي في مقتل
هو خلط المطلق بالنسبي وخلط الديني بالدنيوي
فالمعروف أن الخيرات والقيم الروحية هي
منطلقات مطلقة لا تقبل القسمة بخلاف النسبي
القابل للتوزيع بين غرماء وعليه اذا أردنا
حوارا حقيقيا علينا أن ننزع عنه رداء السياسة
وألاعيب السياسيين وان يكون حوارا لوجه الله
ولخير الانسانية جمعاء أمس واليوم والى الأبد.
ما الذي سيتناوله مؤتمر أسبانيا القادم لحوار
الاديان بحسب الدعوة الرسمية؟ يجيب على هذا
التساؤل الأمين العام لرابطة العالم الاسلامي
عبدالله التركي الذي أشار الى أن ندوات
المؤتمر الذي سيشارك فيه أكثر من 200 شخصية
ستناقش أربعة محاور:
المحور الأول يأتي تحت عنوان «الحوار وأصوله
الدينية والحضارية»، ويناقش موضوع الحوار لدى
أتباع الرسالات الالهية والفلسفات الشرقية،
والمحور الثاني يجيء تحت بند «الحوار وأهميته
في المجتمع الانساني»، ويتضمن مناقشة الحوار
وتواصل الحضارات والثقافات، وأثر الحوار في
التعايش السلمي، وفي العلاقات الدولية، وفي
مواجهة دعوات الصراع ونهاية التاريخ.أما
المحور الثالث فيقع تحت عنوان «المشترك
الانساني في مجالات الحوار»، ويبحث الواقع
الأخلاقي في المجتمع الانساني المعاصر، وأهمية
الدين والقيم في مكافحة الجرائم والمخدرات
والفساد، وعلاقة الدين والأسرة في استقرار
المجتمع، ومسؤولية الانسانية في حماية
البيئة.أما المحور الرابع «تقويم الحوار
وتطويره»، فسيناقش مستقبل الحوار، وجهود الدول
والمنظمات العالمية في تعزيز الحوار ومواجهة
معوقاته، ومهمة الاعلام وأثره في اشاعة ثقافة
الحوار والتعايش بين الشعوب.
ولعل علامة الاستفهام المهمة في هذا السياق هل
وجدت دعوة العاهل السعودي صدى ما في الغرب
يعبر عن تجاوب حقيقي ورغبة فعلية في تجاوز
ابعاد ازمة الصدام وتحفيز اتجاهات الحوار؟
واقع الحال يشير الى اهتمام بل وتشجيع مؤكد
لتلك الدعوة التي ترفع عن العالم مشاعر
الكراهية فالناس اعداء ما يجهلون وبالحوار
يحدث التعارف والتلاقي ومن ثم التحابب، وهذا
ما كان على صعيد حاضرة الفاتيكان بوصفها
المؤسسة الدينية الفاعلة الأولى في الغرب
اليوم، فقد وصفت دعوة ورعاية العاهل السعودي
الملك عبدالله بن عبدالعزيز الى المؤتمر
العالمي للحوار بأنها خطوة مهمة في الاتجاه
الصحيح.
وقال المتحدث الرسمي باسم الفاتيكان فريد ريكو
لمباردين في تصريح لقناة الاخبارية السعودية
ان مؤتمر مدريد مهم بالنسبة للفاتيكان، مشيراً
الى أهمية الزيارة التي قام بها الملك عبدالله
لبابا الفاتيكان العام الماضي.
ويبقى قبل الانصراف القول ان هذا المؤتمر يجيء
في وقت حساس ما احوج الغرب والشرق اليه ليجلو
ما لصق في الصدور من بقية ضغائن ولدتها عصور
مظلمة وتمحو من الذاكرة رواسب خلافية عقائدية
لا محل لها في القرن الحادي والعشرين، وتؤسس
لنقلة جديدة من الحوار أساسها الاحترام
المتبادل والفهم الواعي لدى الأطراف المتحاورة
وليعيد ذكريات زمان الوصل في الأندلس وعن حق.