إشراقات....
الدين والحياة في خطاب معاصر

رئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بالاسكندرية:
الرؤية المنفتحة للسلطنة على العالم وأبنية المذاهب المختلفة
والروابط الثقافية والعلمية والتشريعية جديرة بالتقدير


حاوره- سيف بن ناصر الخروصي:
قال محمد كمال إمام استاذ ورئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة الاسكندرية جمهورية مصر العربية: من حسن حظي انني شاركت في المؤتمرات والندوات التي عقدت في السلطنة منذ عام 1988 بداية من الندوة الأولى التي عقدت عام 1988 عن الاجتهاد في الفقه الإسلامي والإباضي وكانت ثرية منذ 20عاما.
وأكد ان رؤية السلطنة المنفتحة على العالم الإسلامي ككل وعلى أبنية المذاهب المختلفة والروابط الثقافية والعلمية والتشريعية كل هذه امور جديرة بالتقدير.
وأشار إلى ان فصلا كاملا عن الفقه الاباضي وعن مصادره في الاصول الفقهية في كتابه نظريات الفقه في الإسلام الذي صدر عام .1995
وقال: لقد اشرت إلى دور ابن بركة في المقاصد في القرن الرابع الهجري ورؤيته المقاصدية ودوره المبكر في هذا الاطار.
وبين ان المنصفين من الغرب يقولون ان الدين الإسلامي وشريعته صالحة لكل زمان ومكان ومن المفكرين منهم من قال: لن يصلح العالم الغربي الا بتبنيه المنظور القيمي والتشريعي للعالم الإسلامي.
وبيّن ان الاختلاف يثري الحياة الإنسانية وهو رحمة للأمة.
وأوضح ان تنوع الآراء في مجال التشريع ليس خلافا طالما كانت لها حجيتها واصولها وسندها في الكتاب والسنة.
وأكد ان الأمة تعيش مرحلة حرجة من تاريخها نتيجة تفرقها من داخلها وتكالبت الأمم عليها.
وأشار إلى ان الإسلام باق والمسلمين إلى وحدة وان الإسلام محل حماية ورعاية من قبل الله ولكن لن تصلح حياة المسلمين بغير عودتهم إلى مقوماتهم الأساسية من الكتاب والسنة.
وبيّن ان أزمة المؤسسة الدينية موجودة بالفعل لأنها لم تقم بدعم نفسها.
وإلى المزيد مما جاء في هذا اللقاء.
بدأ ضيفنا محمد كمال إمام استاذ ورئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة الاسكندرية جمهورية مصر العربية حديثه عن انطباعاته عن السلطنة ومشاركاته في الندوات والمؤتمرات بها قائلا: من حسن حظي انني شاركت في هذه المؤتمرات والندوات منذ عام 1988 فقد حضرت الندوة الأولى التي عقدت عام 1988 عن الاجتهاد في الفقه الإسلامي والفقه الاباضي وكانت ندوة ثرية منذ 20عاما ثم ترددت أكثر من مرة سواء على هذه الملتقيات او في جامعة السلطان قابوس وأنا حقيقة انطباعاتي عن السلطنة انها في تقدم مستمر وان هذه الرؤية المنفتحة على العالم الإسلامي ككل وعلى أبنية المذاهب المختلفة وايجاد روابط ثقافية وعلمية وروابط تشريعية هذه امور جديرة بالتقدير وبالتالي فنحن فعلا باتجاه نحو ايجاد علائق إيجابية من خلال هذه المؤتمرات بين الفقه العماني وبين البلاد الإسلامية.

بدايات مبكرة

أهم قراءاتك عن الفقه الاباضي وما هي نظرتك له؟
- أنا شخصيا واحد من الناس الذين كما قلت همزة الوصل بيني وبين الفقه بدأت مبكرة ولذلك ضمنت كتابي في نظريات الفقه في الإسلام الذي صدر عام 1995 فصلا كاملا عن الفقه الاباضي وعن مصادره في الأصول الفقه مثل كتاب (طلعة الشمس البهية) وكتاب (فصول الأصول) وضمنته ايضا حديثا عن المراجع الفقهية مثل كتاب (بيان الشرع) وكتاب (شرح النيل وشفاء العليل) وعرفت بأئمة المذهب الاباضي في كتابي وفي كتابي الأخير الذي هو (موسوعة للمقاصد الشريعة الإسلامية) وما كتب حولها وما أنشئ وهو في سبعة مجلدات صدر منه المجلد الأول والثاني في المجلدين وفي المجلد الثاني خاصة تعريف يزيد على اكثر من 30 صفحة بندوة المقاصد الشرعية التي عقدت بعمان وبأهم أبحاثها وأشرت في مقدمة الكتاب بالجزء الأول عن دور ابن بركة في المقاصد في القرن الرابع الهجري وعن رؤيته المقاصدية وعن تقسيمه المخالف إلى حد ما لبعض التقسيمات التي نشأت بعد ذلك ودوره المبكر في هذا الاطار فربما أنا من ذوي الصلة بالفقه الاباضي سواء في المدرسة العمانية او في المغرب العربي.

صلاحية دائمة

وحول رده على من يقول: ان الفقه الإسلامي غير قادر على مسايرة العصر اكد ان هذه دعوى يقول بها من يعادون الفقه الإسلامي سواء من اتباع العالم الغربي اما المنصفون منهم فيقولون ان الدين الإسلامي وشريعته صالحة لكل زمان ومكان لدرجة ان بعض المفكرين قالوا انه لن يصلح العالم الغربي الا بتبنيه المنظور القيمي والمنظور التشريعي للعالم الإسلامي وهذا مدون في مؤتمرات الفقه المقارن واعترف بالفقه الإسلامي في مؤتمر الفقه المقارن في سنة 1936 وفي 1991 باعتباره احدى العائلات القانونية العالمية العائلة الاندوسكسونية واللاتينية ثم العائلة الإسلامية وهذا قول لم يعد يعتد به ولكن يردده بعض اتباع الغربيين اليوم لكن هذه مقولة لا اساس لها من الصحة ومن يقولها ليس منه الا دليل جهل بالفقه الإسلامي سواء بمذاهبه المختلفة او بكتبه او باصوله في الكتاب والسنة ولا يستدعي الرد عليها لأنها لم تعد من المقولات التي لها قيمة في عالم الفكر اليوم.

اثراء للحياة

وعن قيمة الاختلاف في بعض المسائل بين المذاهب يقول: قيمتها انها تثري الحياة الإنسانية ولذلك اختلاف الأمة رحمة بمعنى انه حينما تضيق بنا مسألة في مذهب نستطيع ان نجد في المذاهب الأخرى من الآراء ما نستعين به وهذا ما فعلته التشريعات العربية، ومثالا على ذلك التشريع في المذهب الحنفي قد لا يتسع للتطيق للضرر فوجدنا التطليق للضرر يوجد عند المالكية فأخذنا به في التشريع وقد يكون القول ان الطلاق الثلاث يقع ثلاثا يضيق على حال المسلمين فأخذنا بالرأي أو المذهب الذي يرى ان الطلاق الثلاث إذا جاء بلفظ واحد يقع واحدة وليس ثلاثا، اذن في مجال التشريع هذا التنوع ليس خلافا وإنما هذا التنوع في الآراء طالما ان هذه الآراء لها حجيتها واصولها وسندها في الكتاب والسنة فاختيارها يؤدي إلى صائب القول ويصلح حال المجتمع.

مرحلة حرجة

وحول نظرته للواقع الذي تعيشه الأمة اليوم أوضح ان الأمة تعيش مرحلة حرجة من تاريخها وهذه المرحلة الحرجة من تاريخها نتيجة أمرين تفرقها من داخلها والامم تكالبت عليها من كل جانب وتريد ان تجهض فيها مقوماتها الأساسية وان تقسمها إلى دول والى كانتونات وان تحاربها في قضاياها الرئيسية ولكن في اعتقادي ان الإسلام باق وان المسلمين إلى وحدة وان مستقبل الإسلام هو مستقبل باق لأن قرآنه محفوظ من عند الله حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهذا القرآن يحمله المسلمون فلا بد ان يكون محل حماية ورعاية لكن هذا لا يعني ان يتقاعسوا او يتكاسلوا بل عليهم ان يبادروا ايضا إلى القيام على وحدتهم وتكاتفهم لأنه لن تصلح حياتهم بغير عودته إلى مقوماتهم الأساسية من الكتاب والسنة.

معرفة حقيقة الدين

وعن مدى امكانية المسلم امتطاء سلم التوازن في ظل استمرارالصراع بين الايمان والمادية اشار إلى ان عليه ان يعرف حقيقة دينها نحن حينما تحدث قطيعة بين معرفتنا لديننا الحياة المادية هي الحياة التي نعيشها - طلاق زواج شراء بيع - هي الاشياء المحسوسة وهذه الاشياء المادية قد نستغرق فيها؛ اثنان منهما طالب علم وطالب مال ولكننا اذا عرفنا صحيح ديننا وعرفنا ان المال لسنا اصحابه وانما مستخلفون فيه وان في النهاية الإنسان له اجل وان هناك سلسلة لمقاصد الشريعة هي حماية الدين والمال والنفس والعرض هذه العودة إلى فهم المنظومة الاسلامية المتكاملة وان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وان الصيام يؤدي إلى التقوى وان كل اركان الإسلام تؤدي وظيفتها وان (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) كل هذه المعاني حينما تصحو في قلب المسلم وتترسخ في حياة المجتمع يحدث التوازن.

الناس مختلفون

وحول تصوره عن نظرية للضرورة الشرعية بين ان ضرورة النظرية الشرعية تتعلق بالعقائد وبالفقه (الا ما اضطررتم اليه) (الا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) لكن لها ضوابطها الضرورية ليست ضرورة عامة هناك من يستطيع ان يتحمل الاكراه ولا يعلن الكفر وهناك من يستطيع ان يتحمل الجوع ولا يعطي الدنية في دينه وهذا يعني ان الناس مختلفون وبالتالي هذه نظرة فردية تتعلق بكل فرد وبقدراته وإمكانياته في كل مجتمع لأن التكاليف الشرعية ترتبط بالوسع والقاعدة الإسلامية واضحة (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ).

الأزمة موجودة

وعما إذا كانت هناك أزمة في المؤسسة الدينية والسبيل إلى حلها يقول: أزمة المؤسسة الدينية موجودة بالفعل لكن وجودها له شقان الشق الأول يتعلق بأن هذه المؤسسة لم تقم بدعم نفسها بمزيد من تطوير المناهج الدراسية التي تؤسس العلم بحيث لا تصبح فقط معرفة دينية بحتة وانما معرفة دينية تجتمع اليها معرفة العصر وامكانياته لأنك انت تفتني وتتكلم في الدين في عصر معين هذا انغلاق في المؤسسة الدينية إلى حد ما في مناهجها التي تكون العالم الذي لا يضعف هذه المؤسسة والأمر الثاني هو ان المؤسسة لم تعد ضمير المجتمع قدر ارتباطاتها ببعض التصورات الفكرية والسياسية كذلك عدم وجود الصلة المتينة في عدد كبير من الدول العربية والإسلامية بين العالم وصانع القرار السياسي فوجود توافق وترابط وشورى متبادلة واحترام متبادل ما بين الاثنين من اولي الأمر وهم العلماء والأمراء أمر مهم.

المحافظة ينبغي ان تكون

وحول الحد الذي يمكن فيه اطلاق كلمة المغالاة والتطرف يقول: المغالاة والتطرف نسبيان، فالمسلم الذي هو في بلد غير إسلامي لا بد وان يقوم بجهد كبير في التسلح بقيم دينه حتى يحمي بيته واولاده وفكره لأن البيئة التي من حوله كلها غير إسلامية فهو هنا مجموعة صغيرة وضعيف لذلك يحتاج إلى ان يتسلح بايمانه بقوة، اما المسلم في البلاد الإسلامية الذي لديه متسع على ان يأخذ بأيسر الآراء وان يكون أكثر تسامحا في بيئته التي هو فيها فالبيئة تحافظ له في حد ذاتها على عقيدته وعلى أولاده. والتشدد لا ينبغي ان يكون سمة المسلم في المجتمعات الإسلامية لكن المحافظة ينبغي ان تكون سمة المسلم لا أقول التشدد وإنما المحافظة والتمسك بشدة لا بد من ان تكون سمة المسلم في البلاد غير الإسلامية والمسلم في غير البلاد الإسلامية، نوعان مسافر اليها لأجل العلم او لأجل السياحة او لغيره من الأعمال ومسلم مواطن في هذه الدولة وهنا ينبغي له ان يقوم بمهمة مزدوجة بحقوق إسلامه وبحقوق مواطنته وهذه مهمة اعتقد انها تحتاج منه إلى جهاد كبير.

اتجاه عسى أن يتحقق

وعن تفسير للإساءة على المصطفى صلى الله عليه وسلم من قبل الآخر أشار إلى انها كراهية لحياتنا ومجتمعاتنا لأنني احس بها انها جزء من ديني وعقيدتي لذلك هو يفعلها بقصد ايذائي فهو لا يعرف اهمية هذا الدين ولا ان الإيمان بالرسول ركن من اركان الدين لأنه لا يؤمن وبالتالي لابد ان انظر اليه في سياقه هذا انه جزء من الحملة الموجهة من الغرب ضد الإسلام وجزء من العداء المستحكم للإسلام لكنني لا انظر اليها على ان هذا الرجل ينبغي ان احاكمه على كفره او احاكمه على خروجه لسبب بسيط هو انه لا يؤمن بالإسلام وبالتالي هو يتصرف في هذه الأمور ويعتبرها كانها جزء من منظومته الدفاعية لكن انا حينما انظر اليها لا بد ان انظر اليها في سياقها واقول ان هذا لون من الوان ترسيخ العداء للإسلام الذي تقوم به المؤسسات الغربية وصانع القرار السياسي والنظم الغربية وبالتالي اطالب هذه المجتمعات ان تكون اكثر تفهما وتسامحا وان الدين لله والعلاقة بين المتدينين في العالم الغربي ينبغي ان تكون علاقة جيدة وطيبة حفاظا على قيم الاسرة التي تضيع والدولة التي تتأكد سيادتها حفاظا على اشياء كثيرة لدينا مناطق مشتركة كمتدينين واهمها الحفظ على الدين الذي تسعى الحضارة الغربية إلى انهائه بكل صوره سواء كان الدين الإسلامي او غيره من الديانات وبالتالي اذا كانت لدينا قضايا مشتركة ينبغي ان نعمل لها ومن بينها ان يوجد كما اتجهت الدول الإسلامية الان إلى ايجاد قانون يمنع الاساءة او قرار يصدر من المنظمات الدولية والامم المتحدة يمنع الاساءة إلى أي دين في أي بلد من بلاد العالم.

جزء من الكراهية

وعما اذا كانت هذه الإساءة ناتجة عن الاستهزاء بالمسلمين او من اجل الكراهية للإسلام يقول: طبعا هو جزء من الكراهية لأن المسلمين في نظر الغربيين لا يستطيعون الدفاع عن دينهم وبالتالي لو انهم اقوياء لاستطاعوا الدفاع عن الدين وهذا الدفاع سوف يرتد سلبا على حياة المواطن الغربي بأن يحس بالحياة اليومية بأن سلعه قد بارت وان اقتصاده قد تأثر وان علاقاته بالدول الإسلامية قد تأثرت لو انه شعر بذلك لأحس بأنه لا يستطيع ان يفعل ذلك فكما انه قوي فهؤلاء أقوياء فيمكن ان يردوا بما لديهم من قوة ولذلك الإسلام يقول: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ).

الالتزام الصحيح بالإسلام

وحول ما إذا كان الأجدى في الرد على الاساءة بالمقاطعة المادية أو صلاح النفس المسلمة اولا وقبل كل شيء.
أكد ان الأجدى ان اكون انا كمسلم مجتمعا وافرادا صورة صحيحة للإسلام ثم بعد ذلك هذه الصورة الصحيحة بذاتها سوف تفرض المقاومة لأنها سوف تعطيني قوة اجتماعية وفردية وبالتالي حسن التعبير عن الدين وإذا أحسن التعبير عن الدين حسن الدفاع عنه.
أشكر السلطنة على حسن الضيافة واتمنى لها دائما سلطنة وحكومة وشعبا مزيدا من الرقي والتقدم وبارك في شعبها وفي تقدمها.