ليس من
المبالغة في شيء القول أن من اهم الملامح التي
ميزت السنوات التسع والثلاثين الماضية من عمر
النهضة العمانية الحديثة المديد بقيادة حضرة
صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم –
حفظه الله ورعاه – ان التنمية البشرية
المستدامة كانت احدى الركائز الاساسية الاربع
التي ارتكزت عليها التنمية الوطنية على امتداد
العقود الاربعة الماضية، ليس فقط لان المواطن
العماني هو اغلى ثروات الوطن،وهو ما اكد عليه
جلالته دائما، ولكن ايضا لان هناك ادراكا
عميقا لحقيقة ان المواطن هو قوة وطاقة مختزنة،
يمكن توجيهها والاستفادة منها اذا تمت عملية
تنمية وتوجيه هذه الطاقة بشكل علمي ووفق رؤية
محددة ومتكاملة كذلك من ناحية، كما يمكن في
الوقت ذاته ان تتحول هذه الطاقة الى اتجاهات
اخرى غير مرغوبة، او على الاقل غير مفيدة لا
للمواطن ولا للوطن، وهنا تصبح هذه الطاقة
بمثابة عبء ذاتي ووطني ايضا. وكلا النموذجين
موجود في المنطقة وخارجها ايضا من ناحية ثانية
.
في هذا الاطار فإنه لم يكن مصادفة ابدا ان
تحظى التنمية البشرية المستدامة باهتمام
جلالته – حفظه الله ورعاه – وبشكل دائم
ومتواصل، خاصة فيما يتصل بمجالات التعليم
والصحة والتدريب، وهي الاعمدة الرئيسية التي
يتم من خلالها بناء شخصية الانسان وقدرته على
العطاء وتوجيهه للاسهام الايجابي في تحقيق
اهداف التنمية الوطنية في المجالات المختلفة.
والان وبعد تسعة وثلاثين عاما من العناية
والرعاية الكاملة والمتواصلة بالمواطن العماني،
وبتنمية مهاراته وقدراته، هل آن الاوان للدخول
الى مرحلة جديدة، لن تتوقف فيها حكومة حضرة
صاحب الجلالة عن العناية والرعاية بالتأكيد،
ولكن تعتمد اكثر على مبادرة المواطن العماني
الذي شب عن الطوق، وامتلك القدرة على ادارة
شؤونه واستثمار مهاراته على النحو الذي يفيده
ويفيد المجتمع والوطن كذلك ؟ على اية حال فإنه
يمكن الاشارة باختصار شديد الى عدد من الجوانب
لعل من اهمها ما يلي :
اولا : انه لابد من الاعتراف، وبكل الاعتزاز
والتقدير، ان المواطن العماني حظي بكل اشكال
وسبل الرعاية ليس فقط في مجال التعليم
والتدريب، ولكن ايضا في المجالات الصحية وفي
مجالات التوظيف والتشغيل كذلك.
والاكثر من ذلك انه خلال الثمانينات
والتسعينات من القرن الماضي، وحتى الآن قدمت
الدولة تسهيلات عديدة ومتنوعة لتمكين مخرجات
التعليم بمراحله المختلفة من الانخراط في
دولاب العمل في القطاع الخاص العماني، بل
وتحملت رواتب المعينين من الخريجين خلال فترات
التدريب في القطاع الخاص لتشجيعه على
استيعابهم، والى جانب ذلك وفرت الكثير من
الدعم المباشر وغير المباشر للقطاع الخاص
ليدخل الى مجال التعليم العالي من خلال جامعات
وكليات جامعية، الى حد فكر فيها البعض على
انها مجرد مشروع استثماري، وهو ما يتناقض
وطبيعتها التعليمية الرفيعة. وقد انسحب هذا
الامر ايضا على معاهد التدريب واعادة التوجيه
التي تكاثرت من اجل توفير مهارات تقنية وعلمية
ولغوية للخريجين تمكنهم من الدخول السريع الى
سوق العمل والاستفادة من فرص العمل المتاحة في
القطاعات المختلفة، والتي اصبحت تتطلب مهارات
اكثر تطورا.
من جانب آخر فان الاهتمام بالتنمية البشرية،
وبتمكين المواطن العماني، شبابا وفتيات، رجالا
ونساء، بلغ حد حديث جلالة السلطان المعظم حوله
مرات عديدة، ليس فقط في خطابات جلالته في
احتفالات العيد الوطني المجيد وفي الافتتاح
السنوي لمجلس عمان، ولكن ايضا في حديث جلالته
– حفظه الله ورعاه – في لقاءاته مع الشيوخ
والرشداء والوجهاء والاعيان خلال لقاءات
جلالته معهم في جولاته السامية في ربوع
البلاد، وترغيبهم وحثهم على الاقبال على
العمل، وحث القطاع الخاص العماني كذلك على
اتاحة الفرصة امامهم، وعدم التشدد في شروط
العمل، لاستيعاب اكبر عدد ممكن من الخريجين،
خاصة وان النمو المتواصل في الاقتصاد الوطني
وفي استثمارات القطاع الخاص العماني تجعل منه
القطاع الاقدر على استيعاب مزيد من الكوادر
الوطنية، وبشكل دائم ومتواصل، خاصة وان حكومة
حضرة صاحب الجلالة عملت على تقليل الفجوة بين
القطاعين الحكومي والخاص، وبما جعل القطاع
الخاص الان اكثر جاذبية لمن يريدون الانطلاق
ولمن يتمتعون بقدرات ومهارات لاتريد التقيد
بروتين العمل في القطاع الحكومي. وقد استجاب
كثير من الشباب والفتيات لذلك والارقام تكشف
عن الكثير في هذا المجال.
ثانيا : ان العقود الاولى من مسيرة النهضة
العمانية الحديثة، وحتى الآن في الواقع، شهدت
ما يمكن تسميته بمرونة عالية وواسعة في تشغيل
الخريجين والكوادر الوطنية، وذلك انطلاقا من
اعتبارين اساسيين :
-اولهما ان تشغيل الكوادر العمانية يشكل في
النهاية امرا حيويا على الصعيدين الاقتصادي
والاجتماعي، اذ ان تشغيل مواطن عماني يعني
ببساطة دعم اسرة او فتح بيت عماني، وهو امر
مطلوب ومفيد على كافة المستويات، ليس فقط لان
التعمين هدف وطني جليل، ينبغي السير نحو
تحقيقة بخطوات مدروسة، ولكن ايضا لان استيعاب
الشباب او الخريجين اليوم والصبر عليهم قليلا
حتى يكتسبوا الخبرة المناسبة للقيام بعملهم
على اكمل وجه سيوفر بعد فترة غير طويلة، لن
تتجاوز في كل الظروف بضع سنوات، سيوفر كادرا
وطنيا مفيدا ويمكن الاعتماد بالفعل عليه.
والنماذج عديدة في هذا المجالات وفي قطاعات
تمتد من البنوك حتى الأيدي العاملة الماهرة او
فوق الماهرة. وبالتالي فان ما يمكن تسميته
بفترة الصبر على الابناء تعد في الواقع فترة
ضرورية. والحمد الله انها مرت، ونقترب من
نهايتها، ان لم تكن قد انتهت بالفعل الان كما
اتصور.
-اما الاعتبار الثاني فانه يتمثل في الادراك
العميق لحقيقة اهمية وضرورة ان يتم الاعتماد
بالاساس على الكوادر العمانية للقيام باعباء
التنمية الوطنية في كل القطاعات. سواء لان هذا
هو واجب المواطن العماني ومسؤوليته، او لان
عمان تمتلك ثروة قادرة على العمل والعطاء على
افضل نحو ممكن لان المواطن العماني جبل على
العمل على امتداد حقب التاريخ المختلفة من
ناحية، وان الاكتشافات النفطية والوفرة
البترولية لم تجعله ينسى او يتجاهل او يترفع
على مهن الزراعة والصيد والرعي التي عمل بها
فترات طويلة من الزمن والتي لا تزال تشكل
العمود الفقري للامن الغذائي على الصعيد
الوطني حتى الآن.
وبالرغم من وضوح الرؤية في هذا المجال، سواء
على صعيد الحكومة، او بالنسبة لشرائح عديدة من
المجتمع، إلا انه يمكن القول بأن عمليات
التحديث والنهوض، وما يصاحبها من آثار جانية،
ساعدت العولمة والانفتاح والتواصل النشط بين
الشعوب على امتداد المعمورة على اذكائها، قد
ادت الى ظهور توجهات وضعت العبء كله على
الدولة، باعتبار ان من واجبها ومسؤوليتها
رعاية المواطن وتوفير كل متطلباته، بغض النظر
عن الحقائق الموضوعية المتصلة بحجم الدخل
القومي وعدد السكان وحجم الانفاق الوطني وغير
ذلك من الحقائق التي تحدد خطوات الدولة في هذا
المجال.
والاكثر من ذلك ان هذا التوجه الذي تبناه بعض
الشباب جعله مرادف لحق المواطنة. بمعنى ان
المواطن بحكم مواطنيته له الحق في ان يتلقى
اشكال وصنوف الدعم التي كانت تقدمها الدولة في
العقود الماضية، بغض النظر عن التغيرات التي
حدثت على كل المستويات. ولعل المفارقة هنا
تكمن في ان المطالبة بتلك الحقوق لم يقابلها
في كثير من الاحيان الوفاء بالتزامات
المواطنة، بمعني المسؤوليات التي ينبغي على
المواطن القيام بها حيال نفسه وحيال مجتمعه
ايضا.
ثالثا : انه في الوقت الذي تحرص فيه حكومة
حضرة صاحب الجلالة على الاستمرار في تقديم كل
دعم ورعاية ممكنة لكل شرائح المجتمع العماني،
وهو ما عبرت عنه مكرمات جلالته على امتداد
السنوات الماضية وحتى الان، الى جانب
الاستمرار في برامج التدريب والتأهيل للخريجين
لتمكينهم من الدخول الى مجالات العمل المتاحة،
فان السنوات التسع والثلاثين الماضية قد شهدت
تخريج اجيال عديدة من الخريجين في كافة
المجالات، كما شهدت نمو وازدياد خبرات الالاف
من العاملين العمانيين على كافة المستويات،
ومن ثم فان الظروف الان تختلف تماما عما كانت
عليه في المرحلة الاولى للتنمية الوطنية التي
امتدت خمسة وعشرين عاما، من عام 1970- حتى عام
1995. فهل يمكن الآن الاعتماد على المنافسة
والكفاءة كمعيار ليس فقط في شغل الوظائف
المتاحة، ولكن ايضا كقاعدة لتنشيط الجهاز
الاداري للدولة ولتطوير العمل في كل القطاعات
كذلك ؟ واذا كان من المؤكد انه يصعب الادعاء
بعدم وجود الكوادر المؤهلة او القادرة على
تحمل مسؤولية واعباء العمل في اي موقع وفي اي
مجال، لان ذلك ببساطة غير حقيقي، فانه من
المهم والضروري ان تكون المساواة والفرص
المتكافئة وتشجيع الكوادر الوطنية والصبر
عليها اسسا وعناصر ضرورية حتى يمكن الانتفاع
بما تم القيام به خلال السنوات الماضية من
جهود كبيرة في مجال التنمية البشرية المستدامة
لا تزال مستمرة حتى الان. ويظل السؤال هل آن
الأوان الى مرحلة تتعادل فيها الحقوق
والالتزامات وان يقوم كل مواطن بواجباته
ومسؤولياته وعلى اساس من تكافؤ الفرص والعطاء
المخلص لصالح الفرد والمجتمع ؟ اعتقد انه آن
الاوان.