سيكون شأنا في باب المكابرة يتصرف المرء مع
التراث القومي العربي، فكرا وتجربة حزبية
وسلطة، وكأن كل ما ألم به من خطوب حادثة تسير
قابلة لاستيعاب رضوضها وذيولها واستئناف ما
أهابه انقطاع او ضرر!
وسيكون شأنا في باب التبرير السخيف ان يتمسك
المرء بفرضية لا ترى في كل ما جرى قرينة إدانة
لأخطاء القوميين، لا مهرب من الاعتراف بها
بشجاعة أدبية قصد إعادة تصويب حركة المشروع
القومي، وانما قدرا قهريا مفروضا على من خارجه
المعادي: الامبريالي والصهيوني. سيرقى القول
بذلك إلى مرتبة الحجة القاطعة، الدامغة، على
تهافت الفكرة التي يحاول المبررة من القائلين
بذلك ان يلتمسوا لكبوتها الاعذار. وحينها لن
يكونوا وحدهم في دائرة النقد والاتهام، وانما
القضية التي انتدبوا أنفسهم للنطق باسمها!
وعندي افهم، عند ذاك انما يتبرعون على خصوم
الفكرة القومية بأجزل الهدايا والذرائع للطعن
في شرعيتها وأخذها بجريرة من يحسبون أنفسهم
سدنة لها!
نقول هذا الذي نقوله لعملنا بوجود جيش عرمرم
من «المثقيفين» والسياسيين يتأبى عقله -
ومصلحته - اي شكل من أشكال الاعتراض بأن خللا
أهاب في الصميم آلة الفكر القومي والعمل
القومي، خشية ان يستجر عليه الاعتراف بذلك
فقدانا - لا يريده - لـ«مركزه» في الحياة
السياسية والثقافية، على نحو يستخدم فيه ذلك
الاعتراف ضده على مقتضى القاعدة القرآنية «وشهد
شاهد من أهلها» وما اغنانا عن الفيض في الشرح
لبيان قهور هذا الفهم الضيق للمصلحة وتهافته.
اذ الذهاب هذا المذهب في الحذر من التحاذير
الاعتراف بهزل ما جرى لا يلحظ المصلحة العامة.
مصلحة الأمة ومصلحة مشروعها القومي، وانها
يصرف قوله التبريري والمكابر في المسألة على
جهة حماية المصلحة الخاصة، الذاتية، من
الانكشاف والتبدد!
لقد نشأت، في العقود الثلاثة الأخيرة، طبقة من
«الإكليروس القومي» انتبهت إلى القيمة الكبيرة
لرأسمال: العروبة والقومية في سوق الاستثمار
السياسي، وعكفت على بناء المؤسسات (الشعبية)
التي توفر لأدوار رجالاتها قاعدة اجتماعية
عربية «عريضة التمثيل» تزود تلك الأدوار
بشرعيتها كقوة ناطقة باسم المشروع القومي أو
متنزلة منه بمنزلة الشادن القيم على محفوظات
تراثه. ولعلها: نجحت - نسبيا - في أن تستدرج
إلى مشروعها الخاص (وقد أفلحت في ان توحي بأنه
عام) السنة ثقافية من مفكرين وصحفيين ساقتهم
انحيازاتهم القومية إلى تقديم سخرة ثقافية
لمشروع سياسي خاص لا شأن للأمة به. وليس في
أعراف هذا «الاكليروس القومي»، كأي اكليروس
آخر، شيء اسمه النقد، اذ النقد عنده لا يحمل
الا معنى واحدا وحيدا: النقض، نقض دوره الحريص
عليه لاتصاله بالمصلحة الذاتية: المادية
والمعنوية (بما فيها الزعامية)! لا بد، إذن،
من كسر هذه الحلقة وتحرير الفكرة القومية من
محاولات هذا «الاكليروس القومي» احتكارها
وإحاطة فضائح الحركة القومية بالتستر والتبرير،
من أجل إعادة بنائها على مقتضى علمي في الفكر،
وديمقراطي واقعي في السياسة، اذا كان ينبغي
لهذه الفكرة أن تنتعش من جديد ويكون لها، في
حاضر العرب ومستقبلهم، شأن يعتبر ويذكر وأول
موجبات النهوض بهذه المهمة العودة إلى البداية:
إلى سؤال أزمة الشرعية التي انفجرت، منذ عقود،
في وجه الفكرة والحركات السياسية التي حملتها،
والأنظمة السياسية التي حكمت باسمها.
أزمة الشرعية مثلثة الأبعاد: فكرية، وحزينة
ونظامية وهي أبعاد غير منفصلة وان كانت معطيات
الأزمة فيها متباينة او متفاوتة المراتب. ذلك
ان بعضها يؤثر في الآخر سلبا منذ ان امتنع أو
عزّ التأثير إيجابا. فإذا سلمنا بأنه ما عاد
ممكنا انكار أزمة الشرعية مع استفحال أزمة
فكرة توقفت عن الابداع العقلي والمنافسة
الندية في حقل الأفكار وتحولت: شيئا فشيئا،
إلى ايديولوجيا متكلسة تردد يقينيات تقليدية،
ثم مع أزمة تجربة حزينة ترهلت وفقدت فاعليتها
وقاعدتها الاجتماعية، وتشظت كياناتها
التنظيمية إلى حلق صغيرة ميكروسكوبية تسبح في
فلك الانظمة او تعيش على امجاد الماضي، ومع
أزمة انظمة «قومية» تناقصت عددا مع الزمن،
وراكمت رصيدا مخيفا من الاخفافات، وفقدت
الرحمة في مواجهة شعوبها..، فان علينا ان نسلم
- بالقدر نفسه - أن أقساط المسؤولية في ما جرى
ينبغي ان تراعي التفاؤت بين سهم كل حيز من
الحيزات الثلاثة في صناعة فصول هذه الأزمة. اذ
لا بد هنا من توزيع عادل للمسؤولية على شركاء
الأزمة الثلاثة من القوميين: المثقفين،
والحزبيين والحكام. يشفع للمثقفين انهم آمنوا
بالفكرة القومية ايمانا صادقا، واجتهدوا - ما
وسعتهم طاقة الاجتهاد - لتنمية الوعي بها
وبحيويتها: في أوساطهم وفي أوساط الجمهور،
ودفع الكثير منهم ثمن تمسكه بها سجناً أو نفياً
أو اغتيالاً أو عزلاً، وبأفكارهم نشأت عوامل
سياسية للفكرة من أحزاب وحركات، ومن أفكارهم
استهلمت الأخيرة برامجها واشتقت خطط عملها،
ولكن الذي لا يشفع لهم، أو لأكثرهم، انهم
ارتضوا ان يخونوا دورهم العلمي والتنويري
فيتحولون إلى دعاة ومبررة، وان يقبل كثيرون
منهم أن يؤجروا ألسنتهم للتيار القومي ويطوروا
سيئاته حسنات ونكساته انتصارات، على ان
مسؤوليتهم في الأحوال جميعاً أقل من مسؤوليات
غيرهم لأنهم ما كانوا - إلا قليلا منهم - في
مواقع إدارة السلطة. ويشفع للحركات والأحزاب
القومية انها عملت، في أصعب الظروف، الفكرة
القومية ونشرتها في الشعب، وألقت للفكرة
جمهوراً اجتماعياً، ودفع بعضها غرامة ما فعل
حلاً أو حظراً أو تنكيلاً. لكن الذي لا يشفع
لبعضها انه ابتذل الفكرة القومية بعد ان وصل
إلى السلطة وحولها من فكرة جامعة في الأمة إلى
ايديولوجيا فريق حاكم، والذي لا يشفع لأكثرها
انه ركّب بطارية النظام السياسي «القومي» في
آلته الحزبية واشتغل بطاقتها، وارتضى ان يتنزل
منه بمنزلة شبكة الأمان الاجتماعي التي أحاط
بها كل نظام نفسه، فنسي أدواره الاجتماعية
والوطنية في بلده ليتقمص دور «جالية سياسية»
للنظام «القومي» في مجتمعه. ولا شك أن مسؤولية
الحزبي، بهذا الاعتبار، أعلى من مسؤولية
المثقف بدرجات.
ثم انه يشفع للنخب السياسية القومية الحاكمة
انها حققت لشعوبها الكثير من المكتسبات
التنموية والوطنية، وتمسكت - بصلابة - بالحقوق
العربية الثابتة في وجه العدوان الامبريالي
والصهيوني ولم نساوم عليها (أو على الحد
الأدنى الواقعي منها) حتى في الظروف الحوالك،
غير ان لا شيء يشفع لإخفاقها في حماية تراب
الوطن من الاحتلال الصهيوني والاستعماري، ولا
لإخفاقها في صون مكتسبات التنمية من فساد
أنتجته تجربتها وخرج من رحمها، ولا لبطشها
الذي بلغ حدوداً من الاستبداد السياسي عرّض
بالفكرة القومية وأوحى لدى الناس بأنها ضد
الديكتاتورية والقمع! إن مسؤوليتها في هذا
الذي جرى أعلى من أية مسؤولية تقع على فريق
آخر، فهي من كانت مقاليد الحكم بين يديه. هل
تعني أزمة الشرعية القومية، في صورها وأبعادها
الثلاثة تلك، نهاية لهذه الشرعية بالضرورة؟
نظرياً لا تعني ذلك لأن شرعية فكرة ما من
شرعية الحاجة إليها، والحاجة إلى مشروع قومي
عربي حاجة موضوعية أياً تكن أوضاع من يحمله أو
يستحمله، والشرعيات التي يكون الحامل عليها
تاريخياً وموضوعياً لا تسقط لمجرد أن من تصدى
لها سقط أو أخفق. وكما ان النازية والفاشية
والديكتاتورية - وقد انتصرت في حقبة من
التاريخ المعاصر وسادت - لا تملك أن تكتسب
شرعيتها لأن الديمقراطية في تلك الحقبة سقطت،
فكذلك لا تكتسب التجزئة - في بلادنا العربية -
شرعية لأن الوحدة سقطت، ولا تكتسب التبعية
الاقتصادية شرعية لأن التنمية الوطنية سقطت،
ولا يكتسب الاحتلال شرعية لأن الاحتلال فشل،
ولا يكتسب الاستغلال شرعية لأن العدالة
الاجتماعية أخفقت. من يقول بذلك، هو في أفضل
أحوال الظن به يعاني من قصور حاد في الحس
التاريخي.
هل من سبيل، إذن الى تدارك هذه الازمة الحادة
في الشرعية القومية؟
من البين بمقتضى المقدمات التي نهدر عنها في
تحليلنا، إن هذا التداول ليس فعلا كميا من
قبيل تسريع الخطى، ولا فعلا ترقيعيا من قبيل
ترميم الشروخ والصدوع، وانما هو فعل نوعي
يرادف في معناه معنى الثورة: الثورة على الوضع
القومي المتهالك. نعم، من الممكن الخرود من
نفق الشرعية القومية المأزومة والمشروخة من
طريق إعادة بنائها من جديد: فكريا من خلال
تجديد نظرتنا إلى المسألة القومية العربية على
أسس علمية ونظرية رهينة تقطع قطيعة حاسمة مع
العموميات الايديولوجية والاساطير السياسية
التي اسس بها الوعي القومي، في ما مضى،
مفاهيمه عن الهوية والامة والوحدة العربية، من
أجل تمكين النضال القومي من نظرية يسترشد بها.
وسياسيا من خلال إعادة تأسيس أطر العمل الحركي
القومي على القواعد الديمقراطية والمؤسسية
وتجديد خطابها الحزبي في ضوء متغيرات الواقع
والمعرفة على نحو تقطع فيه مع امراض الزعامية
والحلقية والبيروقراطية، والتشرنق على الذات،
والشعبوية، واللفظانية «الثورية» الخطابية،
والجمود العقائدي في التفكير، ونظاميا من طريق
الانتقال إلى الشرعية الدستورية الديمقراطية،
وتكييف بعقلانية وواقعية بعيدا عن نزعة
الاحتكار والمصادرة، وعن استغلال الرأسمال
القومي الرمزي لتعظيم السلطة الداخلية وتصفية
الحساب مع معارضيها.
وسبيل إعادة بناء الشرعية واضح كالمحجة
البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك.