(نظراً للأهمية الاستراتيجية البالغة التي
يمثلها بحر قزوين في سياسات الحكومات الغربية
من أجل سلامة وأمن خطوط الامدادات النفطية،
أفصحت أمريكا عن أن الهدف من وراء وجودها في
منطقة بحر قزوين يرجع لسببين: الأول اقتصادي
لتأمين مصادر طاقة بديلة، والثاني أمني وهو
اجراء وقائي احتياطي في حال جمدت شحنات النفط
من الخليج. ولتحقيق هذين الهدفين تسعى أمريكا
للسيطرة على بحر قزوين عبر امداد أنابيب نفطية
من تحت مياهه نحو جورجيا وتركيا الحليفتين، ما
يجعلها أقل عرضة للخطر).
جاء تحذير وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس من
زيادة التوتر في آسيا بشأن مصادر الطاقة، خلال
مؤتمر حضره مسؤولو الدفاع والأمن الآسيويون في
سنغافورة، ليثير الكثير من التساؤلات حول
أسباب الارتفاع المستمر في أسعار النفط،
وتأثير ذلك على اقتصاديات العالم، وهل تنجح
واشنطن في تأمين الممرات النفطية في آسيا، وما
هي الآليات التي من خلالها تتحكم أمريكا في
نفط منطقة آسيا الوسطى والقوقاز؟
وتتعاظم قيمة هذه التساؤلات حينما ندرك أن
الصين حاليا هي ثاني أكبر مستهلك للنفط في
العالم بعد الولايات المتحدة، وأن النمو
المتنامي للاقتصاد في الصين والهند قد أدى الى
زيادة الطلب على مصادر الطاقة في العالم، فضلاً
عن وجود نزاع قديم بين الصين واليابان بشأن
حقول الغاز في بحر الصين الشرقي.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن أسعار النفط ستظل
مرتفعة لأسباب عدة من أهمها: الحروب التي
خاضتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان،
وزيادة استهلاك النفط من قبل دول العالم وخاصة
الدول الاقتصادية الصاعدة كالصين والهند
والدول العربية المستهلكة ولا سيما الخليجية
منها، وأزمة الملف النووي الايراني، والتي قد
تؤدي الى ارتفاع سعر برميل النفط من 150
دولارا الى 200 دولار، في ظل هبوط قيمة
الدولار الأمريكي، اذ تتم صفقات النفط
العالمية بالدولار، فضلاً عن المضاربات في
الأسواق المالية ولا سيما أن النفط أصبح سلعة
تباع وتشترى في ما يعرف بالأسواق المستقبلية
(future markets).
ناهيك عن تضاعف تكلفة التكرير في السنوات
الخمس الماضية وعدم زيادة الانفاق على بناء
محطات تكرير منذ السبعينات بحيث ان الدول
الأجنبية تمتلك هذه التكنولوجيات التي أصبحت
حكراً عليها. وقد انعكست أسعار النفط المرتفعة
على أسعار أسهم التكرير التي ارتفعت بدورها ما
بين 200 و300 في المائة، ويؤدي استمرار ارتفاع
أسهم النفط الى تضخم في الأسواق المالية ما
يهدد النمو الاقتصادي العالمي بالانهيار.
ولا شك أن هذا الأمر يشكل ضغطاً وعبئاً على
الاقتصاد الأمريكي وسلاحاً جديداً في أيدي قوى
وأنظمة مناهضة للولايات المتحدة من فنزويلا
الى روسيا وايران، مما يفسح المجال لامكانية
بروز محاور جديدة لتحالفات استراتيجية خصوصاً
أن النفط والغاز الطبيعي أصبحا ورقة تفاوض
وضغط في الأمور المصيرية في العالم.
وتشير توقعات وكالة الطاقة الدولية الى أن
انتاج النفط العالمي سيرتفع من 86 مليون برميل
في اليوم الى 114 مليون برميل في اليوم عام
،2020 في حين لن يزيد العرض سوى 12 مليون
برميل في اليوم. من هنا يبدو أن العرض أقل من
الطلب وأن سوق النفط سوف يزداد اشتعالاً في
السنوات المقبلة. ووفقاً لوزارة الطاقة
الأمريكية، فان كل من الصين والهند والبرازيل
والمكسيك سوف تحتاج عام 2020 الى ثلاثة أضعاف
كمية الطاقة التي استهلكتها عام ،1990 بينما
تستهلك الولايات المتحدة 21 مليون برميل من
اصل 86 مليون برميل مستهلك عالمياً وهي نسبة
عالية تصل الى حد «الادمان» حسب وصف الرئيس
الأمريكي جورج بوش.
ولكي تحافظ الولايات المتحدة على النصيب
الأكبر من النفط في العالم، تنتهج سياسة
مزدوجة تجاه العالم بما يتفق ومصالحها
الاستراتيجية، ففي الوقت الذي تشن فيه أمريكا
حروباً تحت عنوان «الديمقراطية» يردد مسؤولوها
أن أكثر من نصف المناطق الغنية بالنفط العالمي
غير ديمقراطية بشكل كاف .
في ظل هذه الصورة الضبابية قد تنشأ الصراعات
مستقبلاً بسبب النفط ضمن مثلث جيو- استراتيجي
يمتد من الخليج في الغرب الى بحر قزوين شمالاً
وبحر الصين الجنوبي في الشرق فالخليج يمتلك ما
يقدر 65 في المائة من مخزونات العالم من النفط
غير المستخرج ويعتقد كثير من الجيولوجيين أن
الاكتشافات المستقبلية ستزيد المخزون الصافي
للمنطقة ، أما حوض بحر قزوين «الذي ينتج قليلاً
من النفط في الوقت الحاضر لكنه يمتلك مخزونات
هائلة من النفط والغاز الطبيعي ؛ وشرق آسيا
الذي يحتوي على عدد من الحقول القائمة ويضم
بشكل كامن مخزونات كبيرة في بحر الصين الجنوبي،
كما يقع في هذه المنطقة أيضا عدد من المصادر
الثانوية للهيدروكربونات بما في ذلك حوض تاريم
في الصين الغربية وحقل غاز يادانا في بحر
اندامان في عرض البحر مقابل الساحل الغربي
لبورما. هذه المناطق الثلاث معاً تنتج كمية
غير قليلة من النفط العالمي الحالي وتضم ايضا
نسبة من المخزونات العالمية.
وتؤكد العديد من الدراسات أن منطقة آسيا
الوسطى ستكون احدى أهم مناطق العالم التي تشهد
صراعا على الطاقة، ومن هنا تحاول الولايات
المتحدة الأمريكية التمركز في أذربيجان،
جورجيا، تركمانستان، أوكرانيا وأفغانستان،
نظراً لما يمثله بحر قزوين باعتباره ثاني أكبر
احتياط للنفط والغاز الطبيعي ونقطة استراتيجية
تحاول أمريكا السيطرة عليه مبررة وجودها
العسكري في المنطقة لمحاربة الارهاب.
وحسب وزارة الطاقة الأمريكية، يحتوي بحر قزوين
على 270 بليون برميل من النفط أو حوالي خمس
احتياطيات العالم الاجمالية المؤكدة من النفط
وحوالي 665 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي
وهو ما يمثل ثمن -5.21 ٪- من احتياطيات الغاز
في العالم. ويضم حوض بحر قزوين دولاً عدة هي:
أرمينيا، وأذربيجان، وجورجيا، وكازاخستان،
وقرغيزيا، وأوزبكستان، وطاجيكستان،
وتركمانستان، وروسيا، وايران.
ونظراً للأهمية الاستراتيجية البالغة التي
يمثلها بحر قزوين في سياسات الحكومات الغربية
من أجل سلامة وأمن خطوط الامدادات النفطية،
أفصحت أمريكا عن أن الهدف من وراء وجودها في
منطقة بحر قزوين يرجع لسببين : الأول اقتصادي
لتأمين مصادر طاقة بديلة، والثاني أمني وهو
اجراء وقائي احتياطي في حال جمدت شحنات النفط
من الخليج.
ولتحقيق هذين الهدفين تسعى أمريكا للسيطرة على
بحر قزوين عبر امداد أنابيب نفطية من تحت
مياهه نحو جورجيا وتركيا الحليفتين، ما يجعلها
أقل عرضة للخطر. وفي حين سينخفض انتاج المناطق
النفطية مع مرور الوقت بسبب الاستنزاف المستمر
وتتوقع مصادر اقتصادية أن ترتفع كمية هذا
الانتاج في بحر قزوين عام 2010 الى نحو 4
ملايين برميل في اليوم والى 6 ملايين برميل في
اليوم عام .2020
وتسعى أمريكا كذلك الى السيطرة على الممرات
المستخدمَة كخطوط عبور لأنابيب النفط العالمية
وتطلق وزارة الطاقة الأمريكية على هذه الممرات
اسم «نقاط اختناق لعبور النفط العالمي» وهي :
مضيق هرمز، ومضيق ملقا، وباب المندب، وقناة
السويس، وقناة بنما، ومضيق البوسفور. وتنبع
أهمية هذه الممرات من انها تنقل معاً حوالي 30
مليون برميل من النفط في اليوم - ما يزيد عن
40 في المائة من اجمالي الاستهلاك العالمي.
كما تسعى الولايات المتحدة جاهدة لعزل كل من
روسيا وايران عبر تغيير خطوط امدادات أنابيب
النفط والغاز الطبيعي، لما يشكله ذلك من سيطرة
سياسية واقتصادية على الاقتصاد العالمي
واستخدامه كورقة ضغط ضد القوى الاقتصادية
الصاعدة كالصين والهند والتي يمكن أن تستعمل
أيضا ضد الدول الأوروبية اذا ما تعارضت
مصالحها مع المصالح الأمريكية.
ولمواجهة هذه المساعي الأمريكية، عززت روسيا
علاقاتها مع ايران في السنوات الماضية عبر
المساهمة في المشاريع النووية الايرانية
والعمل معاً للتأثير في الأسواق النفطية حيث
تملكان نصف احتياط الغاز الطبيعي في العالم.
ويرى مراقبون أن انشاء منظمة شنجهاي قد ينتج
عنها ترتيبات جديدة تعيد صياغة التحالفات
الاستراتيجية بالاضافة الى احداث ارباك في
أسواق الطاقة. كما كافحت روسيا للحصول على
موافقة دول حوض بحر قزوين لتنفيذ مشاريع
امداداتها النفطية والتي تضمن دور مرافئها في
تصدير الطاقة للدول الأوروبية المجاورة
كأوكرانيا وبلغاريا وغيرهما. الأمر الذي أثمر
عن توصل زعماء روسيا وتركمانستان وكازاخستان
الى اتفاق ثلاثي يتضمن بناء أنابيب للنفط
بمحاذاة بحر قزوين لنقل الغاز التركماني الى
الأسواق الغربية عبر كازاخستان وروسيا، وتهدف
هذه السياسة الروسية الى زيادة سيطرة موسكو
على القسم الأكبر من الطاقة المصدرة عبر آسيا
الوسطى من خلال تحكمها بخطوط الأنابيب. وهو ما
فسره بعض المحللين بأنه بمثابة صفعة للولايات
المتحدة والأوروبيين على حد سواء الذين
يحاولون تأمين منافذ مستقلة لطاقة الشرق
الأوسط بعيداً عن النفوذ الروسي، خاصة أن
أوروبا تستورد حالياً أكثر من 50 في المائة من
احتياجاتها للطاقة ومن المتوقع أن يرتفع هذا
الرقم الى 70 في المائة عام .2030
ويطرح خبراء الطاقة مجموعة من العوامل التي
تقلل من الآثار السلبية لارتفاع أسعار النفط
على اقتصاديات الدول المتقدمة وعلى رأسها
الولايات المتحدة الأمريكية، ومن أبرز هذه
العوامل: أن كل الدول المتقدمة المستهلك
الأساسي للنفط لديها شركات تنشط في مجال
الطاقة، وعندما ترتفع الأسعار ترتفع أرباح هذه
الشركات وينعكس ذلك ايجابياً على الأسواق
المالية وعلى مجمل أداء الاقتصاد، كما أن
الأرباح التي تجنيها الدول المنتجة، وهي دول
كثيرة تغطي القارات الخمس تقوي الطلب،
وبالتالي تعطل الآثار السلبية التي يمكن أن
تنعكس على بعض القطاعات وفي بعض الدول، ذلك أن
دخول مئات مليارات الدولارات الى خزائن عشرات
الدول يقود الى نتائج ايجابية على مجمل
الاقتصاد العالمي.
ولكن الأمر الذي لا شك فيه أن هناك دولاً
كثيرة تتضرر من ارتفاع أسعار النفط، وهي الدول
غير المنتجة والتي ليس لديها شركات ناشطة في
الاستثمار في مجال الطاقة، ولكن هذه الدول هي
دول صغيرة وفقيرة، وهي مستهلك متواضع للنفط
بفعل تواضع اقتصادها، ولهذا فهي غير قادرة على
احداث تأثير سلبي في أداء الاقتصاد العالمي
طالما أن جميع اقتصاديات الدول الكبرى تستفيد
من ارتفاع أسعار النفط بأشكال مختلفة، وقادرة
أيضاً على تطويق الانعكاسات السلبية لهذا
الارتفاع.