الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....

أسواق النفط بين الأزمة والسعر العادل
د. محمد رياض حمزة
استاذ بالكلية التقنية العليا بمسقط


وبالرغم من أن اوبك وبالنيابة عن المنتجين خارجها تؤكد دراساتها على ان الاسعار الجامحة ليس من صنعها وليس هناك شح في الاسواق الا إن معظم المستهلكين يرون ان بامكان الدول المنتجة خفض الاسعار بزيادة الانتاج.
اوبك والمنتجون خارجها سعداء بالمزيد من العوائد ولا يمكن لوم احد منهم على حصوله على اي عائد اضافي ما دامت الاسواق فتسلم فوق كفايتها من النفط الخام.
خلال عقد من الزمن (1998 - 2008) تضاعف سعر برميل النفط الخام بنسبة تجاوزت 1000٪، فإن كان المستوردون يعتبرون ذلك التضخم أزمة خطيرة، ففي عام 1997 و1998 تدنى سعر البرميل إلى 10 دولارات أو أقل، ثم تصاعد توالياً ليصل في منتصف مايو 2008 إلى ما يقرب من 130 دولاراً للبرميل. أما المنتجون المصدرون فيرون أن سعر النفط كان على مدى القرن العشرين يباع بثمن بخس لا يوازي القيمة الاستعمالية كمصدر للطاقة عصب الحياة الاقتصادية في معظم الأنشطة الإنتاجية والاستهلاكية في العالم، لذا فإنهم (المنتجين) يعتبرون سعر البرميل الذي تجاوز المائة دولار سعرا عادلا بالمقارنة مع ما يجب دفعه مقابل المنتجات الصناعية، وعند مقارنة سعر النفط بنسب التضخم وتآكل القوى الشرائية للعملات وتناقص أو عدم استقرار صرفها فقد اعتبر السعر متدنياً ولا بد أن يؤثر على عوائدها، وقد كان ذلك سبباً في مواجهة معظم الدول المصدرة للنفط من أعضاء منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) أو خارجها، لأزمات تمويل مشاريعها التنموية على مدى النصف الثاني من القرن العشرين.
تلك هي جدلية وتناقض مصالح طرفي معادلة النفط، المستهلكون من جهة والمصدرون من الجهة الثانية، وبين موقف الفريق الأول الذي تمثله منظمة الطاقة الدولية وبين موقف الفريق الثاني الذي تمثله منظمة الأوبك ومعها المنتجون خارجها، فإن تجارة النفط هي الأكثر تأثيراً على مجريات وتطور الاقتصاد العالمي اليوم.
بعد الحرب العربية - الإسرائيلية عام ،1973 عندما نشبت أزمة إمدادات النفط بسبب مقاطعة العرب، وارتفاع سعر البرميل إلى ما تجاوز 25 دولاراً تم تأسيس هذه الوكالة الاستشارية التي يبلغ عدد أعضائها 27 دولة من الدول المستوردة للنفط الخام ومشتقاته.
وكانت وكالة الطاقة حريصة على الدفاع عن مصالح الدول المستوردة للنفط، ومعظمها دول غير منتجة للنفط، ومن بين أعضائها الولايات المتحدة الأمريكية المستهلك الأكبر للطاقة في العالم رغم انها من كبريات الدول المنتجة. ودأبت هذه الوكالة على حث الدول المنتجة بزيادة كميات الإنتاج وإمداد أسواق النفط العالمية بما تحتاج. وبالرغم من تأكيد وحدة دراسات السوق في منظمة أوبك على أن إمدادات النفط الخام في الأسواق العالمية ومصدرها أعضاء أوبك والدول الأخرى أكبر من حاجة الأسواق، بمعنى ان المعروض من النفط الخام يفوق الطلب.
إلا أن الأسعار بقيت ترتفع، وأكد ذلك أكثر من مصدر غربي. بمعنى أن منظمة أوبك والمنتجين الآخرين غير مسؤولين عن تقافز الأسعار، وان أسباب ارتفاعها لا علاقة لها بقوانين السوق، وإنما تتأثر بالتطورات السياسية والاقتصادية التي تفعل فعلها في استقرار الأسواق.
وهنا توجب طرح السؤال التالي: من الذي يتحكم بأسعار النفط؟ ويعتمد الجواب على وجهات نظر كل من طرفي المعادلة. فهناك رأي يقول إن الولايات المتحدة الأمريكية تتحكم وتؤثر في أسواق النفط من خلال عدة عوامل، وان هناك خطة استراتيجية هدفها اضعاف منافسيها المحتملين، الصين والهند والاتحاد الأوروبي، إذ أن الولايات المتحدة قادرة على استيراد أي كمية من النفط من السوق العالمية وفي أي وقت إذ أن مموليها التقليديين جاهزون لتزويدها بالكميات التي تحتاجها. وتجدر الإشارة إلى أن حاجة الولايات المتحدة لا تزيد عن 20٪ من النفط الخام من حقولها، ولكن هناك ما يعرف بالمخزونات الاستراتيجية التي يتذبذب حجمها حسب ما يسحب منها لأغراض غير تجارية ويصدر بيان أسبوعي عن تلك المخزونات صار تذبذب مستواه من العوامل المؤثرة على أسعار النفط، إذ تتطلع الأسواق إلى بيان وزارة الطاقة الأمريكية الاسبوعي لتقول ما إذا زاد المخزون الاستراتيجي أم نقص فتتأثر الأسعار بتناسب عكسي مع مستوى المخزون الاستراتيجي. ويمكن أن يكون الإعلان عن حجم الموجود في ذلك المخزون مختلفا عمّا تفصح عنه البيانات الدورية، لأسباب ترتبط بالمصلحة القومية للولايات المتحدة، أما تلك الكميات التي تستوردها الشركات الأمريكية فإنها يجب أن ينظر لها على أنها كميات ترتبط بتجارة الطاقة من جهة وبالحاجة الفعلية الداخلية للحياة الاقتصادية للولايات المتحدة من جهة أخرى.
وجهة النظر هذه تذهب إلى أبعد من ذلك فتقول إن ارتفاع أسعار النفط إلى المستويات التي تجاوزت 128 دولاراً للبرميل في منتصف مايو 2008 يأتي في مصلحة شركات النفط الأمريكية والتي تربط بها المجموعة الصانعة للقرار السياسي الأمريكي.
ويرى أصحاب هذا الرأي ان رفع اسعار النفط مع ضعف صرف الدولار من شأنه القاء أعباء مالية وتجارية على الصين ودول الاتحاد الاوروبي، فيضعفها كمنافسين محتملين للولايات المتحدة.
غير ان ما تقدم لا تؤيده المواقف المعلنة للولايات المتحدة الأمريكية التي يعمل المسؤولون فيها على خفض أسعار النفط من خلال حث المنتجين على زيادة الامدادات، بل ان الرئيس الامريكي جورج بوش وخلال زيارته للمملكة العربية السعودية يوم 16 مايو 2008م طلب زيادة انتاج النفط السعودي بواقع مليون برميل يوميا الا ان السعودية كانت قد زادت انتاجها بما يقرب من 300 ألف برميل يوميا، فاعتبرها بوش زيادة غير كافية وانها لا تحل مشكلات الطاقة.
ولعل الاجراء المعلن الأهم للتأثير على اسعار النفط الخام ذلك الاعلان الذي صدر عن وزارة الطاقة الأمريكية يوم 16 مايو 2008م بان الولايات المتحدة الأمريكية قررت تعليق ملء احتياطياتها الاستراتيجية من النفط الخام اعتبارا من صيف 2008م ولمدة ستة أشهر وأشارت الوزارة الى ان ذلك القرار سيطبق اعتبارا من الاول من يوليو 2008م وحتى ديسمبر. وجاء ذلك القرار مستندا الى قرار اصدره الكونجرس الأمريكي يوم 13 مايو 2008م طلب فيه وقف استيراد النفط الخام لملء خزانات الاحتياطي الاستراتيجي بهدف خفض اسعار المشتقات النفطية، اذ تجاوز هذا الجالون الواحد من وقود السيارات 4 دولارات خلال مايو 2008م واكد مسؤول في البيت الابيض ان الرئيس بوش لن يعطل القرار. كما اشارت وزارة الطاقة الامريكية الى ان كمية المستورد من النفط الخام لاغراض الاحتياطي الاستراتيجي لن يؤثر على الاسعار، اذ انه لا يمثل سوى اقل من 10٪ من الاستهلاك العالمي.
معروف ان الولايات المتحدة الامريكية، الدولة الأكبر في العالم لا تتهاون في امور أمنها القومي وبما ان الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط ومشتقاته من بين أهم مقومات أمنها القومي، فإن الاعلان عن وقف تزويد صهاريج مخازنها بالنفط الخام يمكن ان يأتي في اطار الحملة الاعلامية للمساعدة في استقرار اسواق النفط وخفض الاسعار، اما اذا طبق القرار فعلا، فلا بد ان يلقى صداه بزيادة كمية المعروض من النفط الخام بواقع يتجاوز الطلب فتنخفض الاسعار.
أكد أكثر من مسؤول في اوبك، ان زمن سعر النفط الخام غير العادي قد ولى ولن تقبل أوبك ان تتدنى أسعار النفط الى مستويات تضرّ بمداخيلها، بينما تحقق الدول المتقدمة المستوردة للنفط الخام اضعافا مضاعفة من الارباح لقاء النفط المستورد.
ومنذ ان تضاعفت اسعار النفط الخام وتدفقت العوائد الهائلة على المنتجين خلال عقد من الزمن قررت حكومات الدول المنتجة ان تتدبر وتحتسب لابقاء سعر برميل النفط بما يتيح كفاية من الموارد التي تحتاجها الدول المنتجة لاستكمال البنى الأساسية لاقتصاداتها وعند متابعة آراء وزراء نفط منظمة أوبك وحتى قادتها، فان هناك من يرى ان تجاوز سعر البرميل مائة دولار سعر عادل، بل يرى البعض انه اقل من السعر العادل بحساب التضخم العالمي لاسعار المنتجات الصناعية والتكنولوجية المطوّرة.
وخلال بضع سنوات من ارتفاع اسعار النفط الخام تراكمت رؤوس الاموال لدى معظم الدول المنتجة المصدرة ووجد لها منظرو المال اسم (الصناديق السيادية) وهي ملكية الدول لرؤوس الاموال التي تسجل في كثير من الحالات باسم مسؤوليها حتى ان الرقم المتداول عن حجم الاستثمارات السيادية العربية في الولايات المتحدة وأوروبا يبلغ 1,6 تريليون دولار (الترليون الف مليار) وازاء هذه الحالة، فإن عددا من المسؤولين الامريكيين بدأوا يتحدثون عن جدوى تكديس عوائد النفط في الدول النامية المنتجة التي لم تتمكن خلال قرن من الزمن من تطوير قطاعات انتاجية (صناعية او زراعية) بديلة عن عوائد النفط الذي تعتمد على عوائده فترفع اسعاره باساليب مصطنعة على حد تعبير عدد من المسؤولين والكتـّاب الغربيين.
وبالرغم من أن اوبك وبالنيابة عن المنتجين خارجها تؤكد دراساتها على ان الاسعار الجامحة ليس من صنعها وليس هناك شح في الاسواق الا ان معظم المستهلكين يرون ان بإمكان الدول المنتجة خفض الاسعار بزيادة الانتاج.
اوبك والمنتجون خارجها سعداء بالمزيد من العوائد ولا يمكن لوم احد منهم على حصوله على اي عائد اضافي ما دامت الاسواق فتسلم فوق كفايتها من النفط الخام.
من خلال متابعة تطور اسعار برميل النفط الأمريكي المعروف بـ(الخام الأمريكي الخفيف) والذي يتداول في سوق نيويورك للنفط يمكن حصر تقلبات السعر كما يلي:
∎ في اكتوبر ،1973 شهد العالم ما عرف بأزمة النفط الأولى وهي الحرب العربية - الاسرائيلية، قررت معظم الدول العربية المنتجة للنفط وقف صادراتها فصعد سعر البرميل من 4,31 دولار الى 27 دولارا.
∎ يناير 1979 اضطربت اسواق النفط بعد اندلاع الثورة الايرانية وسجل البرميل 14,85 دولار واعتبرت سنة 1979 الأزمة النفطية الثانية.
∎ سبتمبر ،1980 شهد العالم أزمة ثالثة باندلاع الحرب العراقية - الايرانية وصعد البرميل الى 38 دولارا.
∎ اغسطس ،1990 اضطربت الاسواق واعتبرت الأزمة الرابعة عندما غزا العراق الكويت وسجل البرميل 27,33 دولار.
∎ ومنذ مطلع عام 1997م، كانت الأزمة التراجعية لأسعار النفط وشهد العالم ما عرف بأزمة النمور الآسيوية الاقتصادية التي تدني خلالها سعر برميل النفط الى 11,30 دولار.
∎ مارس ،2003 تعرضت الأسواق الى الضغوط واعتبرت أزمة عندما غزت الجيوش الأمريكية العراق وصعد البرميل الى 33,43 دولار.
∎ اغسطس 2005م ضرب اعصار (كاترينا) سواحل دول البحر الكاريبي وتعرضت العديد من مصافي النفط الى الدمار وصعد سعر برميل النفط الى 64,96 دولار.
∎ وفي 22 مايو ،2008 سجل البرميل سعرا قياسيا جديدا حيث ارجع المراقبون الأسباب الى المضاربات وهاجس تراجع الامدادات مع بقاء الأزمات الدولية عوامل ضاغطة تجعل الاسواق غير مستقرة.
∎ وفي 6 يونيو 2008 سجل الخام الأمريكي الخفيف 139 دولارا للبرميل.
وفي معظم الحالات تأكد ان أهم الأسباب هي حساسية الاسواق في استجابتها لأي طارئ يفسر انه مؤثر على الامدادات، فالمضاربون من الذين يسعون لتحقيق الارباح وانتهاز الاحداث واستغلالها لعمليات بيع او شراء عاجلة تربك الاسواق وتؤدي الى رفع الاسعار وللأحداث السياسية وقع فاعل في اتجاه اسواق النفط وللاحداث التقنية والادارية في اي من الدول المنتجة اثر على استقرار الاسواق، فضلا عن بعض التصريحات المقصودة وغير المقصودة من بعض المسؤولين في اي من الدول المنتجة آثار على اوضاع الاسواق. ولعل حالة اسواق النفط بين مستفيد ومتضرر يلخصها شطر بين الشعر التالي (مصائب قوم عند قوم فوائد).

  رجوع