الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

عن إشكاليات تجديد الفكر القومي العربي
ماجد كيالي


طوال أكثر من نصف قرن، تم التعامل مع القومية العربية باعتبارها فكرة بديهية، مطلقة وحتمية، بالنظر إلى وحدة اللغة والتاريخ والجغرافيا (وحتى الآمال والمصير!)، وكأن هذه توجب تلك (!) وبشكل ميكانيكي؛ لكن معطيات الواقع، وتحولاته، بيّنت خطأ هذه النظرة، وقصورها عن الوضع العربي، وعدم استيعابها لدينامياته.
ويؤخذ على الخطاب القومي، الذي دأب على الترويج للعروبة السياسية، بأنه غالبا ما استمرأ إحالة، عدم تحقّق مشروعه المتعلق بقيام «الدولة العربية الواحدة»، إلى القوى الخارجية فقط (الإمبريالية والصهيونية)، دون التبصّر بالعوامل الداخلية، وبمكوّنات وتفاوتات البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى المفاهيم الثقافية، السائدة في البيئة العربية؛ والتي لم تنتج إلا مزيداً من الانشطار والتشظّي، على صعيد المجتمعات، كما الخلافات، على صعيد الحكومات. الأنكى أن هذا المشروع توسّل الطرق «الثورية» (وبالأدق العسكرية) لإنجاز الوحدة، دون المرور بتوسّطات في الكيانية السياسية (كونفدرالية، فدرالية، تكامل في مجالات معينة)، ودون تدرّجية (لاحظ مثال الوحدة المصرية السورية)، ودون تنمية المصالح المشتركة بين الناس. وفي كل ذلك فقد تم التعويل على المثال البسماركي (التوحيد بالقوة)، وعلى الدولة المركز، ما أثار الشبهات حول هذا المشروع، كما أدى (مع عوامل أخرى)، إلى انحساره، وإخفاقه، في التجربة الملموسة؛ ما يمكن ملاحظته في مآل التدخّل المصري في اليمن، وإخفاق وحدة مصر وسورية، وتعثّر المداخلات السورية في المشرق العربي (لبنان وفلسطين والعراق)، والتداعيات الخطيرة للغزو العراقي للكويت (1990)، ومشاريع الاتحاد بين لييبا والعديد من البلدان العربية. وفي مراجعة للمسار التاريخي يمكن ملاحظة أن الفكرة القومية لم تكن نتاج حالة وعي أو نهوض جماهيري/مجتمعي، ولا نتاج حالة سياسية/ حزبية عربية، بقدر ما كانت نتاجا لثورة يوليو (1952)، بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، كما بمثابة ردة فعل على نكبة فلسطين وقيام إسرائيل.
واقعيا فإن فكرة القومية العربية ازدهرت في الخمسينات والستينات، وبدأت بالضمور في السبعينيات والثمانينيات، وانحسرت في تسعينيات القرن الماضي. بمعنى أن هذه الفكرة تدين بصعودها إلى زعامة مصر للعالم العربي (في حينه)، حيث اضطلعت (في حينه) بدور الدولة /المركز، في ظل قيادة عبد الناصر بشخصيته القيادية الكاريزمية؛ دون أن نقلّل من أهمية التداعيات التي ولّدتها في المحيط العربي، ولا من قيمة الفكرة القومية بحد ذاتها، لجهة عدالتها وشرعيتها في الواقع العربي. وعلى خلاف الشائع، فإن هذه الفكرة لم تعم بلدان الوطن العربي بكامله، وإنما انحصرت في منطقة تشمل مصر وبلدان المشرق والخليج العربيين، بمعنى أنها لم تشمل تماما البلدان العربية في شمالي أفريقيا والسودان.
أما من جهة التجربة الحزبية، فإن هذه الفكرة لم تجد تمثّلا لها إلا في تجربة أحزاب قليلة، ضمنها حركة القوميين العرب، والبعث، وأحزاب ناصرية، وهي كلها تواجدت في بلاد الشام والعراق وبعض بلدان الجزيرة العربية، وظلت محصورة في إطار الفئات الوسطى، والأرياف، وفي أوساط بعض المثقفين والعسكريين (في مصر وسورية والعراق).
بالمحصلة فقد لاقت الفكرة القومية إخفاقها في الواقع العربي: السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ليس فقط مع نشوء الدولة الوطنية/القطرية، وإنما بفشل هذه الدولة في الارتقاء بمستويات الاندماج الاجتماعي، في بلدانها، بسبب من تحولها لمجرد سلطة، على حساب قيام دولة المؤسسات والقانون والمواطنة. إن هذا الفهم للسياق التاريخي لتكون الدولة، في المنطقة العربية، يشكل حجر الزاوية بشأن إدراك أسباب إخفاقها، وضمن ذلك اخفاق فكرة القومية العربية، والتكامل الاقتصادي، ذلك أن الدولة التسلطية الناشئة، خلقت حالا من الاغتراب مع المجتمع، مما أدى إلى صعود الانتماءات والهويات القبل دولتية (الطائفية والمذهبية والاثنية والعشائرية)، على حساب الهوية الوطنية، وترسخ المصالح القطرية والتمايزات المجتمعية. هكذا بات المشروع الوحدوي، من الناحية السياسية، أصعب منالا من قبل، إذ تحولت اتفاقيات سايكس بيكو (في المشرق العربي) من تجزئة على الورق (مطلع القرن العشرين)، إلى حدود وحواجز وتأشيرات (منذ منتصف القرن العشرين)، تفصل بين مواطني البلدان العربية من النواحي السياسية، والاقتصادية والاجتماعية الثقافية، وفي مجالات الهوية؛ وحتى أن الحلم بمجرد إيجاد نظام تعليم مشترك أو سوق عربية مشتركة، أو سكة حديدية تربط البلدان العربية ببعضها، يكاد يكون ترفاً فوق الاحتمال. ومن الناحية الاجتماعية لم تتحقّق مشاريع الاندماج على المستوى الوطني (كما قدمنا) إذ واجهت صعوبات وإخفاقات جمة، بغياب الدولة المؤسسة أو دولة المواطنين، في ظل تباينات البنى المجتمعية، على خلفية العصبيات الطائفية والمذهبية والإثنية والعشائرية، وهو واقع الحال في عديد من البلدان العربية. فإذا كانت هذه المجتمعات لم تصل إلى حد الاندماج الوطني فكيف لها أن تحقق توحدها، أو اندماجها، على المستوى القومي؟ وإذا لم تنجح الدولة القطرية فكيف ستنجح الدولة القومية؟
ولا يبدو الوضع من الناحية الاقتصادية أحسن حالا، فالتفاوتات بين البلدان العربية تزداد اتساعا، بين الدول الغنية والدول الفقيرة، والكثيرة السكان والقليلة السكان.
وحال العلاقات الاقتصادية العربية البينية لا تؤشّر إلى امكانات تفعيل مسارات التكامل والتوحد، وتنمية المصالح.
هكذا فإن المقدمات السابقة (دون أن نذكر الخلافات البينية العربية) تفسّر أفول الفكرة القومية، التي تراجعت في الخطابات والممارسات السياسية، على مستوى الحكومات والتيارات والمجتمعات، في المنطقة العربية، لصالح تسيد النظام القطري، والمصالح المجتمعية القطرية. ويمكن الاستنتاج، من كل ما تقدم، أولأً، بأن الدولة القطرية باتت واقعا لا يمكن نفيه أو تجاهله، وإنما يمكن البناء عليه، في أية مشاريع مستقبلية، وضمنها مشاريع التكامل العربي، أو الوحدة الاقتصادية العربية، التي ربما تصل للوحدة العربية الناجزة مستقبلا. وثانيا، فإن المطلوب في هذه المرحلة تطوير هذه الدولة من مجرد كونها سلطة إلى كونها دولة مؤسسات وقانون، أي دولة مواطنين، بما يحقق الاندماج الاجتماعي. ثالثا، إن توسل الطرق الثورية (الانقلابية والقسرية) لا يفيد في تغيير الواقع، الذي لا يتغير حقا إلا بالأساليب السلمية والتدرجية. رابعا، إن تنمية مصالح الناس (وليست الأيدلوجيات)، وتنمية وعيهم لحاجاتهم، وأولوياتهم، هي التي تؤدي إلى خلق المسارات اللازمة للتطور في هذا الاتجاه، أو في غيره.
المعنى من ذلك أن التفكير السياسي العربي، وضمنه التفكير القومي، بحاجة إلى تجديد خطاباته للانتقال من البديهيات إلى حيز الواقع، ومن مجال المبالغة بدور العامل الخارجي إلى التفكير بدور العامل الداخلي في المسؤولية عن تفتّت أوضاعنا. ومن مستوى التعويل على الحتميات والتوهمات إلى بحث في تعميق المصالح المشتركة.

  رجوع