الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....

بين الاعتبارات السياسية والانعكاسات الاقتصادية
أحمد سيد أحمد
باحث في العلوم السياسية


(تختلط الأبعاد الاقتصادية بالاعتبارات السياسية في اطار حرب باردة بين الدول المنتجة والمستهلكة للنفط، في محاولة كل طرف تحقيق أكبر عائد من ذلك الارتفاع في الأسعار والضغط على الطرف الآخر بما لديه من أوراق، بينما الضحية في كل هذا هي الدول النامية والفقيرة، خصوصا في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ومن المتوقع أن يكون النفط هو محور تفاعلات العقد القادم بما له من تداعيات اقتصادية سلبية ليس فقط على الدول الفقيرة بل أيضا على الدول المتقدمة، بل وربما يكون النفط أحد المصادر الأساسية لاندلاع الحروب والأزمات العالمية المقبلة على غرار ما حدث في العراق ودارفور).
تخطت أسعار النفط حاجز المائة وخمسة وثلاثين دولارا في سياق تزايد مستمر في الأسعار بغير كابح أو جامح، لم يشهد له مثيل منذ أزمة بداية السبعينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي، ووسط تبادل الاتهامات بين الدول المستهلكة والمنتجة عن المسؤولية وراء هذا الارتفاع المضطرد في الأسعار، تثار التساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع الأسعار وهل هي أسباب اقتصادية بحتة أم أن وراءها دوافع سياسية، ثم ما هي الآثار الناجمة عن هذا الارتفاع على التنمية والتجارة الدولية وأزمة الغذاء العالمية؟
على خلاف أزمتي السبعينيات والتسعينيات والتي ارتفعت خلالها أسعار النفط قفزات كبيرة نتيجة لحرب 1973 بين العرب واسرائيل وحرب الخليج الثانية، فإن الطفرة التي شهدتها أسعار النفط في العامين الأخيرين، جاءت في ظروف طبيعية وشكلت جملة من العوامل الاقتصادية والسياسية الأسباب وراء هذا الارتفاع الكبير الذي لا تظهر بوادره حتى الآن على توقفه، وتتمثل في:
أولا: العوامل الاقتصادية، وتتجسد في تزايد الطلب العالمي على النفط نتيجة لارتفاع معدلات التنمية في العديد من دول العالم، خصوصا الصين والهند اللتين تضاعف استيرادهما من النفط بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة لتغطية احتياجاتهما بعد أن تجاوزت معدلات النمو فيهما10٪ ، اضافة الى تزايد الطلب التقليدي الأوروبي والأمريكي والياباني، وكذلك ما سببته الكوارث الطبيعية مثل الأعاصير والفيضانات من أضرار لمصافي تكرير النفط كما حدث في خليج المكسيك، ونقص الاستثمارات الجديدة في مصافي التكرير وصيانتها، فالمشكلة ليست في النفط الخام بقدر ما هي في النفط المكرر مثل البنزين والديزل وغيرهما، وهناك أيضا عوامل تتعلق بتزايد عدد السكان في العالم وارتفاع مستويات المعيشة في العديد من الدول دفع سكانها الى اقتناء السيارات مثل الصين والدول الآسيوية وبعض الدول العربية وكل هذا زاد من حجم الاستهلاك العالمي من النفط، غير أن العامل الأساسي والمؤثر في ارتفاع أسعار النفط بهذا الشكل الكبير يعود الى المضاربات في أسواق النفط العالمية والتي تبلغ قيمتها في البورصات العالمية في عقود النفط الآجلة مئات المليارات من الدولارات، بما يفوق حجم تعاملات النفط ذاتها، وكان هذا العامل وراء رفض منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك) زيادة الانتاج التي تطالب بها الدول المتقدمة المستهلكة مثل الولايات المتحدة، والتي سعي رئيسها جورج بوش عبر جولاته المتكررة في الشرق الأوسط ودول الخليج الى الضغط من أجل زيادة الانتاج لخفض أسعار النفط العالمية، وبالتالي من الناحية الاقتصادية ووفقا لقانون العرض والطلب، فان حجم الانتاج العالمي من النفط والذي يقارب 85 مليون برميل يوميا يكفي لحجم الاستهلاك العالمي ولا يبرر الزيادة الكبيرة في الأسعار، وأن العوامل السابقة ليست جديدة، بل عامل المضاربة هو الأساس.
ثانيا: العوامل السياسية، والتي تتمثل بالأساس في اندلاع الصراعات والأزمات والاضطرابات السياسية في العديد من مناطق العالم النفطية كما هو الحال في نيجيريا وفنزويلا، وتعثر انتاج وتصدير النفط العراقي بسبب الأزمة السياسية واستمرار دوامة العنف في العراق، اضافة الى أجواء الصراع بين ايران والدول الغربية حول برنامجها النووي والذي يزيد من شكوك ومخاوف الدول المستهلكة التي تسعى الى شراء النفط وتخزينه، كما يدفع المضاربلن في البورصات العالمية الى رفع الأسعار.
وكل هذه العوامل الاقتصادية والسياسية معا تدفع في اتجاه زيادة الطلب على النفط ومع ثبات عرضه، ترتفع الأسعار بشكل مستمر، وهو ما يؤدي الى العديد من التداعيات الاقتصادية والسياسية العالمية والاقليمية
فمن ناحية أولى، فان ارتفاع أسعار النفط بمعدلات كبيرة يؤثر بشكل سلبي على التنمية العالمية حيث ان النفط هو عماد الحضارة والتقدم في العصر الحديث، وبالتالي سوف تتأثر سلبا صناعات كثيرة في الدول المتقدمة والنامية على السواء والتي تعتمد على الطاقة في تشغيلها، في ظل التكلفة العالية لوسائل الطاقة البديلة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية، وتمثل الطاقة أحد المدخلات الأساسية في عمليات الانتاج وفي كل مجالات الحياة، وهذا بدوره ينعكس في ارتفاع أسعار السلع والمنتجات والخدمات داخل الدول وهو ما يؤدي الى العديد من الآثار السلبية، منها ارتفاع تكاليف المعيشة بالنسبة للأفراد وبالتالي يزيد من حدة الفقر داخل المجتمعات وبين الدول، كما يؤدي الى ارتفاع أسعار السلع الغذائية بالنسبة للدول المستوردة خصوصا الدول النامية، وهو ما كان سببا في تزايد حدة أزمة الغذاء العالمية عكستها مظاهرات واضرابات الجوع في العديد من دول العالم، مثل الفلبين واندونيسيا وكمبوديا وغيرها، وساهم في تفاقم تلك الأزمة لجوء الكثير من الدول المتقدمة والصناعية الى البحث عن بدائل لمصادر الطاقة التقليدية من النفط والغاز وذلك بتطوير مصادر بديلة للنفط من الوقود الحيوي الذي يعتمد على المحاصيل الزراعية لانتاج الايثانول، مما رفع أسعار تلك السلع بشكل كبير مثل القمح والذرة والفول وغيرها، والتي تعتمد عليها الدول النامية بشكل كبير.
ومن ناحية ثانية، يؤثر هذا الارتفاع الجنوني في أسعار النفط بشكل سلبي أيضا على التجارة الدولية، فارتفاع أسعار السلع والمنتجات يؤدي الى تقليل حجم التبادل التجاري الدولي كما أنه يؤثر بشكل كبير على الدول النامية ومنها الدول العربية التي تعتمد على تصدير النفط والمواد الخام للدول المتقدمة كمصدر أساسي للدخل القومي، بينما تستورد غالبيتها السلع الاستهلاكية من الخارج، مما يزيد من كاهل ميزانيتها وزيادة العجز في موازنتها التجارية وبالتالي ارتفاع الأسعار داخليا وزيادة تكاليف المعيشة، اضافة الى انتشار ظاهرة الباحثين عن عمل نتيجة لافلاس العديد من الشركات والمصانع بسبب ارتفاع الأسعار، وهو ما يعيق عملية التنمية ويغذي مناخ العنف والتطرف نتيجة لتزايد معدلات الفقر.
ومن ناحية ثالثة، فان الدول المتقدمة في محاولة لمواجهة ارتفاع أسعار النفط، وتعويض مدفوعاتها المرتفعة، تحاول الضغط على الدول المنتجة لرفع الانتاج وخفض الأسعار، من خلال اتباع سياسات اقتصادية ترتكز على فرض ضرائب على منتجات النفط ورفع أسعار السلع التي تصدرها لتلك الدول، خصوصا المواد الغذائية ومدخلات الصناعة، وهنا تختلط الأبعاد الاقتصادية بالاعتبارات السياسية في اطار حرب باردة بين الدول المنتجة والمستهلكة للنفط، في محاولة كل طرف تحقيق أكبر عائد من ذلك الارتفاع في الأسعار والضغط على الطرف الآخر بما لديه من أوراق، بينما الضحية في كل هذا هي الدول النامية والفقيرة، خصوصا في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
ومن ناحية رابعة، فان ارتفاع الأسعار أيضا يؤثر على تدفق الاستثمارات العالمية الى الدول النامية وداخل الدول المتقدمة ذاتها، وهذا بدوره يؤثر على توفير فرص عمل جديدة في ظل تزايد معدلات السكان وارتفاع أعداد من هم في سن العمل، بما يعكسه ذلك من تداعيات سلبية اقتصادية واجتماعية.
وفي المقابل فان ارتفاع أسعار النفط يحقق العديد من الفوائد المالية والاقتصادية للدول المنتجة ومنها الدول الخليجية حيث زادت احتياطاتها من النقد الأجنبي وحققت وفورات مالية هائلة ساعدها في تقليل عجز الموازنة وفي اقامة استثمارات ومشروعات جديدة، وارتفاع مستوي دخول الأفراد، لكن الاعتماد على عوائد النفط والغاز كمصدر أساسي للدخل القومي يمثل مخاطرة كبيرة للدول الخليجية، فبرغم أن الكثير منها عمل على توسيع وتنويع القاعدة الاقتصادية بالاستثمار في مجالات مختلفة صناعية وزراعية وخدمية لتوسيع مصادر الدخل، الا أن من الضروري العمل على توظيف هذه العوائد المالية الكبيرة في الاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، وتحسبا لتراجع الأسعار مرة اخرى والتي ترتبط بعوامل موسمية لا تتدخل فيها الدول المنتجة، بل عوامل تخضع لاعتبارات اقتصادية وسياسية، كما أن جزءا كبيرا من عوائد النفط تتآكل نتيجة لارتفاع أسعار السلع التي تستوردها الدول الخليجية مثل المواد الغذائية، وبالتالي تبرز أهمية اعادة توجيه جزء من عوائد النفط أيضا الى الاستثمار في الدول العربية وفي تدعيم التكامل الاقتصادي العربي، الذي يواجه عقبات كثيرة أمام تطور التجارة البينية العربية التي تقف عند حدود، 10٪ نتيجة لتشابه هيكل الاقتصادات العربية واعتمادها على تصدير النفط والغاز كمصدر أساسي للدخل القومي.
وأخيرا لا توجد بوادر على تراجع معدلات أسعار النفط مرة اخرى بل من المتوقع أن يصل الى مائتي دولار كما صرح منذ شهور الرئيس الايراني أحمدي نجاد والفنزويلي هوجو شافيز، وهو ما يدفع الدول المنتجة، خصوصا الخليجية الى اقتناص هذه الفرصة الذهبية في تحقيق التوظيف الأمثل لعوائد النفط، كما يدفعها الى الحذر من الاعتبارات السياسية من جانب الدول المتقدمة المستهلكة، حيث من المتوقع أن يكون النفط هو محور تفاعلات العقد القادم بما له من تدعيات اقتصادية سلبية ليس فقط على الدول الفقيرة بل أيضا على الدول المتقدمة، بل وربما يكون النفط أحد المصادر الأساسية لاندلاع الحروب والأزمات العالمية المقبلة على غرار ما حدث في العراق ودارفور.

  رجوع