منوعات....

مراس
ضمائر تودع .. وحقوق تضيع
يكتبها: أحمد بن سالم الفلاحي


استحضر هنا موقفين للفكرة التي أود التحدث عنها، الموقف الأول: اخبرني احد نواب الولاة انه جاءه رجلان يشتكيان لتأخر احدهما عن سداد الدين الذي عليه للآخر، وقد كتب الدائن عليه ورقة تثبت هذا الدين، وقبل دخولهما عليه، طلب المدين من الدائن أن يريه الورقة التي توثق هذا الدين، للتأكد من تاريخ السداد، فقام الدائن بحسن نية واعطاه إياها، فما كان من المدين إلا أن مزق الورقة تمزيقا محكما بسرعة فائقة، وابتلعها كاملة وسط ذهول من الدائن، وعندما دخلا إلى نائب الوالي اشتكى الدائن من المدين على انه ابتلع الورقة التي توثق الحق الذي جاءا يتقاضيان عليه، فما كان من نائب الوالي إلا أن اعتذر عن الاستمرار في حل المشكلة المثارة، لعدم وجود ما يثبت هذا الدين بين الطرفين.
أما الموقف الثاني: فقد اخبرني احد الأصدقاء بالقصة التالية؛ فقد اقترض احدهما من الآخر، وقد اتفق الاثنان على موعد سداد القرض، وبعد انقضاء المدة، لم يلتزم المقترض ما عليه، عندما نبهه صاحبه رد عليه بالحرف الواحد، أمامك المحكمة إن كنت تريد حقك، فما كان من صاحب الحق إلا أن اشتكاه إلى القاضي، الذي أصلح بينهما بسداد المبلغ على شكل أقساط شهرية، وأيضا اخلف للمرة الثانية وأعطي مهلة السداد بأقساط اقل، وأخلف للمرة الثالثة، وطلب السداد بأقساط اقل من السابق، وفي كل مرة لا يفي بما يعد به، على الرغم من موافقة صاحب الحق بأقل الأقساط، فما كان من صاحب الحق إلا أن مزق ورقة الدين التي كتبت بينهما منذ المرة الأولى، وقال للقاضي وللمقترض إنني أحملكما هذا المبلغ إلى يوم القيامة، وخرج من المحكمة.
هذان الموقفان استحضرهما في كل مرة اقرأ الإعلانات القضائية التي تصدر من المحاكم، والتي تنشرها الصحف بالعشرات طوال الأسبوع، وكل هذه الإعلانات عبارة عن مطالبات مالية سواء لأفراد، أو جهات مختلفة، والذي يستوقفني في كل مرة العبارة المتكررة التي تحملها هذه الإعلانات، والتي تنص على: «وقد تعذر إعلان المدعى عليه لعدم وجود محل إقامة له معروف له، وهذا النشر يعتبر إعلانا له بالدعوة... الخ».
الذي يستوقفني - وربما استوقف غيري، بلا شك - أن كل هؤلاء المدعى عليهم بهذه الحقوق لم تستطع هيئة المحكمة الوصول إلى عناوينهم، ومحل إقامتهم، وكأنهم مقطوعون من شجرة، كيف يمكن استيعاب هذه الصورة الهلامية، هل يوجد في السلطنة من المواطنين من لم يسجل في سجل الأحوال المدنية؟ ثم ألم يكن معظم هؤلاء تجارا، وأصحاب مؤسسات معروفة - بغض النظر عما آلت إليه فيما بعد - ومسجلين في وزارة التجارة والصناعة، وفي وزارة القوى العاملة، ولهم تواقيعهم على سجلات البنوك التي كانوا يتعاملون معها؟ هل أفنتهم الحياة، وابتلعتهم الأرض، وأنكرتهم أسرهم إلى درجة الزوال عن وجه الأرض؟
أليس هذا نوعا من تغييب حقوق الناس، هذه الحقوق التي تنتهك حرماتها كل يوم بفعل موت ضمائر كثير من الناس من خلال ممارساتهم الخاطئة المستمرة.
ومما يؤسف له حقا أن تتزايد هذه القضايا يوما بعد يوم، وتسجل المحاكم في اليوم العشرات من القضايا التي تعكس مفهوما واحدا، وهو أن الإنسانية تعيش نفسها الأخير، وان الثقة بين الناس تستحضر لحظاتها الأخيرة، وأعظم الله اجر الجميع في اختزال الصورة الإنسانية المشرقة إلى هذا التنازل المحموم عنها إلى درجة الفناء.