من المعروف
وعلى أوسع نطاق ان سلطنة عمان وشقيقاتها دول
مجلس التعاون لدول الخليج العربية هي من
المسالمة، الراغبة والحريصة أيضا على العمل
بكل السبل من أجل تحقيق وترسيخ السلام والأمن
والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية من العالم،
ومن أجل بناء أفضل العلاقات مع كل الدول
الشقيقة والصديقة على امتداد العالم، على أساس
من الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون
الداخلية، والتعاون بحسن نية لخدمة وتعزيز
المصالح المشتركة والمتبادلة. وفي هذا الإطار
الواضح والبسيط تبذل السلطنة ودول مجلس
التعاون جهودها الصادقة من أجل تحقيق تقدم
شعوبها، وتحقيق مزيد من التنمية والتطور في كل
المجالات.
وفي الوقت الذي تحرص فيه السلطنة ودول مجلس
التعاون على الحفاظ على تقاليدها وتراثها،
وعلى السمات المميزة لهويتها الوطنية، فإنها
في تفاعلها الكبير والواسع مع ما يشهده
المجتمع الإنساني من تطور متواصل في جميع
المجالات، وأخذها بما ينفعها ويتواءم معها من
إنجازات علمية وتطورات تقنية، فإنها قررت ومنذ
وقت مبكر انها لا يمكنها استيراد تجارب
الآخرين الاجتماعية، ليس فقط لأنه من غير
الممكن ان نرتدي أثواب الآخرين، لأننا سعداء
بأثوابنا، ولكن أيضا لأن التطور الاجتماعي
والاقتصادي للشعوب يرتبط في النهاية بتراث
وهوية وثقافة الشعوب وبطبيعة المرحلة التي تمر
بها، والأهداف التي تسعى إليها وبما يرتبط
بحاضرها أيضا من عوامل ومؤثرات. ولذا فإنه ثبت
تماما عدم ملاءمة، بل وعدم صحة عمليات أو
محاولات نقل تجارب الشعوب الأخرى أو تصدير
النظريات والقوالب الجاهزة اجتماعيا أو سياسيا
أو اقتصاديا لأن نجاح تلك القوالب في
مجتمعاتها لا يضمن على أي نحو نجاحها في بيئات
ومجتمعات أخرى مغايرة ومختلفة في الطبيعة
والسمات وحتى الدوافع والأهداف.
جدير بالذكر انه في الوقت الذي ترتبط دول مجلس
التعاون لدول الخليج العربية بعلاقات صداقة
وطيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، منذ
عقود عديدة، خاصة في ظل المصالح العديدة
المشتركة والمتبادلة بين الجانبين، الا انه من
الطبيعي ان تتعدد وجهات النظر، أو ان تكون
هناك مواقف أو رؤى غير متطابقة حيال قضية أو
أخرى، خاصة وانه تظل هناك مصالح محددة لكل طرف
أو لكل دولة من الدول وليست هناك مصالح
متطابقة مائة في المائة. ومن المؤكد ان ما قد
يزيد من حجم الفجوة أو المسافة ان يبني أحد
الطرفين مواقفه على معلومات غير صحيحة أو على
أساس تقارير بعيدة عن الواقع أو غير قادرة على
فهم ثقافة وتقاليد شعوب هذه المنطقة. ولعل هذه
احدى المعضلات التي أكدتها السنوات الأخيرة
على ضوء مواقف وسياسات اتبعتها الإدارة
الأمريكية حيال عدد من قضايا المنطقة، سواء في
العراق أو بالنسبة لقضية السلام والتوازن في
المواقف بين العرب وإسرائيل.
اما بالنسبة لتقرير وزارة الخارجية الامريكية
حول الاتجار بالبشر، وهو التقرير الذي انطوى
على مساس بدول مجلس التعاون، مثلها مثل العديد
من دول العالم، فإن المجلس الوزاري لمجلس
التعاون أكد على نحو واضح وبالغ الدلالة عن
أسفه الشديد لما احتواه تقرير وزارة الخارجية
الامريكية لعام 2008 حول الاتجار بالبشر من
معلومات مغلوطة وغير صحيحة عن دول مجلس
التعاون «والتي تهدف إلى ممارسة ضغوط غير
مبررة لأهداف سياسية» كما دعا وزراء خارجية
مجلس التعاون وزارة الخارجية الامريكية إلى
مراجعة «سياستها غير الودية» تجاه دول المجلس.
وإذا كانت دول مجلس التعاون قد اختارت لغة
دبلوماسية رفيعة في تعاملها مع المغالطات التي
احتواها تقرير الخارجية الامريكية، فإنها
تنطلق من حرص ليس فقط على تصويب المغالطات من
جانب الخارجية الامريكية، بل أيضا على
الابتعاد عن هذه اللعبة مع دول مجلس التعاون
التي تنتظر من الآخرين - بمن فيهم الولايات
المتحدة الامريكية - احترام مصالحها بالقدر
نفسه الذي تحترم هي فيه مصالح الآخرين.