عندما وصلت إلى
مطار مسقط لأول مرة في حياتي من أجل السفر
بعيدا عن الجغرافيا التي تخصني، وجدتني أرسل
نظراتي في كل مكان، أفتش عن وجهه المخضر في
الشوارع، والجبال. أتقصى رائحته، وذاكرتي تمتص
التفاصيل من ملامحه البيضاء.
أداري دمعتي لكي لا تبلل الغياب البارد كقطعة
الثلج، أرسل حواسي إلى كل الجهات لكي لا أفقد
بوصلة الحنين، ولكي أبقى مشدودة إلى حبله
السري..
ولأني خشيت أن افتقده أو أن أشعر بالوحدة في
غيابي عنه.. قررت أن أحمله معي. أن أترك له
مكانا في حقيبة السفر.. هناك بين دواوين محمود
درويش، وبين روايات ميلان كونديرا.. بين أغاني
فيروز وسالم علي سعيد.. كنت افتح الحقيبة
وأطمئن عليه بين الفينة والأخرى، وكان هو ينشد
القصائد بصوت مرتفع، ومن ثم يغني. فأفهم أنه
فرح، وأحلق به بعيدا بعد أن أسكنته بين عيني
وقلبي. هنالك بالضبط استقر به المقام لمدة
خمسة أعوام قضيتها في ذلك البلد البعيد..
خبأته جيدا عن البرد المربك، وعطرته في فصل
الربيع، ورقصت معه في فصل الخريف، وأخذته في
نزهات قصيرة في فصل الصيف إلى البحر.. هكذا
تركته يتمشى على سُمرتي، وداريت عنه الغبار
الذي يتركه الوقت يوما بعد آخر، وتركته يكبر
أكثر فأكثر في قفصي الصدري..
في الغياب يصبح الوطن جمرة اشتياق لا تهدأ،
وتصبح الحكايات عنه أشبه بحكايا ألف ليلة
وليلة شهية، تصبح الأماكن متشابهة، وبدون
رائحة، والحكايات تافهة لا تثير فينا رغبة
بالضحك أو البكاء..حتى الأصوات التي يفرزها
الوطن من رحمه أثق الآن تماما أنها لا تشبه أي
أصوات أخرى نسمعها في أمكنة أخرى..
ربما لأن الأصوات لا تخرج من أفواهنا كما
يتصور أغلبنا بل تخرج من كهف الهوتة، ومن خضرة
صلالة، ومن بحر مسندم، ومن قلعة الرستاق، ومن
مدينة مسقط، ومن كل بقعة صغيرة عبرنا فوقها أو
تنفسنا هواءها.. إنه السر الإلهي أن يكون لكل
منا وطن يضمه، وجغرافيا تحتويه، وتمنحه هويتها..
تقسو عليه في بعض الأحيان، لتمنحه عظمة محبتها
في وقت آخر..
وقبل أن نأوي إلى أسِرَتنا يتصاعد فينا ذلك
الإحساس الحامض بالفقد.. يتحرش بنا، يتداخل مع
أحلامنا، وينمو على أصابعنا، ويصيبنا بحكة
الحنين والاشتياق..
وعندما نعود من سفرنا الطويل نتلقفه في عناق
طويل، نُقَبل صخوره وتضاريسه، وتسقط دموعنا
دون توقف.. نراه شاسعا وعملاقا وعظيما يرقبنا
من كل صوب، يصافحنا، ويرحب بعودتنا يتعرف
علينا بسهولة دون أن نقدم له جواز السفر أو
البطاقة الشخصية.. يحفظ تاريخ أعياد ميلادنا،
ويحفظ عن ظهر قلب أوقات فرحنا، وحزننا، ولا
ينسى أبدا وجوهنا، وملامحنا وهو يربت على
أكتافنا بحنان هائل. ما نشعر به تجاه الوطن
ليس شيئا مجانيا، أو عابثا، وما نزدحم به من
أحاسيس وإن نسيناها لبعض من الوقت، أو تراكمت
في أدراج الذاكرة، إلا أنها تخرج وبقوة بمجرد
أن نستمع إلى أغنية عابرة تيقظ الحنين من
سباته، وبمجرد أن نغادر أبوابه صوب جهات أخرى،
وبمجرد أن نأخذ أنفسنا في رحلات صغيرة إلى
وديانه وجباله فنصفق بفرح: «يا إلهي .. كم هذا
الوطن رائع، وكم نحن نحبه».
الوطن كمصباح علاء الدين.. كلما مسحنا عنه
الغبار قليلا كلما تفتح بالأمنيات، وكلما
استيقظ صباح أبيض....