يؤكد خبراء الشأن الإفريقي، أن انقلاب الجيش
الموريتاني على أول رئيس مدني منتخب والعاشر
في تاريخ موريتانيا منذ استقلالها، يشير إلى
عظم مكانة العسكر ودورهم الرئيسي في الحياة
السياسية في كثير من دول العالم العربي، وليس
موريتانيا فقط. وذلك على اعتبار أن هذه
الديمقراطية جاءت منحة من العسكر في موريتانيا.
وقع الانقلاب العسكري الموريتاني في السادس من
أغسطس الحالي والذي قاده الجنرال محمد ولد
الشيخ محمد أحمد الغزواني رئيس أركان الجيش
وقائد الحرس الرئاسي محمد ولد عبدالعزيز،
اعتراضاً على قرار الرئيس الموريتاني سيدي ولد
الشيخ عبدالله، بعزل قائد الحرس الرئاسي
والدرك ضمن حملة تغييرات واسعة قررها الرئيس
الموريتاني داخل المؤسسة العسكرية.
وأسفر الانقلاب عن اعتقال الرئيس ورئيس
الحكومة ووزير الداخلية وقائد الجيش الذي عينه
الرئيس المخلوع. وأعلن «مجلس الدولة« برئاسة
قائد الحرس الرئاسي السابق أن سيدي محمد ولد
الشيخ عبدالله لم يعد رئيسا لموريتانيا. وألغى
البيان رقم واحد الذي أصدره قادة الانقلاب ما
وصفه بالقرارات السابقة »للرئيس السابق«
بإقالة عدد من كبار ضباط الجيش.
وأصدر المجلس بيانه الثاني في السابع من أغسطس
الجاري، وتعهد فيه بإجراء انتخابات رئاسية،
وأنه «سيشرف بالتشاور مع المؤسسات والقوى
السياسية والمجتمع المدني على تنظيم انتخابات
رئاسية تمكن من استئناف المسار الديمقراطي في
البلد، وإعادة تأسيسه على قواعد صلبة وباقية».
وفي الوقت الذي لم يحدد فيه المجلس الأعلى
للدولة موعدا لهذه الانتخابات،إلا أنه أكد
أنها «ستنظم خلال أقصر فترة ممكنة»، متعهدا
بـ«ضمان حريتها وشفافيتها لتمكن مستقبلا من
تسيير مستمر ومتناسق للسلطات الدستورية».كما
أعلن الجنرال محمد ولد عبدالعزيز قائد الحرس
الرئاسي في عهد الرئيس المخلوع تشكيلة المجلس
الأعلى للدولة برئاسته وعضوية أحد عشر ضابطا.
والواقع أن ثمة عدة مؤشرات شهدتها الساحة
السياسية الموريتانية كانت كفيلة بتأكيد حدوث
هذا الانقلاب، يأتي في مقدمتها الأزمة
السياسية التي عاشتها موريتانيا على خلفية سحب
بعض القوى السياسية الحزبية الثقة من الحكومة
وتشكيل حكومة جديدة بعد مشاورات استمرت أكثر
فترة ليست قصيرة.
وكان برلمانيون موريتانيون معارضون للحكومة قد
أكدوا تمسكهم بالدعوة لعقد دورة برلمانية
طارئة لإقرار محكمة العدل السامية التي تختص
بمحاكمة رئيس الجمهورية في حالة »الخيانة
الكبرى«، وتشكيل عدد من لجان التحقيق والتفتيش
في عدد من المشاريع والمؤسسات من ضمنها مؤسسة
خيرية تشرف عليها عقيلة الرئيس الموريتاني،
لكن الحكومة رفضت الطلب.
في حين يتمثل ثاني المؤشرات في إعلان 48 نائبا
تقديم استقالتهم الجماعية من الحزب الحاكم في
موريتانيا مؤكدين عزمهم تأسيس حزب جديد الأمر
الذي أضعف نفوذ الرئيس سيدي ولد الشيخ عبدالله.
وانتقد المستقيلون وهم 25 نائبا (من أصل 48
ينتمون إلى الحزب الحاكم) و23 عضوا في مجلس
الشيوخ (من أصل 41 في الحزب الحاكم) من مختلف
مناطق موريتانيا ممارسة الرئيس الموريتاني لما
أسموه »السلطة الشخصية«، وهدد الرئيس حينها
بحل الجمعية الوطنية إذا تمكن النواب
المستقيلون من إرساء تحالف مع المعارضة ما
يضمن لهم غالبية.
أما ثالث المؤشرات على اقتراب حدوث انقلاب
العسكر في موريتانيا، فهو قرار الرئيس بعزل
الجنرالات، وهو ما اعتبره العسكريون تجاوزا
للخط الأحمر في علاقته بهم.
ويؤكد خبراء الشأن الإفريقي، أن انقلاب الجيش
الموريتاني على أول رئيس مدني منتخب والعاشر
في تاريخ موريتانيا منذ استقلالها، يشير إلى
عظم مكانة العسكر ودورهم الرئيسي في الحياة
السياسية في كثير من دول العالم العربي، وليس
موريتانيا فقط. وذلك على اعتبار أن هذه
الديمقراطية جاءت منحة من العسكر في موريتانيا،
عندما قرر العقيد ولد فال ـــ الذي انقلب على
نظام الرئيس السابق ولد الطايع ـــ إجراء
انتخابات رئاسية ديمقراطية لا يترشح فيها
عسكريون، وبالفعل أتت هذه الانتخابات بأول
رئيس مدني لموريتانيا، وقد تراجع العسكر عن
هذه المنحة عندما تصادمت مع مصالح بعضهم.
ووفقاً للمتابعين للشأن الإفريقي، فقد بدا
جليا تأييد عناصر من النخبة السياسية لهذا
الانقلاب الذي كان من المفترض أن يجتمعوا على
رفضه، وهذا التأييد يؤكد وجود عناصر من
المعارضة وأنصار ولد الطايع ترغب في العودة
للسلطة من خلال العسكر، حتى لو كان هذا على
حساب المكتسبات الديمقراطية، فالعسكريون لا
يأتون للسلطة منفردين، وإنما عبر التحالف مع
عناصر من النخبة السياسية.
ويمكن القول أن الأزمات الاقتصادية والفقر
الذي يعانيه المواطن الموريتاني، جعلته لا
يهتم كثيراً بالسياسة واعتبرها نوعا من الترف،
ومن هنا تفاوتت ردود أفعال أغلب القوى
السياسية الموريتانية إزاء هذا الانقلاب بين
التأييد والمعارضة. فمن جانبه أوضح رئيس كتلة
الحزب الحاكم سابقا في مجلس الشيوخ يحيى ولد
عبدالقهار ان فريقه من حيث المبدأ يرفض
الانقلابات العسكرية، »ولكن الرئيس بتصرفاته
التصعيدية هو الذي هيأ الظروف لذلك، وشجع
الجيش على التدخل«، وحمل بشدة على هذه
التصرفات قائلا إنها جاءت بطريقة غير مدروسة
وغير منطقية.
ومن ناحيته اعتبر تيار الإصلاح ــــ الذي غادر
الحزب الحاكم مؤخرا ــــ أن البلد وصل إلى
طريق مسدود نتيجة لسياسات اتبعها الرئيس وأيد
هذا التيار الانقلاب، واعتبره في مصلحة
الديمقراطية والاستقرار في موريتانيا. كما
اعتبر رئيس حزب اتحاد قوى التقدم ان الانقلاب
كارثة على الشعب الموريتاني الذي انتظر عهد
الحرية والديمقراطية طويلا، معلنا تضامنه
المطلق مع رئيس الجمهورية في هذا الظرف.
وأعلنت كتلة الميثاق ــــ التي تضم عشرين حزبا
سياسيا ــــ رفضها التدخل العسكري ضد الشرعية،
مطالبة الجيش بالانسحاب، والمجتمع الدولي
بالتدخل لإنقاذ الدستور والشرعية في موريتانيا.
وكذلك أعلن حزب »التجمع الوطني للإصلاح
والتنمية«، عن رفضه الشديد للانقلاب على
المؤسسات الدستورية مشدداً على أن »التيار
الإسلامي مع الشرعية والتغيير السلمي للسلطة،
ولن ينحاز إلى انقلاب عسكري، مهما كانت موازين
القوى.
ووفقاً للكثير من المحللين، فإن موريتانيا ما
زالت حتى الآن عاجزة عن التغلب على »عقدة
العسكر والسياسة«، التي تشكل عائقا حقيقيا
أمام وضع نظام سياسي مستقر ومنظومة دستورية
أكثر واقعية وتجسيدا لموازين القوى الوطنية في
موريتانيا.
وعلى الرغم من تدشين العسكر في موريتانيا
مشروعهم السياسي وتخليهم عن السلطة طواعية
وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وعلى الرغم من
تعاون قادة العسكر مع المدنيين، فإن هذا
التعاون والتعاطي لم يجد حتى الآن طريقه إلى
الإنتاجية والاستمرار، وذلك لعدة أسباب يأتي
في مقدمتها: تفويت المؤسسة العسكرية فرصة
الفترة الانتقالية لتدعم وجودها السياسي
بترسانة قانونية على غرار ديمقراطيات أخرى
أقوى وأعرق. أما ثاني أسباب عدم التعاون بين
العسكر والمدنيين في موريتانيا فيتمثل في
هشاشة الخريطة الحزبية التي أضحت عاجزة أمام
مشروع الإصلاح السياسي في موريتانيا دون العمل
على تعديل هياكلها وإطارها القانوني والبشري.
ونعتقد أن موريتانيا سوف تشهد مرحلة انتقالية
على غرار ما حدث عام ،2005 بعد وصول المجلس
العسكري إلى السلطة في موريتانيا إثر انقلاب 3
أغسطس 2005 والذي أطاح بالرئيس معاوية ولد سيد
أحمد الطايع، حيث سارع المجلس إلى الإعلان عن
الخطوط العريضة لبرنامجه للمرحلة الانتقالية.
وقد تبلورت معالم هذا السيناريو من خلال تعهد
مدبري الانقلاب بإجراء انتخابات رئاسية »خلال
أقصر فترة ممكنة«، مشددين على »احترام كافة
الالتزامات الدولية والمعاهدات الملزمة
لموريتانيا«
ومن المتصور ان هذه الفترة الانتقالية قد
تتضمن إدخال تعديلات على الدستور تتعلق بتقليص
صلاحيات رئيس الجمهورية، بما يصب في مصلحة
العسكر وتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية،
نزيهة وشفافة وفقاً لهذه القواعد الجديدة،
وضمان التوزيع العادل لخدمات الدولة والإصلاح
والعدالة ومحاربة الفساد وإصلاح الإدارة.
وعلى أية حال يمكن القول أن الضمانة الوحيدة
التي يمكن أن تمنع العسكر من التدخل في
السياسة هو بناء ثقافة ديمقراطية واجتماعية
على اختلاف توجهات الشعب الموريتاني لتشكيل
حركة اجتماعية عريضة لدعم مكتسباته
الديمقراطية.