ازدهرت العلوم
في العصور الاسلامية المختلفة اذ سعى المسلمون
بوحي من عقيدتهم الدينية الى طلب العلم
واكتساب المعرفة بكل الوسائل الممكنة، ومن هذا
المنطلق ازدهرت العلوم المختلفة في كنف
الحضارات الاسلامية المختلفة في مشارق الأرض
ومغاربها، وبرز علماء عرب ومسلمين أفذاذ تركوا
آثارهم البارزة في تقدم العلوم ورقيها ليس في
بلدانهم فحسب، بل في الحضارة الانسانية لقرون
طويلة. يشير المؤرخون الى ازدهار العلوم في
حقبتين بارزتين، أولها في القرن التاسع
الميلادي بازدهار الحضارة العباسية في بغداد،
وثانيها في الأندلس في القرنين الثاني عشر
والثالث عشر.
ابتدأ العلماء العرب والمسلمون بترجمة واسعة
للنتاج العلمي الاغريقي أولا، وتطويره لاحقا
في ضوء التراكم المعرفي للعلماء العرب
والمسلمين، وبروز مدارس علمية اسلامية الجذور
والهوية، أصيلة في منهجها ونتائجها، بوحي من
عقيدتهم الاسلامية المتفتحة نحو العلم
والمعرفة، ولا عجب في ذلك، اذ ان أول آية نزلت
على النبي العظيم محمد بن عبدالله صلى الله
عليه وسلم، كانت تدعو الى العلم بقوله تعالى
في سورة العلق: بسم الله الرحمن الرحيم (اقرأ
باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ
وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الانسان ما
لم يعلم). كما أمر الله سبحانه وتعالى بطلب
العلم بقوله تعالى: (وقل رب زدني علما) وخصّ
الله العلماء بمكانه رفيعة بقوله تعالى: (يرفع
الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم
درجات) وقوله تعالى: (هل يستوي الذين يعلمون
والذين لا يعلمون).لقد اهتم القرآن الكريم
بالعلم اهتماما كبيرا، فقد نكرت كلمة العلم
ومشتقاتها في (800) آية، منها قوله تعالى في
سورة النساء:( وانزل الله عليك الكتاب والحكمة
وعلمك ما لم تكن تعلم)، وقوله تعالى في سورة
البقرة: (ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون)، اضافة
الى ذكر العقل في (48) آية، والفكر في (19)
آية، منها قوله تعالى في سورة يونس : (كذلك
نفصل الآيات لقوم يتفكرون)، والحوار والجدل في
(29) آية، منها قوله تعالى في سورة الكهف: (وكان
الإنسان اكثر شيء جدلا)، والرأي في (332) آية،
وبصر في (149) آية، ونظر في (99) آية، اضافة
الى الكتابة وموادها وما يتعلق بها، كقوله
تعالى في سورة سبأ: (وما آتيناهم من كتب
يدرسونها).
وحث الرسول الكريم على طلب العلم بالحديث
الشريف «اطلب العلم ولو كان في الصين»، وحديثه
الشريف: «اطلب العلم من المهد الى اللحد» وخص
العلماء بمكانة بارزة بالحديث الشريف: «العلماء
ورثة الأنبياء» وقوله في الحديث الشريف: «يوزن
يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء».
ومن هنا اهتم الخلفاء المسلمون اهتماما بالغا
بالعلماء بتوفير الأجواء المناسبة لأداء
أعمالهم ورعايتهم وإبراز مكانتهم الاعتبارية
في مجالسهم، مما كان له الأثر البالغ بتقدم
العلوم وتطورها وإثراء وإنماء المعارف
المختلفة، وشهدت البلاد الاسلامية نهضة علمية
بارزة لاسيما في بغداد زمـن الخليفة العباسي
هارون الرشـيد وابنـه الخليفـة المأمون الذي
انشأ بيت الحكمة ليكون ملتقى العلماء ورجال
الفكر من جميع ارجاء العالم، وكذلك شهدت بلاد
الأندلس في زمن الخلافة الأموية ازدهارا علميا
باهرا، كان لهذا الازدهار آثار كبيرة على نهضة
أوروبا، اذ قام الأوروبيون بحركة ترجمة واسعة
لنتاجات العلماء العرب المسلمين وأصبحت مدن
قرطبة وطليطلة مراكز اشعاع للفكر العربي
والاسلامي طوال قرون عديدة.
وشهدت مدن اسلامية عديدة في عصور مختلفة نهضة
علمية، كان ابرز هذه المدن سمرقند وبخارى
والقاهرة والقسطنطينية وغيرها. وبتدهور
الحضارة العربية الاسلامية انتقلت العلوم
والمعارف الى أوروبا لتكون مركز الاشعاع
العلمي والفكري في العالم ابتداء من عصر
النهضة الأوروبية في القرون الوسطى وحتى يومنا
هذا، وذلك بالافادة من نتاجات العلماء العرب
والمسلمين التي نقلوها الى بلادهم. لقد ادرك
الاوروبيون منذ القرن العاشر الميلادي تفوق
العلماء العرب والمسلمين في مختلف العلوم
والمعارف، لذا فقد سعى العلماء الاوروبيين الى
نقل النتاج العلمي العربي والاسلامي الى
بلدانهم. ويعد البابا سلفستر الثاني اول
الاوروبيين الذين قاموا بنقل علوم الفلك
والرياضيات العربية والاسلامية وادخال نظام
الارقام العربية الى اوروبا بدلا من الارقام
الرومانية. وقد تبعه بعد ذلك كثيرون، ابرزهم
قسطنطين افريكوس في القرن الحادي عشر، والبابا
رونيور في القرن الثاني عشر. ومنذ القرن
الحادي عشر اصبحت طليطلة في الاندلس مركزا
لنقل العلوم والحضارة العربية الاسلامية الى
اوروبا، واصبحت منذ ذلك الحين ملتقى العلماء
ورجال الفكر من ارجاء اوروبا المختلفة الذين
يتوافدون عليها للاستزادة من علومها ومعارفها
ونقلها الى بلدانهم.
وقد كانت الترجمات الاولى من اللغة العربية
الى اللغة اللاتينية وبعضها الى اللغة
العبرية، نقلت بعد ذلك الى اللغات الاوروبية
المختلفة.ترجم جيرارد اكثر من 70 كتابا عربيا
الى اللغة اللاتينية في مختلف العلوم
والمعارف، ومنها كتب مهمة مثل كتاب القانون
لابن سينا وكتاب التصريف للزهراوي ودراسات
البيروني لأعمال الخوارزمي، واعمال ابناء موسى
الثلاثة محمد واحمد والحسن وغيرهم.
خلاصة القول ان جهودا حثيثة لا بد أن تبذل
لابراز اشراقات الفكر العلمي العربي والاسلامي
لايجاد حالة من التواصل بين ثقافة الامس
وثقافة اليوم،الامر الذي يتطلب العناية
الفائقة بالتراث العربي والاسلامي من منظور
علمي وحضاري، والعمل الجاد على نشره بين
الشباب بعامة، والطلبة بخاصة بجميع الوسائل
المتاحة،ذلك ان مستقبل ثقافتنا انما يعتمد على
الاهتمام باحياء تراثنا وعلى درجة تسامح
وانفتاح مجتمعاتنا وشفافيتها تجاه ثقافات
وعلوم وفنون الشعوب الاخرى، وعدم الانغلاق على
الذات. ويمكن ان تلعب الجامعات والمؤسسات
التعليمية دوراً هاماً في هذا المجال لتأمين
مستقبل ثقافي زاهر لبلادنا باذن الله، كي تسهم
اسهاماً فاعلاً ومؤثراً في الثقافة الانسانية
المعاصرة، وبناء صرح امتنا الحضاري وتعزيز
دورها الانساني. ولعل استحداث مركز علمي يعنى
بدراسات وبحوث احياء التراث العلمي العربي
والاسلامي باحدى جامعات السلطنة انما يمثل
الخطوة الرائدة في هذا المجال.