«ان جامعة
الملك عبدالله للتكنولوجيا والعلوم بتركيزها
المبدئي على الطاقة والبيئة وكذلك على علوم
الاحياء والهندسة الحيوية، والرياضيات
التطبيقية وعلوم المواد والحوسبة تعد بالتألق
في مجالات حيوية للمملكة وللعالم العربي».
اذا كان ممكنا في ميدان القتال إلحاق الهزيمة
بالجندي الاسرائيلي الذي بولغ كثيرا في إعلاء
شأنه (وقد حدث ذلك بالفعل)، الا ان جامعة (تخنيون)
في حيفا تبقى قلعة حصينة للمعرفة ولا نظير لها
في الشرق الاوسط. انها مكمن القوة الحقيقية
للدولة الاسرائيلية، وهي المؤسسة التي ينبغي
أن تسعى للوصول الى مستواها نظيراتها العربيات
حتى تتساوى معها في القدرة التنافسية. ومع
تأسيس جامعة الملك عبدالله للعلوم
والتكنولوجيا تكون المملكة العربية السعودية
قد خطت الخطوة الاولى باتجاه ذلك الهدف. وفي
حين ستمر فترة قبل ان ينتج علماؤها اعمالا
مهمة الا ان ثمة فرصة ممتازة في أن يتوصل
باحثوها الى اكتشافات مفيدة. ما الذي ستحتاجه
هذه الجامعة كي تصل الى ذري الابداع؟ لقد تأسس
معهد إسرائيل للتكنولوجيا والذي يعرف اختصارا
باسم (تخنيون) في عام 1924 كمركز للعلوم، وذلك
حتى قبل ظهور اسرائيل الى الوجود. وانضم طلاب
الدفعة الاولى الستة عشر الى قسمي الهندسة
المدنية والمعمار. وسرعان ما رفع تدفق العلماء
البولنديين والالمان والنمساويين خلال أعوام
الثلاثينات من إعداد الملتحقين في صفوفه. وهو
قد كان ذلك المكان الذي تعلم فيه اعضاء
المعارضة اليهودية للانتداب البريطاني في
فلسطين كيفية الاعتماد على التكنولوجيا
للتعامل مع كل من المحتلين الاجانب والسكان
المحليين. وبعد عام 1949، حين اسست شعبة
لهندسة الطيران تمكنت من تدشين صناعة فضائيات
ناجحة تم تحديد مجالات بحثية حيوية ضمت العديد
من المساقات العلمية. وليس ثمة داع للقول بان
معهد تخنيون قد وصل الى مستويات يحسد عليها .
وهو الان ينافس مؤسسات التعليم العالي
الاوروبية والآسيوية والامريكية. ولن يوفى حقه
اذا وصف بانه مكرس لخدمة اسرائيل. وبمرور
الايام فان الدولة وكذلك الآلاف من خريجيه قد
اسهموا في رفاهيته. والان يقدم حوالي 15000 من
اساتذته وطلابه مساهمات مهمة في حين يحقق
العديد من حملة جوائز نوبل قيما مضافة في
ميادين مختلفة. إن قائمة المنجزات تطول وهي
تنطوي على اكتشافات رائدة تسهم في خدمة
المصالح الاسرائيلية.
ان جامعة الملك عبدالله للتكنولوجيا والعلوم
بتركيزها المبدئي على الطاقة والبيئة وكذلك
على علوم الاحياء والهندسة الحيوية،
والرياضيات التطبيقية وعلوم المواد والحوسبة
تعد بالتألق في مجالات حيوية للمملكة وللعالم
العربي. ويوجد سلفا 800 طالب يدرسون تحت إشراف
67 عضوا من أعضاء الهيئة التدريسية للجامعة
جاءوا من أكثر من 30 بلدا. يقود الجامعة شوون
فونج شيه وهو بروفيسور هندسة الكترونية تلقى
تدريبه في الولايات المتحدة وعمل في شركة
جنرال اليكتريك كما درس في جامعة براون قبل
عودته الى سنغافورة لتأسيس معهد ابحاث وهندسة
المواد هناك. ان خبرات البروفيسور شيه لا تقدر
بثمن لانه وهو نائب المدير السابق لجامعة
سنغافورة الوطنية يدرك ما هو مطلوب لوضع جامعة
الملك عبد الله على طريق الابحاث العلمية. إن
المهام الضخمة التي اوكلت الى الجامعة سيتم
انجازها بنجاح فقط اذا تم الايفاء بالوعود
التي قطعت لطلابها واساتذتها. ومما يحسب لخادم
الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز
انه أوقف على هذه الجامعة المستقلة ما قيمته
عدة بلايين من الدولارات ودعا مجلس امنائها
الى تشجيع قبول الطلاب على اساس قدراتهم. كما
انه خوّل الجامعة بقبول الطلاب والطالبات من
حول العالم، وضمن لها التمتع بحرية الابداع في
جو متحرر نسبيا. ان ذلك يشكل تحديا داخل
المجتمع السعودي المحافظ ولكنه يشكل مكونا
ضروريا جدا للوصول الى ارقى مستوى في مجال
البحوث الاكاديمية والعلمية. بكلمات بسيطة انه
لما يقارب المستحيل ان نطلق العنان للقدرات في
الوقت الذي نفرض فيه قواعد سلوك صارمة بالنظر
الى ان حرية الفكر لا يمكن فصلها من حرية
التفكير والحركة خارج إطار النمط السائد.
اضافة الى ذلك فان هذه الجامعة وهي أحدث جامعة
سعودية تعد بان تكون مختلفة عن كل نظيراتها في
المنطقة لانها اول « جامعة بحثية عالمية مكرسة
لتدشين عهد جديد للانجاز العلمي في المملكة».
وحتى اذا اختير موقعها في منطقة الحجاز الاكثر
انفتاحا نسبيا بجانب البحر الاحمر وقريبا من
مدينة الثول التي تقع على مبعدة حوالي 80
كيلومترا شمال جدة فمن اللازم ان تشكل القدرة
على توافر المعلومات دون قيود مكونا مفتاحيا
لنجاحها. ويبدو ان الملك عبدالله بن عبد
العزيز ومؤسسة الجامعة يدركان تماما ان نوع
المعرفة الذي يحتاجه المجتمع السعودي ويسعى له
الان لا يمكن تحقيقه بعزل العقول الكبيرة خلف
الابواب المغلقة. وفوق كل شيء آخر فان جامعة
الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا لهي شهادة
على حسن انفاق المال. وعلى الرغم من ان
الانفاق العسكري الملائم يشكل ضرورة الا ان
التسلح بانظمة تسليحية يتقادم بها العهد قبل
فترة طويلة من استخدام معظمها قد تكون موضع
جدل. ولكن بالاستثمار في المجال الاكثر أهمية،
أي في الانظمة التعليمية المتقدمة فان جامعة
الملك عبدالله تلعب دور المقياس الجديد لعظمة
الامة. وبعد قرن من الان فان ما سيذكر مما وقع
حتى الان من أحداث في عام 2009 سيكون قليلا
جدا، وربما سيستثنى من النسيان واقعة دخول رجل
أسود الى البيت الابيض كرئيس للدولة الامريكية
وايضا (مع قليل من الحظ) تدشين الرياض لمورد
يتمثل في هذه الجامعة لا يمكن إحلاله بأي شيء
آخر. وبانجاز هذا العمل الجاد يمكن للمرء ان
يحلم بان جامعة الملك عبدالله للعلوم
والتكنولوجيا قد تحقق بحلول عام 2109 نفس سمعة
كمبردج.
د. جوزيف كشيشيان
كاتب أمريكي ومؤلف عدة كتب عن الخليج
ترجمة قاسم مكي