«لعل ما
يثير أشد الدهشة اليوم، عند إلقاء نظرة على
الماضي، هو ما أظهرته الدول الأعضاء في الأمم
المتحدة من وحدة الهدف حين اعتمدت «الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان» دون أي صوت مُعارض.
ففي مواجهة عدد كبير من أزمات حقوق الإنسان
المُلحَّة في الوقت الراهن، لا توجد رؤية
مشتركة بين زعماء العالم بشأن التصدي للتحديات
المعاصرة في مجال حقوق الإنسان المعاصرة وسط
عالم يزداد تعرضه للأخطار وافتقاره إلى
السلامة والمساواة».
لا شك أن زعماء العالم مدينون بالاعتذار عن
تقاعسهم عن الوفاء بما وعدوا به في «الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان»، الذي أصدروه منذ 60
عاماً، من تحقيق العدل والمساواة. فعلى امتداد
العقود الستة الأخيرة كان اهتمام عدد كبير من
الحكومات بالانحراف بالسلطة أو بتحقيق مصالحها
السياسية الخاصة أكبر من اهتمامها باحترام
حقوق الذين يعيشون في كنفها.
وكان عام 1948 قد شهد عملاً يدل على القدرة
الفذة على القيادة، عندما اجتمع قادة العالم
لإصدار «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان».
وأبدت الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة،
اليافعة آنذاك، قدراً كبيراً من بُعد النظر
والشجاعة بتعبيرها عن إيمانها بالقيم العالمية،
إذ كانت على وعي عميق بأهوال الحرب العالمية
الثانية، كما كانت تدرك جوانب الواقع المرير
للحرب الباردة الناشئة. ولم تكن هذه الرؤية
مقصورة على ما حدث في أوروبا، فقد شهد عام
1948 اغتصاب فلسطين، واغتيال المهاتما غاندي،
وسَنَّ قوانين الفصل العنصري لأول مرة في جنوب
إفريقيا، كما كانت مناطق كبيرة من العالم لا
تزال تعاني من نير الاستعمار.
وكان الذين تَولَّوْا صياغة «الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان» يحفزهم الإيمان بأنه من المحال
مواجهة تحديات المستقبل إلا من خلال نظام
متعدد الأطراف للقيم العالمية، يستند إلى
المساواة والعدل وسيادة القانون. كما رفضوا
وضع مراتب تفضيل ما بين الحق في حرية التعبير
والحق في التعليم، والحق في عدم التعرض
للتعذيب والحق في الضمان الاجتماعي، وأبدوا
إدراكهم أن مبدأ عالمية حقوق الإنسان، بمعنى
أن كل فرد قد ولد حراً يتمتع بالمساواة، ومبدأ
الترابط بين هذه الحقوق وأنها كل لا يتجزأ،
بمعنى أنه لا بد من الوفاء بجميع الحقوق سواء
كانت اقتصادية أو اجتماعية أو مدنية أو سياسية
أو ثقافية والالتزام بها جميعاً على قدم
المساواة، يمثلان الأساس اللازم لأمننا
الجماعي وإنسانيتنا المشتركة.
ولكن القيادة ذات البصيرة ما لبثت أن توارت في
السنوات التالية وحلت محلها المصالح السياسية
الضيقة، وأصبحت حقوق الإنسان لعبة تؤدي إلى
الفُرقة حين اشتبكت الدولتان «العُظْميان» في
صراع أيديولوجي وجغرافي سياسي لإثبات التفوق.
فكان أحد الطرفين ينكر الحقوق المدنية
والسياسية، والطرف الآخر يقلل من قيمة الحقوق
الاقتصادية والاجتماعية. وكانت حقوق الإنسان
تُستعمل أداةً لتلبية غايات استراتيجية، بدلاً
من أن تكون سبيلاً لتعزيز كرامة البشر
ورفاهيتهم. وسرعان ما وقعت الدول التي كانت قد
استقلت منذ عهد قريب في شراك المنافسة بين
الدولتين «العظميين»، فراح بعضها يناضل في
سبيل الديمقراطية وسيادة القانون، بينما كان
البعض الآخر يتجاهلهما تماماً مطبقاً أشكالاً
شتى من التسلط والاستبداد.
وانتعشت الآمال بنصرة حقوق الإنسان بانتهاء
الحرب الباردة، ولكن هذه الآمال تحطمت عندما
اندلعت الصراعات العِرقية، وتفتتت بعض الدول،
مما تسبب في وقوع عدد كبير من حالات الطوارئ
الإنسانية المتوالية التي اتسمت بانتهاكات
هائلة وبشعة لحقوق الإنسان. وفي غضون ذلك
استشرى الفساد وساد في عدد كبير من مناطق
العالم، إلى جانب ضعف الحكم وانتشار إفلات
مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان من العقاب.
ومع دخول العالم إلى مشارف القرن الحادي
والعشرين، أدت الأحداث المؤلمة التي وقعت في
11 سبتمبر 2001 إلى تحويل النقاش عن حقوق
الإنسان من جديد إلى جدل يثير الفُرقة
والانقسام والهدم، بين «الغربيين» و«غير
الغربيين»، ويحد من الحريات، ويُذكي مشاعر
الارتياب والخوف والتمييز والتعصب، فيما بين
الحكومات وبين الشعوب على حد سواء.
وأتت قوى العولمة الاقتصادية بوعود جديدة،
ولكنها أتت بتحديات جديدة أيضاً. فعلى الرغم
من ادعاء زعماء العالم أنهم ملتزمون باستئصال
آفة الفقر، فقد تجاهلوا في الغالب الأعم
انتهاكات حقوق الإنسان التي تنتج الفقر وتزيده
عمقاً. وهكذا ظل «الإعلان العالمي لحقوق
الإنسان» مجرد وعود على الورق.
ولعل ما يثير أشد الدهشة اليوم، عند إلقاء
نظرة على الماضي، هو ما أظهرته الدول الأعضاء
في الأمم المتحدة من وحدة الهدف حين اعتمدت
«الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» دون أي صوت
مُعارض. ففي مواجهة عدد كبير من أزمات حقوق
الإنسان المُلحَّة في الوقت الراهن، لا توجد
رؤية مشتركة بين زعماء العالم بشأن التصدي
للتحديات المعاصرة في مجال حقوق الإنسان
المعاصرة وسط عالم يزداد تعرضه للأخطار
وافتقاره إلى السلامة والمساواة.
لما كانت الولايات المتحدة أقوى دولة في
العالم، فإنها تحدد معايير السلوك الحكومي على
مستوى العالم كله. ولقد واصلت الإدارة
الأمريكية، في ظل تعتيم قانوني مذهل، جهودها
لإضعاف الحظر المطلق على التعذيب وغيره من
صنوف المعاملة السيئة، ورفض كبار المسؤولين
إدانة استخدام أسلوب «الغمس في الماء»، الذي
ذاع صيته السيئ. وما زال مئات من السجناء في
جوانتنامو وبجرام (أفغانستان)، فضلاً عن آلاف
في العراق، محتجزين دون تهمة أو محاكمة، ومضى
على كثيرين منهم ما يزيد عن ستة أعوام. إن
العالم يحتاج إلى أن تصبح الولايات المتحدة
دولة تؤمن إيماناً حقاً بقضية حقوق الإنسان
وتلتزم بها التزاماً أصيلاً، في الداخل
والخارج. ولن يتأتى للولايات المتحدة أن تتمتع
بالسلطة المعنوية باعتبارها نصيرةً لحقوق
الإنسان، إلا إذا أغلقت الإدارة المقبلة معتقل
جوانتنامو، وقدمت المعتقلين فيه للمحاكمة أمام
المحاكم الاتحادية العادية أو أطلقت سراحهم.
وعليها أن تلغى «قانون اللجان العسكرية» وتكفل
احترام القانون الإنساني الدولي والقانون
الدولي لحقوق الإنسان في جميع العمليات
العسكرية والأمنية. وعليها أن تحظر الأخذ
بالأدلة المنتزعة تحت وطأة التعذيب، وتدين
جميع أشكال التعذيب وغيره من صنوف المعاملة
السيئة مهما تكن الغاية المنشودة. وعلى
الإدارة الجديدة أن تضع استراتيجية ناجعةً
لتحقيق السلم والأمن الدوليين. وعليها أن تقلع
عن تأييدها للقادة المتسلطين، وتستثمر دعمها
في المؤسسات الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق
الإنسان، فذلك من شأنه أن يكفل الاستقرار لأمد
بعيد، كما يجب أن تكون على استعداد لإنهاء
عزلة الولايات المتحدة في المنظومة الدولية
لحقوق الإنسان وأن تشارك مشاركة بناءةً في
»مجلس حقوق الإنسان« التابع للأمم المتحدة.
من جانب آخر أظهرت الحكومات الأوروبية ميلاً
إلى المعايير المزدوجة. فالاتحاد الأوروبي
يقول إنه «اتحاد للقيم، يُوحِّده احترام سيادة
القانون، وتُشكِّله المعايير المشتركة واتفاق
الآراء، وإنه ملتزم بالتسامح والديمقراطية
وحقوق الإنسان». ولكن عام 2007 كشف عن أدلة
جديدة تثبت أن بعض الدول الأعضاء في الاتحاد
الأوروبي قد تغاضت عما تفعله وكالة
«الاستخبارات المركزية الأمريكية» أو تواطأت
معها في اختطاف بعض السجناء واحتجازهم سراً
ونقلهم بصورة غير مشروعة إلى بلدان تعرضوا
فيها للتعذيب أو غيره من صنوف المعاملة
السيئة. وعلى الرغم مما طالب به مجلس أوروبا
مراراً، لم تقم أي من الحكومات الأوروبية
بإجراء تحقيق شامل في الأخطاء المرتكبة
والإعلان عنها واتخاذ التدابير اللازمة لتحاشي
استخدام الأراضي الأوروبية في المستقبل
لاحتجاز السجناء ونقلهم أو للاعتقالات السرية.
وعلى العكس من ذلك، فقد حاولت بعض الحكومات
الأوروبية التحايل على الحكم الذي أصدرته
«المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان» عام ،1996
الذي يحظر إعادة المشتبه فيهم إلى بلدان
يُحتمل أن يواجهوا التعذيب فيها. وقد أصدرت
المحكمة حكماً في واحدة من قضيتين عُرضتا
عليها في عام ،2007 فأعادت تأكيد الحظر المطلق
للتعذيب وغيره من أشكال المعاملة السيئة.
وإذا كان الكثيرون يتذمرون من الإفراط في
القواعد المنظمة في إطار الاتحاد الأوروبي،
فليس ثمة غضب يُذكر إزاء افتقار الاتحاد
الأوروبي إلى قواعد منظمة بشأن حقوق الإنسان
داخل كل بلد. وحقيقة الأمر أن الاتحاد
الأوروبي لا يستطيع مساءلة الدول الأعضاء فيه
فيما يتعلق بمسائل حقوق الإنسان التي لم ينص
عليها قانون الاتحاد الأوروبي. وقد أُنشئت
»للهيئة الحقوق الأساسية« في عام ،2007 ولكنها
مُنحت صلاحيات محدودة لا تمكنها من أن تطلب أي
مساءلة حقيقية. وإذا كان الاتحاد الأوروبي يضع
معايير صارمة بشأن حقوق الإنسان في حالة
البلدان المرشحة التي تسعى إلى الانضمام إليه،
وهو محق في ذلك، فإن هذه البلدان ما إن تنضم
إليه حتى يصبح بوسعها أن تنتهك تلك المعايير
دون أن يسائلها الاتحاد الأوروبي مساءلة تذكر
أو دون أن يسائلها على الإطلاق
فهل يستطيع الاتحاد الأوروبي، أو تستطيع الدول
الأعضاء فيه، مطالبة الصين أو روسيا باحترام
حقوق الإنسان بينما هذه الدول متواطئة في
التعذيب؟ وهل يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يطلب
من بلدان أخرى، أفقر كثيراً من بلدانه، أن
تفتح حدودها، إذا كانت الدول الأعضاء فيه تفرض
القيود على حقوق اللاجئين وطالبي اللجوء؟ وهل
تستطيع هذه الدول أن تدعو إلى التسامح خارج
حدودها، بينما تتقاعس هي عن التصدي للتمييز ضد
طائفة »الروما« (الغجر) والمسلمين وغيرهم من
المجموعات المقيمة داخل حدودها؟