الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

نقاط ضعف واضحة تعتري قوة روسيا!
ستيفان واجستيل
فاينانشيال تايمز


لقد بدأ التحول الذي شهدته روسيا في فترة ما بعد عام 1998 مع تكشف الأزمة. فبعد أسابيع قليلة من الشكوك العميقة وحالة الارتباك في الأسواق، أدى خفض العملة إلى حفز الإنتاج الداخلي. ثم وبعد أن تولى بوتين السلطة كرئيس للدولة، فرض الكرملين حالة الاستقرار على حساب الحريات المدنية.
منذ عشر سنوات ضربت الأزمة المالية الروسية الأسواق العالمية. وفي السابع عشر من أغسطس ،1998 قرر الرئيس الروسي بوريس يلتسين آنذاك تجميد سوق الدين المحلي، وتشديد القيود على العملة، والسماح بخفض قيمة العملة الروسية الروبل. ونتيجة لذلك، خسر الملايين مدخراتهم، وأدار المصرفيون الغربيون ظهورهم للكرملين، وبدت روسيا مفلسة سياسيا وماليا.
وبعد مرور عقد من الزمان، يبدو أن كل شيء قد تغير تماما، وبدأت روسيا تشهد حالة من الازدهار، وقامت بسداد ديونها، وارتفعت احتياطياتها من العملة الصعبة، وامتلأت فنادقها برجال الأعمال الغربيين. وعرض الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف ورئيس وزرائه فلاديمير بوتين هذه الجوانب خلال مؤتمرات القمة وأعلنا أن روسيا عادت إلى طاولة أكبر دول العالم.
بيد أن الحقيقة ليست بهذه السهولة. فبينما حدث تغيير كبير في روسيا منذ عام ،1998 إلا أنها ما زالت تعاني من جوانب ضعف خطيرة. وبينما استطاعت روسيا استعادة بعض من نفوذها الدولي، إلا أنها ما زالت بعيدة كل البعد عن استعادة وضعها كقوة عظمى مرة أخرى.
لقد بدأ التحول الذي شهدته روسيا في فترة ما بعد عام 1998 مع تكشف الأزمة. فبعد أسابيع قليلة من الشكوك العميقة وحالة الارتباك في الأسواق، أدى خفض العملة إلى حفز الإنتاج الداخلي. ثم وبعد أن تولى بوتين السلطة كرئيس للدولة، فرض الكرملين حالة الاستقرار على حساب الحريات المدنية. وأخيرا، والأهم، أن أسعار النفط ارتفعت من متوسط 12 دولار للبرميل في عام 1998 إلى أكثر من 125 دولار في الوقت الحالي. وتم توجيه الزيادة الهائلة في دخل صادرات النفط والغاز إلى الكرملين من خلال مدفوعات الضرائب مما وفر الكثير من الفرص غير المسبوقة للإنفاق العام والفساد الخاص.
لقد انخفض الناتج الاقتصادي بنسبة 5٪ عام ،1998 ثم ارتفع بمعدل سريع يزيد عن 6٪ منذ ذلك الوقت. وانتشرت المنافع- التي كانت مقتصرة في البداية على الأغنياء إلى حد كبير- إلى الطبقة المتوسطة المتنامية. وبالتالي حظي الرئيس ميدفيديف ورئيس الوزراء بوتين بشعبية كبيرة في الداخل تزيد بكثير عن شعبية نظرائهم في الغرب.
وكما استطاع ميدفيديف وبوتين تعزيز سلطاتهم في الداخل، كانا حريصين على تأكيد قوتهما في الخارج لا سيما في دول الاتحاد السوفييتي السابق، لذلك سمعنا ميدفيديف يقول، »لقد أصبحت روسيا اليوم لاعبا قويا على المستوى العالمي.« لكن وبعد مرور عشر سنوات على عام ،1998 ليست روسيا بالقوة التي يدعيها حكامها. فلم يعد الإنتاج إلى معدلات عام 1998 إلا خلال العام الماضي فقط. ويعيش ملايين الروس في حالة فقر، مما يجعل متوسط الدخل القومي للفرد ينخفض إلى 14700 دولار أمريكي من حيث القوة الشرائية بالمقارنة ببولندة على سبيل المثال التي يصل متوسط دخل الفرد لديها إلى 16300 دولار.
يحدث مع الفقر انخفاض في مستوى التعليم والرعاية الصحية. كما أن عدد سكان روسيا الذي يبلغ 143 مليون نسمة أخذ يتناقص بسرعة كبيرة لدرجة أن الانتعاش السكاني أصبح يمثل أولوية وطنية. وبينما يتشابه وضع روسيا مع غرب أوروبا، إلا أنها- أي روسيا- ليست منفتحة للهجرة، كما أنها تخشى من العواقب لا سيما في صربيا ذات الكثافة السكانية المنخفضة كما يعيش 1,3 بليون صيني على حدودها.
فضلا عن ذلك، تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من سياسات التنويع التي تنتهجها موسكو، ما زالت روسيا تعتمد على النفط والغاز اللذين يشكلان حوالي 20٪ من الناتج الاقتصادي وحوالي 60٪ من الصادرات. وما زال حلم التحول إلى الاقتصاد المبني على المعرفة المتسلح بفريق من العلماء المدربين بعيدا عن أن يتحول إلى حقيقة. ولكي أكون منصفا، استطيع القول إن أسلوب روسيا في إدارة مكاسبها المفاجئة أفضل بكثير من العديد من الدول الأخرى الغنية بالنفط. لكن ما زال المستوى منخفضا بالمقارنة بأي دولة تود أن تتنافس على النفوذ مع الولايات المتحدة الأمريكية.
علاوة على ذلك، ما زالت قدرة الكريملين على استعراض القوة خارج حدود روسيا محدودة للغاية. وعلى الرغم من الزيادة في الإنفاق العسكري، إلا أنه لا يزيد عن 5٪ من الإنفاق العسكري الأمريكي، كما أن القوات المسلحة الروسية بحاجة إلى تحديث كبير. حتى وضع روسيا كقوة كبرى نووية ما زال محل شك لأنها تبذل جهودا كبيرة من أجل استبدال صواريخ العهد السوفييتي التي عفى عليها الزمن. أما أقوى ورقة لعب تمتلكها روسيا فهي دورها كمصدر للطاقة إلى الاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص. لقد بذل الكرملين جهودا مضنية لتعزيز هذا الدور، بما في ذلك طرح خطط بناء أنابيب نفط والسعي من أجل التوقيع على صفقات تعاون مع موردين آخرين. لكن الطاقة تعتبر سلاحا ذا حدين، حيث يعتمد الاتحاد الأوروبي على روسيا في توفير 25٪ من احتياجاته من الغاز، بيد أن روسيا تعتمد على الاتحاد الأوربي للحصول على ما يزيد عن 60٪ من إيراداتها من تصدير الغاز. إن دول شرق أوروبا الفقيرة التي ليس لديها أي موردين آخرين هي التي تعاني كثيرا، وليس الاتحاد الأوروبي ككل.
حتى على حدودها القريبة، تواجه موسكو تحديات كثيرة. لقد حدث صخب واستياء كبيرين من أسلوب روسيا العدواني في دول الاتحاد السوفيتي السابق بما في ذلك قطع إمدادات الطاقة إلى دول البلطيق، وأوكرانيا وجورجيا، ومن تدخلها في السياسات الداخلية لتلك الدول. أما أسوأ الأمثلة على ذلك، فهو الدعم التي قدمته روسيا لإقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية اللذين يسعيان للانفصال عن جورجيا، واعتراف موسكو خلال الشهر الماضي بأن طائراتها الحربية اخترقت المجال الجوي الجورجي. بيد أن الكرملين لم يكسب الكثير من كل هذه الأنشطة. بل العكس هو الصحيح، فقد حقق الغرب تقدما كبيرا. ومنذ عام ،1998 تم توسيع حلف شمال الأطلنطي مرتين بدخول ثلاث جمهوريات من الاتحاد السوفييتي السابق وهم استونيا ولاتفيا وليتوانيا إلى جانب العديد من الأعضاء الجدد، وتأمل أوكرانيا وجورجيا الانضمام حاليا، كما توسع الاتحاد الأوروبي إلى الشمال، وطور سياسات تعاونية مع العديد من الدول البعيدة مثل أذربيجان. وفي الوقت نفسه، حصل قادة ديمقراطيون موالون للغرب على السلطة خلال الثورة البرتقالية في أوكرانيا والثورة الوردية في جورجيا وتمكنوا من إخراج زعماء شموليين موالين لموسكو.
كما أن قدرة روسيا على عرض قوتها في مناطق أبعد باتت محدودة جدا. فمع انتهاء الحرب الباردة، لا يوجد أي صراع أيديولوجي بين الشرق والغرب تستطيع من خلاله روسيا استقطاب الدول المعادية للولايات المتحدة. علاوة على ذلك، فمع نمو الصين ونشوء الهند تزداد المنافسة على النفوذ.
وبينما تتوفر لدى روسيا الكثير من الفرص لجعل الحياة صعبة بالنسبة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا سيما في إيران والشرق الأوسط وكوسوفو، إلا أن احتمالات حصول موسكو على مكاسب سياسية قوية محدودة للغاية. أما في إفريقيا، فقد أدى انحسار النفوذ الغربي إلى فتح الطريق لدخول الصين وليس روسيا.
إذن، يقف الكرملين في وضع محبط لكونه أكثر قوة عما كان عليه منذ عشر سنوات، لكنه ليس بالقوة التي يريدها بالفعل.

  رجوع