معالم أثرية قديمة برائحة اللبان تحكي قصصا شاهدة على العصر

كتب – عزان بن عاشور الجبلي
تكتسب محافظة ظفار أهمية تاريخية ومكانة خاصة في التاريخ العماني الحديث والقديم على السواء. فمن صلالة مدينة الأصالة والمجد انبلج فجـر النهضة العمانية الحديثة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم- حفظه الله ورعاه - ذلك الفجر الصادق الذي شق بضيائه حجب الظلام ومضى ينشر السلام ويزرع الحياة ويزيل آثار دهر طويل من الجمود أعاق حركة الوطن وبدد طاقاته. . من هذه الربوع بدأت المسيرة المباركة أولى خطواتها في مضمار البناء والتعمير والتحديث والتطوير مفعمة بالعزم والأمل متوهجة بالجد والعمل غايتها الكبرى بناء دولة عصرية وهدفها الأسمى تحقيق الأمن والرخاء والازدهار والتجديد مع الحفاظ على الأصل .
وتـقع محافظة ظفار في أقصى جنوب السلطنة, وتتصل المحافظة من الشرق بالمنطقة الوسطى، ومن الجنوب الغربي بحدود السلطنة مع الجمهورية اليمنية ومن الجنوب ببحر العرب، ومن الشمال والشمال الغربي بصحراء الربع الخالي.
شكلت محافظة ظفار همزة الوصل بين عمان وشرق افريقيا، كما كانت بوابة عمانية ضخمة على المحيط الهندي، ومعبرا لطريق القوافل القديم في جنوب شبه الجزيرة العربية. وتمتاز محافظة ظفار بأنها منطقة جذب سياحي خاصة خلال موسم الخريف الذي يمتد من يونيو حتى سبتمبر من كل عام.
كما تتميز المنطقة بالسياحة الدينية والتاريخية حيث توجد العديد من المواقع ذات الصبغة الدينية مثل منطقة (الأحقاف) التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وقبر كل من النبي هود، والنبي أيوب .
وتوالت الحضارات على جنوب شبه الجزيرة العربية وعاشت المنطقة فترات طويلة من الازدهار والرخاء فقد كان الرومان يسمونها (البلاد السعيدة )،ومنذ الألف الثانية قبل الميلاد اتجهت الأنظار إلى السواحل الجنوبية من سلطنة عمان فاحتلت ظفار أهمية خاصة وتحدث عنها المؤرخون بشيء من الاهتمام .
الجدير بالذكر أن اسم ظفار أطلق على موقعين : أحدهما في اليمن والآخر في عُمان وعرفت ظفار اليمن بأنها عاصمة الحميريين الذين قامت دولتهم حوالي 115 ق .م ، أما ظفار عُمان فقد اشتهرت بما تنتجه من اللبان وتم تأسيس مدينة البليد في القرن الرابع الهجري في عهد دولة المنجويين ولعبت منطقة البليد دورا هاما في النشاط التجاري وكان لها اتصال بالموانئ العالمية في الصين وبلاد مابين النهرين والهند والسند واليمن وحضرموت .
وتتميز محافظة ظفار بالسياحة الدينية والتاريخية حيث توجد بها العديد من المواقع ذات الصبغة الدينية مثل منطقة (الأحقاف) التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وقبر كل من النبي هود، والنبي أيوب، والنبي صالح عليهم السلام، وإلى جانب ذلك توجد في ظفار آثار مدينة البليد وميناء سمهرم التاريخي الذي اشتهر بتصدير اللبان عند خور روري، كذلك آثار مدينة وبار، بالإضافة إلى مجموعات أثرية في منطقة المغسيل وقلعة حمران بصلالة، وفي حاسك وهانون والمحلة بمدينة سدح، وغيرها من المواقع الثرية التي يتم الحفاظ عليها كشواهد تاريخية ذات قيمة كبيرة.
البليد الآن بعد التجديد أصبحت موقعا متميزا على الخارطة العمانية في محافظة ظفار ومقصد كل السياح العرب والأوروبيين الذين أتيحت لهم فرصة زيارة المحافظة حيث تجد الزائر شديد الحرص على مشاهدة هذا التاريخ القديم الذي كان له اثر كبير في حياة أبناء ظفار .
المكان الآن مفعم بالحياة بعد تجديده وتنظيفه وإخراجه كمعلم جميل يتنقل فيه السياح بكل أريحية وهدوء .
تدل الشواهد الأثرية على ان محافظة ظفار كانت مركزا مهماُ لإنتاج اللبان من خلال ذكر موانئ تصدير اللبان والوجهة التي تتوجه إليها القوافل والسفن محملة به كميناء سمهرم وطريق أوبار(الشصر) في استجلاء أوجه النشاط البشري إلى حد كبير في مختلف الحقب التاريخية
وبعد تطوير الموقع تم افتتاحه في شهر يوليو من عام 2007 ( متحف ارض اللبان ) بمتنزه البليد الأثري ويضم المتحف قاعتين، الأولى لتاريخ عمان عبر العصور، والثانية علاقات العمانيين بالبحر.
ويعتبر المتحف واحدا من ابرز واهم المتاحف التاريخية العمانية حيث يجسد حضارة سلطنة عمان منذ العصور ما قبل الميلاد وحتى عصر النهضة المباركة، وحينها أثناء الافتتاح قال عبد العزيز بن محمد الرواس، مستشار السلطان قابوس للشؤون الثقافية،في كلمة أكد فيها «ان العمانيين اليوم ذكورا وإناثا يقفون صروحا بشرية تسرد بجهدها وعملها قصة نجاح التجربة العمانية في مسيرة الترقي المستمرة».وقال «إن افتتاح متحف ارض اللبان يضيف إلى معالم النهضة العمانية المباركة بعدا آخر تتشكل من خلاله إطلالة شاملة على عمان بمختلف مناطقها عبر الأزمنة»، موضحا إن اختيار منظمة «اليونسكو» لمواقع ارض اللبان بمحافظة ظفار كونها موطن شجرة اللبان وبلاد المنشأ والتصدير، ووضعها على قائمة «اليونسكو» للتراث العالمي الثقافي والطبيعي يشكل قيمة مضافة لكنوز عمان وتراثها الحضاري استنادا إلى حيثيات علمية ومعايير عالمية.. فيما ضمت القاعة البحرية التراث البحري وكيف عرف العمانيون الملاحة منذ القدم وبناء القوارب والسفن الشراعية والإبحار والتجارة التي اشتهرت بها السلطنة منذ القدم خاصة تجارة اللبان الذي ينقل من ميناء سمهرم والبليد الى عدد من موانئ العالم، وشكلت تلك التجارة وغيرها مكونات للخطوط التجارية التي ربطت عمان ببقية العالم، وتشير بعض الوثائق الصينية إلى إن أول البحارة العرب الذين وصلوا إلى الصين كانوا من عمان وذلك عام 750م كما كان احمد بن نعمان الكعبي أول مبعوث عربي يصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1840م. ويعود تاريخ مدينة البليد إلى فترات زمنية ما قبل الإسلام وكانت تمثل مركزا سكنيا منذ نحو 2000 عام قبل الميلاد وبرزت خلال العصر الحديدي كمدينة مركزية نشطة ازدهرت في العصور الإسلامية. وقد وصف كل من الرحالة ماركو بولو وابن بطوطة المدينة على أنها أكثر المدن ازدهارا وواحدة من اكبر الموانئ الرئيسية على المحيط الهندي مما جعلها مركزا تجاريا مزدهرا لتصدير اللبان إلى الصين وروما.
وقد تم اكتشاف موقع المدينة للمرة الأولى من قبل بترام توماس عام 1930 بينما بدأت التنقيبات فيه للمرة الأولى في عام 1952، وفي عام 1977 قامت وزارة التراث والثقافة بتنفيذ برنامج مسح لموقع البليد، ثم قام مكتب مستشار السلطان قابوس للشؤون الثقافية بتنفيذ برنامج شامل للترميم وتطوير الموقع الذي هو عبارة عن مجموعة من المعالم الأثرية تغطي مساحة مستطيلة تصل إلى 64 هكتارا يحيط بها جدار عال من ناحية الشرق والشمال وخندق صغير من ناحية الغرب. ويحتوي الجدار على أربع بوابات، ومدينة البليد مقسمة إلى ثلاثة أقسام (تجاري وسكني وخدمي) بالإضافة إلى مسجد وحصن في الجهة الغربية. وقد تم تسجيل موقع مدينة البليد في منظمة اليونسكو كتراث عالمي عام 2000 .