كثير من الذين يحزمون حقائب السفر إلى جزيرة
مصيرة، أو يعرفون أي فرد يعمل هناك، ويعود
نهاية الأسبوع، لن تخلو عدة السفر ــــ في
حينها ــــ عن الطرفين، من أخذ cool box
ـــ براد ـــ لقناعتهم التامة من أنهم سوف
يجلبون من هذه الجزيرة الرائعة الكثير من
الأسماك، ومن أنواعها المختلفة أيضا، وليس من
الصعوبة بمكان أن يتزودوا بالروبيان، هذه
الصورة الحالمة كانت موجودة حتى عهد قريب،
ولكن مع تجدد ظروف الحياة تبددت هذه الصورة
اليوم، فغدت هذه الجزيرة التي تصدر الكميات
الكبيرة من الأسماك لا يستبعد أن يستنجد أهلها
بشركة الأسماك العمانية من إمدادهم بأسماك
جزيرتهم التي تسوقها الشركة من إعادة تصديرها
إليهم من جديد.
قد لا يصدق احد هذا القول، ولكن من يذهب إلى
هناك يتأكد عنده اليقين، ولا يسعه إلا أن يقول:
«سبحان الله مغير الأحوال»، والسبب في كل ذلك
مجموعة المصانع التي يملكها أفراد من خارج
الجزيرة والتي تستولي على كل كميات الصيد التي
يحضرها الصيادون من البحر وتشتريه بالكامل،
دون أن تترك أي نفس للذين لا يعرفون للبحر
طريقا ومن ثم تعود هذه المصانع لتبيع السمك
على السكان بأسعار لا تختلف كثيرا عن الأسعار
التي تباع فيها الأسماك في محافظات ومناطق
السلطنة المختلفة والتي كثيرا منها لا تنتج
أسماكا.
هو أمر مقلق بالفعل خاصة على سكان جزيرة مصيرة
الذين كانوا حتى عهد قريب من النادر أن يشتري
ساكن الجزيرة سمكا، حيث كان هناك عرف اجتماعي
جميل، يطلق عليه بالمحلية «التحلاية» ويظل في
عرف العيب الأخلاقي أن يبيع الصياد سمكا على
أي ساكن في الجزيرة وإنما يعطيه بالمجان قدر
حاجة يومه، أو أكثر.
السكان يتفهمون هذا الجانب، وهم لا يريدون
شيئا بالمجان ــــ كما اسر لي احدهم، إبان
زيارتي للجزيرة ــــ ولكن أن يراعي هؤلاء
أصحاب المصانع مسألة التسعيرة، فما يباع من
سمك في أي ولاية من ولايات السلطنة بسعر، لا
يجوز أن يباع هذا السمك بالسعر نفسه، وذلك
لسبب بسيط وهو أن صيد السمك يتم في جزيرتهم
ومن سواحلها القريبة، وبالتالي فما هو العناء
الذي يتكبده هذا الصياد، أو صاحب المصنع حتى
يحافظ على تسعيرة المناطق المختلفة التي تبعد
عن جزيرة مصيرة مئات الكيلو مترات.
لقد زرت أحد المصانع، لذلك الغرض، وتفاجأت،
حقيقة، بالأسعار، حيث يصل كيلو السمك من نوع «الجيذر»
بـ (800) بيسة، وسعر الصيدة كاملة تصل إلى
ثمانية ريالات، وهو مبلغ كبير في جزيرة يحيط
بها السمك من كل مكان. صحيح ان أصحاب المصانع
ليسوا من أبناء الجزيرة، وهذا يحتاج إلى
مراجعة، فكيف يسمح للاستثمار في هذا الجانب من
غير أبناء الجزيرة، فهم الأولى بهذا الاستثمار
حتى تبقى لهم خصوصيتهم، وخصوصية مجتمعهم، فلهم
في ذلك مناخات اجتماعية جميلة، قل أن تتعقد
الحياة أكثر من ذلك.
في الوقت الذي قامت فيه بلدية مصيرة بإقامة
سوق جميل وحديث، وخصص فيه جانب لبيع الأسماك،
ولكن من فرط الشح الذي يعيشه أصحاب هذه
المصانع فهم لا يبيعون أسماكهم في هذا السوق
حتى يتمكن السكان من شراء ما يحتاجونه من هذه
الأسماك، وحتى أن الصيادين الذين لا يرتبطون
بعقود مع أصحاب هذه المصانع لا يتمكنون من بيع
أسماكهم في هذا السوق، وإنما تشتري منهم
شاحنات نقل الأسماك من موقع الأرصفة المخصصة
للعبارات.
ما يطالب به سكان جزيرة مصيرة اليوم هو أن
يجدوا سمكا يكفيهم، وهذا ليس له سوى تحديد بيع
السمك في هذه الجزيرة، بحيث يتناسب هذا السعر
وظروف السكان الذين يعيشون في جزيرة مصيرة،
والمسألة ليست صعبة من خلال التنسيق مع الجهات
المعنية في ولاية مصيرة.