«إن على سوريا الأخذ بالاعتبار تجربة المسار
التفاوضي الفلسطيني - الإسرائيلي المتعثر رغم
إصرار السلطة الوطنية الفلسطينية على
الاستمرار في التفاوض، خاصة في ظل تحذيرات
البعض من مخاطر توقيع سوريا على صلح منفرد مع
إسرائيل (يستبعد المسارين الفلسطيني واللبناني)
لما قد يفسر بأنه تخل عن القضية الفلسطينية
وإهدار لتاريخ حافل بالممانعة والصمود
والالتزام القومي المشرف، مقابل تصريحات قد
تكون مجرد مناورة».
لم تكن المرة الوحيدة التي تصدر سلطات
الاحتلال الإسرائيلي فيها إشارات مباشرة أو
غير مباشرة، عن طريق وسائط متعددة، تشي
باستعدادها للتفاوض مع سوريا، منذ انقطاع
الاتصالات والمفاوضات بين الجانبين قبل ثماني
سنوات تقريباً ووصولها إلى «نقطة معينة» لم
يفصح عن تفاصيلها من أي من الجانبين.
ولكن قد تكون تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي
ايهود أولمرت الأخيرة ملفتة للانتباه، من حيث
مضمونها وتوقيتها، فإسرائيل تعلن صراحة عن
استعدادها الانسحاب من الجولان مقابل السلام
الشامل مع سوريا. وقد أعقب تلك التصريحات حديث
مماثل لوزير الخارجية السوري وليد المعلم في
العشرين من شهر مايو الماضي في المنامة أعلن
فيه أن «سوريا حصلت في المفاوضات غير المباشرة
مع اسرائيل التي تتم عبر وساطة تركية على
التزامات بانسحاب من الجولان حتى خط الرابع من
يونيو 1967»، فيما أكدت وكالة الأنباء السورية
(سانا) على لسان مصدر مسؤول في وزارة الخارجية
السورية ان سوريا واسرائيل باشرتا محادثات
سلام غير مباشرة تحت رعاية تركية، مبدياً كلا
منهما الرغبة في إجراء المحادثات بنية حسنة
ومتابعة الحوار بجدية واستمرارية لتحقيق هدف
السلام وفقاً لمرجعية مدريد للسلام، وذلك من
خلال جهود حثيثة يبذلها رئيس الوزراء التركي
رجب طيب اردوغان منذ أكثر من عام، وهو الأمر
الذي أكدته وزارة الخارجية التركية بإجرائها «وساطة
في مفاوضات سلام غير مباشرة بين اسرائيل
وسوريا، من اجل التوصل إلى سلام شامل طبقاً
للاطار المحدد في مؤتمر مدريد الدولي للسلام».
إن هذه التصريحات المتواترة والتحركات
المتسارعة التي يُكشف عنها من قبل المسؤولين
في سوريا وإسرائيل وتركيا رغم أن المفاوضات
السرية وغير المباشرة بين الجانبين السوري -
والإسرائيلي تجري منذ قرابة العام، تأتي في
توقيت لا ينفصل عن سياقها أو مجراها، حيث يتم
الكشف عنها في ظل أجواء ومناخات متوترة في
المنطقة كما كان عليه الحال في لبنان قبل
توقيع الأغلبية والمعارضة اتفاق الدوحة مؤخراً،
دون أن يعني ذلك كف يد الأطراف الخارجية عن
ساحة لبنان الداخلية، فبعد فشل الولايات
المتحدة في فرض مشروعها «الشرق أوسطي الجديد»
في لبنان عقب الهزيمة الإسرائيلية الأمريكية
أمام المقاومة اللبنانية في يوليو ،2006 وذلك
بعد إخفاق إقامته في العراق تحت مفهوم «الفوضى
الخلاقة» الذي ابتدعته وزيرة الخارجية
الأمريكية كونداليزا رايس، خلافاً لتصوراتها
السابقة قبيل الاحتلال، وبعد فشل إسرائيل
الذريع في متوالية الحروب التي شنتها على
الأرض اللبنانية، فإن واشنطن ومعها إسرائيل
تريدان إحداث الفتنة والخراب في لبنان. وبحسب
رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سليم الحص، فإن
«النظر إلى هدف الولايات المتحدة من المدخل
الإسرائيلي، يفضي إلى القول بأن أمريكا لا
تريد شيئاً من لبنان ولكنها تريد الكثير عبره،
لممارسة الضغوط على كل دول المنطقة، وتحديداً
على سوريا وإيران والسعودية إلى جانب
الفلسطينيين.. وإذا أقفل الملف اللبناني فإنها
لن تستطيع ممارسة تلك الضغوط، وبالتالي فإن من
مصلحتها بقاءه مفتوحاً»، بحسب قوله. ولعل
التصريحات الأخيرة لمساعد وزيرة الخارجية
الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ولش التي
حذر فيها من صيف ساخن بانتظار لبنان بسبب
التوتر القائم في لبنان، دليل واضح على أن
واشنطن تريد بالفعل أن يكون صيف لبنان ساخناً،
خاصة عندما قرنت تلك التصريحات بتحذير وزارة
الخارجية الأمريكية الرعايا الأمريكيين من
المجيء إلى لبنان بما يعزز ذلك الاعتقاد الذي
ربما افتعلته الولايات المتحدة عن طريق
إسرائيل.
ولعل المفارقة (غير المستغربة) هنا أنه في
الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تصدر تصريحات
بشأن استعدادها للانسحاب من الجولان مقابل
السلام مع سوريا، فإنها كانت تقوم بمناوراتها
العسكرية المكثفة للضغط على دمشق، مع عدم
إسقاط احتمال العدوان مجدداً على لبنان، وذلك
بالتساوق مع حملة الضغوط الأمريكية -
الإسرائيلية الممارسة على دمشق والاتهامات
الموجهة إليها وإلى إيران بمساعدة حزب الله
وفصائل المقاومة في فلسطين المحتلة، بينما
تحوم تهم الفساد واستغلال السلطة حول أولمرت،
في الوقت الذي تصعد فيه إسرائيل من ممارساتها
العدوانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة
وإحكام الحصار على قطاع غزة، ولكن من دون قدرة
القضاء على صواريخ المقاومة كما كانت تعتقد
سابقاً، إلى درجة أن أحد المعلقين العسكريين
الإسرائيليين زئيف شيف دعا ساخراً حكومته إلى
استبدال صواريخ القسام التي يصعب رصدها وضربها
بصواريخ سكود وذلك في مؤشر على فشل إسرائيل في
ضرب والقضاء على المقاومة حتى اليوم، عدا عن
الخسائر الاقتصادية والمعنوية التي تلحق
بسلطات الاحتلال نتيجة تلك الصواريخ، فبحسب
صحيفة (معاريف) الإسرائيلية استناداً إلى
إحصائيات رسمية فإن أكثر من 100 محل تجاري
اغلقت ابوابها في سديروت بسبب العمليات التي
تقوم بها المقاومة فضلاً عن أن أكثر من ثلاثة
الاف اسرائيلي تركوا البلدة وتوجهوا للسكن في
البلدات الواقعة في المركز.
وتأتي تلك التصريحات الكاشفة عن المفاوضات
السرية وغير المباشرة بين سوريا وإسرائيل،
لتجب ما قبلها من مقولات صهيونية تستند إلى
المفهوم الأمني الإسرائيلي بضرورة التمسك
بالجولان باعتبارها موقعاً استراتيجياً لها،
مع إضفاء البعد الديني عليها وعلى كافة
المواقع والأراضي التي احتلتها عامي 1948
و1967 و ما بعد ذلك، لتسويغ صعوبة التخلي عنها،
وهي ذرائع ثبت زيفها بعدما انسحبت إسرائيل
سابقاً من سيناء في اطار المعاهدة المصرية -
الاسرائيلية عام 1979 رغم انها كانت قبل ذلك
تستبعد أي تفكير في هذا الاتجاه بزعم «المكانة
الدينية التي تحتلها سيناء عند الإسرائيليين»،
بما يدلل على أن المصالح هي التي تحرك إسرائيل
وليس الأساس الديني الذي تدعيه إسرائيل وتسوقه
من أجل تحقيق أهدافها السياسية الاحتلالية
الاستعمارية.
غير أن ثمة تساؤلاً يطرح في هذا المجال يدور
حول مدى جدية سلطات إسرائيل في المفاوضات مع
سوريا ومدى جديتها في الانسحاب من الجولان
مقابل السلام الشامل مع دمشق، في ظل معارضة
شديدة من داخل الكيان الاسرائيلي نفسه وهو
الامر الذي عبر عنه الليكود الذي رفض أي تخل
عن الجولان، ناعتاً اولمرت «بالتلاعب بالمزايا
الاستراتيجية التي حصلت عليها اسرائيل مقابل
ضمان بقائه شخصيا على الساحة السياسية، رغم
عدم وجود غالبية لمؤيدي الانسحاب من هضبة
الجولان في الكنيست او في الجمهور الإسرائيلي»
بحسب اعتقاد الليكود، الذي دعا كتلة شاس إلى
الانسحاب من الائتلاف الحكومي على الفور.
ولكن، رغم ضرورة الأخذ بالاعتبار الضغوط
المكثفة التي تمارس على دمشق لجهة الوضع
الداخلي في لبنان أو لجهة المقاومة والفصائل
الفلسطينية، فإنه من الضروري أيضاً أخذ المسار
التفاوضي الفلسطيني - الإسرائيلي المتعثر بعين
الاعتبار، فهو مسار يراوح مكانه منذ أن أعلن
رسمياً في مؤتمر أنابوليس الذي عقد في الثامن
والعشرين من شهر نوفمبر الماضي في الولايات
المتحدة الأمريكية عن انطلاق مفاوضات الوضع
النهائي المتعلقة بقضايا اللاجئين والقدس
والمستوطنات والحدود والأمن والمياه، في الوقت
الذي كانت فيه اسرائيل تصدر القرارات بشأن
بناء وتوسيع المزيد من المستوطنات في الاراضي
الفلسطينية المحتلة مما ادى إلى فشل التفاوض
اكثر من مرة، بينما تمارس عدوانها ضد الشعب
الفلسطيني بمزيد من الحصار والقتل والتنكيل
ومصادرة الاراضي وهدم المنازل دون أي التزام
بما جرى التوافق بشأنه في انابوليس خاصة فيما
يتعلق بتطبيق البند الأول من خطة خارطة الطريق
التي تنص على وقف الاستيطان، مما قلل، إن لم
يكن أنحى جانباً أية فرصة للتوصل إلى اتفاق
سلام بين الجانبين الفلسطيني - الإسرائيلي قبل
نهاية عام 2008 بخلاف ما توقع الرئيس الأمريكي
جورج بوش.
إن تجربة المسار التفاوضي الفلسطيني -
الإسرائيلي تدلل بوضوح على أن إسرائيل لا تريد
السلام ولا تسعى إليه، وما حديث أولمرت عن
إمكانية تقديم إسرائيل لتنازلات مقابل السلام
مع سوريا إلا اجترار لمتوالية لا تنفك إسرائيل
عن التشدق بها دون أن تترجمها عملياً على
الأرض، حيث أعقبت هذا الحديث مباشرة تصريحات
لوزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني
طالبت فيها سوريا «بأن تنأى بنفسها عن إيران
وتقطع العلاقات مع حزب الله اللبناني وحركة
حماس والتخلي عن دعم الإرهاب إذا أرادت السلام
مع إسرائيل»، وهنا تكمن المحاذير من الثمن
الذي قد تطالب به إسرائيل مقابل الانسحاب من
الجولان والذي قد يكون على حساب القضية
الفلسطينية.
لقد خصصت الصحف الإسرائيلية مؤخراً مساحات
واسعة منها للحديث عن المفاوضات غير المباشرة
بين الجانبين السوري والإسرائيلي، فترى صحيفة
هاآرتس الاسرائيلية أن هناك العديد من
الإشكالات التي قد تقف عقبة أمام تحقيق تقدم
في المسار «التسووي» بين الجانبين السوري
والإسرائيلي، ومنها الهوة والفجوة العميقة بين
الموقف السوري المطالب بانسحاب إسرائيلي إلى
خطوط الرابع من يونيو 1967 وبين إبداء إسرائيل
الاستعداد للانسحاب إلى الحدود الدولية، إلى
جانب قضية الجدول الزمني لإخلاء المستوطنات
ونزع السلاح والمياه وعلاقات سوريا مع إيران
وحزب الله والفصائل الفلسطينية التي تطالب
إسرائيل بالتزام سوريا المسبق بقطع تلك
العلاقات فيما تصر دمشق على وضع تلك المطالب
على طاولة البحث والتفاوض بالتزامن مع القضايا
الأخرى.
إن على سوريا الأخذ بالاعتبار تجربة المسار
التفاوضي الفلسطيني - الإسرائيلي المتعثر رغم
إصرار السلطة الوطنية الفلسطينية على
الاستمرار في التفاوض، خاصة في ظل تحذيرات
البعض من مخاطر توقيع سوريا على صلح منفرد مع
إسرائيل (يستبعد المسارين الفلسطيني واللبناني)
لما قد يفسر بأنه تخل عن القضية الفلسطينية
وإهدار لتاريخ حافل بالممانعة والصمود
والالتزام القومي المشرف، مقابل تصريحات قد
تكون مجرد مناورة القصد منها احراج سوريا
بأنها ليست ملتزمة بالقضية الفلسطينية.