الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

ظاهرة الجنوب
أمين محمد أمين

هذا الواقع المؤلم الذي تعيشه العديد من أوطاننا العربية من تهميش البعض للجنوب واستغلال القوي الداخلية والخارجية لهذا التهميش من أجل تحقيق مصالحها وتطبيقاً للمبدأ الاستعماري القديم «فرق تسد» ألا يدعونا ذلك الى التنبه لهذا الخطر الحاضر والقادم بالإسراع بتنمية الجنوب في مختلف المجالات والقضاء على بؤر ودعاوي الانفصال بالفكر العملي.
المتابع لخريطة العالم العربي من المحيط الى الخليج يجد أن ظاهرة سعي أهالي الجنوب للانفصال عن أشقائهم أبناء الشمال في الدولة الواحدة تتعدد وتتسع على الرغم من مجالات التطور والتنمية التي شملت العديد من الأقاليم العربية بشمالها وجنوبها .
ولكن المؤسف هو الإحساس الدائم لأهالي الجنوب بالظلم دائماً والإهمال من قبل الحكومات المركزية في الشمال والنتيجة شمال سعيد يستحوذ على كل اهتمامات الدولة المركزية وجنوب مهمل وهو ما أدي الى نشوء ظاهرة انفصال الشمال عن الجنوب والحالة الوحيدة في ظاهرة الانفصال بمبادرة من الشمال عن الجنوب كانت في انفصال الإقليم الشمالي سوريا عن الوحدة مع الإقليم الجنوبي مصر خلال فترة الوحدة القصيرة بين البلدين والتي تدخلت عوامل خارجية وداخلية من أجل إجهاضها وأن لا تكون نواة للوحدة العربية الكبري ومن يومها لم تنجح الدول العربية في إقامة الوحدة المنتظرة أو التجمع في إتحاد يجمعها أسوة بالتجمعات الكبري في العالم وآخرها الإتحاد الإفريقي ونحمد الله أن تجربة التعاون بين دول مجلس التعاون الست الخليجية نجحت وإستمرت لبدايتها السليمة بدعم التعاون الإقتصادي والإجتماعي والثقافي بعد تجنب الخلافات السياسية والتي نحمد الله أنها لم تكن موجودة أصلاً بين دول الخليج العربية التي نجحت بالحوار في إزالة أهم عقبات تحقيق التعاون بالترسيم السلمي للحدود بينها رغم ما تحتويه الأرض من ثروات معدنية وبترولية وغاز إلا أن حكمة قادة دول المجلس نجحت في تحقيق التعاون والتطلع الى التكامل بإذن الله في السنوات المقبلة .
وعلي عكس الصورة ظلت التجمعات العربية الاخرى محلك سر نتيجة الخلافات السياسية والحدودية والتي بدأت بالتجمع العربي الذي بدأ وانتهي بين مصر والأردن وسوريا والعراق وظل إتحاد المغرب العربي مجمداً لسنوات طويلة وتسعي فرنسا لإذابته مع إذابة الدول العربية المطلة على البحر المتوسط للمشاركة في الإتحاد المتوسطي الذي دعا إليه الرئيس الفرنسي ساركوزي وسيجتمع قادته في أول قمة لهم منتصف الشهر الحالي بمشاركة إسرائيل رغم عدم تحقيقها للسلام .
هذا الواقع لمحاولات التجمع العربي بين الأمل والإحباط يواجهها على أرض الواقع المحلي العربي العديد من محاولات الانفصال بين شمال وجنوب الدولة الواحدة .
ولعل أبرز صورة للانفصال هو ما شهدته الجمهورية اليمنية من حرب الانفصال بين صنعاء وعدن والتي أدت الى قيام دولتي اليمن الشمالي واليمن الجنوبي وفقدت اليمن العديد من أبنائها وخسرت الكثير في حرب الانفصال الى أن نجح الرئيس على عبد الله صالح في القضاء على الانفصال وتحقيق الوحدة من جديد بين شمال وجنوب اليمن السعيد ولكن الرياح لا تأتي بما تشتهيه السفن وتمر السنين وتبذل حكومة الوحدة العديد من الإصلاحات التنموية في مختلف المجالات لتحقيق التكامل بين الشمال والجنوب ولكن بقايا القادة السابقين للحزب الإشتراكي والعسكريين لا يريدون لمسيرة الوحدة اليمنية أن تستمر وسعوا خلال الفترة الأخيرة لاستغلال بعض الثغرات والأخطاء في توزيع الأراضي على المواطنين وأشاعوا أن أهالي الشمال استولوا على أراضي الجنوب وأن عدن محرومة من أغلب الخدمات ولا يتساوي أبنائها في الحقوق مع أبناء الشمال والنتيجة خروج المظاهرات للمطالبة بإعادة الانفصال بين شمال وجنوب اليمن من جديد!! .
هذا التحدي الذي تواجهه الحكومة اليمنية ما بين دعاوي الانفصال وبقايا تنظيم القاعدة وظاهرة الحوثيين في صعدة أثرت جميعها على مسيرة التنمية باليمن وأدت الى تصاعد الخلافات الداخلية التي استغلتها ودعمتها بعض القوي الإقليمية والدولية من أجل عدم استقرار اليمن السعيد .. وهو ما يجب أن يدركه أبناء اليمن بشماله وجنوبه وأن الانفصال خطر على الجميع .
ما يحدث في اليمن تجسد على أرض بلاد الرافدين بعد الغزو الأمريكي للعراق تم بث روح الفتنة بين أبنائه وإثارة القلاقل العرقية والمذهبية من أجل قتل قابيل لهابيل وتقسيم العراق الى 3 دويلات على الأقل وإن لم يكن أكثر دولة كردية شمالاً وشيعية جنوباً وبينها دويلة سنية في الوسط صغيرة الحجم مع فتح الباب أمام باقي طوائف ومذاهب العراق للصراع وإقامة دويلات مشابهة وبالطبع كانت بداية الانفصال الكردي عن الدولة العراقية ونجاحهم في الحصول على الحكم الذاتي ومطالبتهم بالقومية الكردية بعيداً عن القومية العربية للعراق الى جانب تعويضهم عن الظلم الذي وقع عليهم خلال حكم صدام حسين وإحساسهم بالظلم الجنوب مهمل من الشمال وهو نفس الشكوي التي يطالب بها أهالي الجنوب وشاركهم فيها بعد الغزو الأمريكي الشيعة من أبناء العراق مطالبين بالانفصال رغم سيطرتهم على الحكم في النظام الجديد ودعم قوات الغزو لهم الى جانب الدعم الإقليمي وانتقلت الظواهر الانفصالية للجنوب الى الصومال الحاضر الغائب منذ سنوات عن الواقع العربي والإقليمي والعالمي الجميع في صمت رهيب والصومال مهدد بالانفصال والأخطر باستمرار انهيار الدولة الصومالية ذات الإمكانيات والثروات الطبيعية الهائلة وغير المستغلة .
ومن الصومال الى جمهورية القمر المتحدة التي لم تعد متحدة بعد محاولات انفصال أكبر جزرها انجوان بالدعم الخارجي والتي نجحت أخيراً الجهود العربية والقوات الإفريقية في إعادتها الى أحضان الوطن ولكن يظل إحساس أهالي انجوان بعدم المساواة مع أهالي الجزر الاخرى عاملا أساسيا في تحقيق الانفصال إن لم تسعي الحكومة الى تحسين الأوضاع .
ومن جزر القمر الى الشقيقة لبنان التي لم تستقر بعد على ترسيخ اتفاق الدوحة بالولادة الصعبة للحكومة والتي تمثل نقط البداية للاستقرار رغم تعدد الاشتباكات بين المعارضة والمولاة في طرابلس بالجنوب الذي يسيطر عليه حزب الله ونحمد الله أن الخلافات السياسية لم تصل بعد الى المطالبة بانفصال جنوب لبنان عن شماله وهو ما تريده إسرائيل .
وفي الجزائر والمغرب محاولات الانفصال لا تختلف كثيراً لمطالبة مناطق القبائل الأمازيغية بالانفصال والحكم الذاتي الى جانب قضية الصحراء التي لم تحل بعد وأدت الى العديد من المشكلات بين الجزائر والمغرب .
هذا الواقع الانفصالي للجنوب تجسد بكل أسف على أرض الشقيقة السودان سلة غذاء العالم العربي والإفريقي والمهدد ليس بانفصال شماله عن جنوبه من جديد، ولكن بانفصالات متعددة بين شرقه وغربه عن الحكومة المركزية في الشمال بالعاصمة الخرطوم . ورغم عدم التوصل الى حلول عملية لأزمة دارفور واستمرار الخلافات والمعارك من أجل المياه ظاهرياً بين الرعاة والزراع إلا أن واقعها يشير الى الدعم الخارجي للقوي المحلية للخلاف من أجل ثروات نفطية ومعدنية متعددة بدارفور تدعم الخلافات من أجل السيطرة الخارجية عليها وإضعاف السودان الموحد . ورغم أن اتفاق السلام بين الشمال والجنوب ينص على إجراء استفتاء على الانفصال بين الجنوبيين بعد ثلاث سنوات في عام 2011 إلا أن قادة جنوب السودان أسرعوا الخطي لتحقيق الانفصال العملي قبيل إجراء الاستفتاء خصوصا بعد إقرار برلمان الجنوب منذ أيام إنشاء قوة جوية خاصة للجنوب منفصلة تماماً عن القوات الجوية السودانية وإقرار مشروع قانون يسمح للجنوبيين بتطوير قدراتهم العسكرية والسماح باستيراد السلاح الجنوبي مباشرة من أمريكا وهو ما يضع الكثير بل العديد من علامات الاستفهام حول مستقبل المنطقة الملتهبة الغنية بالنفط ومياه النيل والثروات المعدنية والطبيعية المتعددة في هذه المنطقة البكر الخام التي لم تستغل بعد بكل أسف خصوصا وأن هذه الخطوات وما سيتلوها من إجراءات خلال الفترة المقبلة تشير الى تحول جيش التحرير الشعبي الجنوبي بقيادة سلفاكير الى قوات جنوبية منفصلة تماماً عن الجيش السوداني الموحد وذلك في أولي خطوات التوحد نحو الانفصال وإعلان استقلال الجنوب والعالم العربي في صمت رهيب مما يحدث ولم تتحرك الحكومة المركزية في الخرطوم لإجهاض هذه المحاولات واكتفت بالإعلان عن مخاوفها من استمرار الجنوبيين في مساعي الانفصال وابتلعت طعم تصريحات بعض قادة الجنوب بأن القوات الجوية الجنوبية المقرر انشاؤها ليست موجهة الى الشمال ولكن لمقاومة هجمات حدودية مستمرة من متمردي جيش الرب الأوغندي الذي يخترق الحدود السودانية في الجنوب . رغم هذه المبررات إلا أن الواقع يشير الى الدور الخفي الذي تلعبه أمريكا في السودان وحثها الجنوبيين على سرعة تحويل الجيش الشعبي الذي كانت تعتبره من قوات التمرد حيث تقدمت أمريكا للجنوبيين بدعمه أمريكياً وتحويله الى جيش نظامي جنوبي وهو مخالف تماماً لاتفاق سلام «نيفاشا» بين الجنوب والشمال والذي وقع قبل ثلاث سنوات في عام 2005 ولا يعطي الحق للجنوبيين في تشكيل قوة جوية وإقامة جيش خاص بهم وبرر الجنوبيين ذلك بأن اتفاق »نيفاشا« نص على شرعية وجود ثلاثة جيوش نظامية هي جيش الشمال وجيش الجنوب والقوات المشتركة ومن حق الجيش الشعبي في الجنوب مثل أي قوات نظامية أن يكون له قوات برية وجوية وبحرية وذلك بالدعم الأمريكي الذي يستخدمه قادة الجنوب كورقة ضغط على الشمال من أجل تحقيق الانفصال إن عاجلاً أم آجلاً!! .
الخطورة أن هناك اعتقاد بين بعض قادة الجنوب بسعي الشمال الى عدم استقراره وأن الخرطوم تدعم جيش الرب الأوغندي وتمده بالسلاح من أجل عدم استقرار الجنوب واحتياجه الدائم للشمال .
أمام ذلك كان من الطبيعي البحث عن النفط والدور الذي يلعبه في دعم الاستقرار من عدمه خصوصا أن الطفرة النفطية المقبلة للسودان والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات في السنوات المقبلة وذلك على الرغم من أن حكومة الخرطوم التي بدأت إنتاج النفط منذ 9 سنوات في عام 1999 تربح سنوياً 500 مليون دولار قبل الطفرة الكبيرة في أسعار النفط ويصرف أكثر من 80٪ من عائدات النفط لشراء السلاح لاستخدامه في حروبها المتعددة بدارفور وغيرها ويعتبر السودان حالياً بإنتاجه المحدود سابع أكبر منتج للنفط في أفريقيا بعد نيجيريا وليبيا والجزائر وأنجولا ومصر وغينيا الاستوائية، وتشير التوقعات الى أن لدى السودان احتياطات نفطية كبيرة الى جانب مخزون هائل من الغاز الطبيعي ويمتلك ثالث أكبر ترسيب من اليورانيوم العالي النقاء ورابع أكبر ترسيب من النحاس وتعد الصين المستثمر الرئيسي للنفط في السودان وهو ما يزعج أمريكا ويدفعها لدعم الجنوب ويفسر السعي الأمريكي المستمر في مجلس الأمن لفرض عقوبات دولية على السودان وفرض الحظر على الصادرات النفطية والعقوبات على الشركات المتعاملة معه من أجل البحث عن موضع قدم نفطي للشركات الأمريكية بالسودان .
هذا الواقع الذي تعيشه دولة عربية ذات إمكانيات هائلة غير مستغلة نحمد الله أن العديد من الدول العربية اتجهت إليها مؤخراً بحثاً عن توفير غذائها في مواجهة أزمة الغذاء العالمي بعد اتجاه الدول الكبري الى استخراج وقودها الحيوي من المحاصيل الزراعية .
هذا الدعم العربي والمصلحة المشتركة لابد أن تدفع أهالي الجنوب قبيل الشمال الى المحافظة على السودان موحداً خصوصا وأن الجنوب قام بتشكيل حكومة للحكم الذاتي بعد التوصل لاتفاق سلام مع الشمال في عام 2005 وهو الاتفاق الذي أنهي أطول حرب أهلية بالقارة الإفريقية فقد خلالها السودان أكثر من مليوني قتيل الى جانب ملايين الجرحى والعجزة والأرامل والأطفال المشردين وذلك في الصراع الذي استمر على مدى خمسة عقود من الزمان .
ومن المتوقع إجراء انتخابات تشمل جميع الأراضي السودانية خلال العام المقبل 2009 بموجب اتفاق سلام «نيفاشا» على أن يليه تنظيم استفتاء شامل بعد ثلاثة أعوام في 2011 لتحديد ما إذا كان سكان جنوب السودان يرغبون في الانفصال عن شماله أم البقاء ضمن سيادته.
هذا الواقع المؤلم الذي تعيشه العديد من أوطاننا العربية من تهميش البعض للجنوب واستغلال القوي الداخلية والخارجية لهذا التهميش من أجل تحقيق مصالحها وتطبيقاً للمبدأ الاستعماري القديم «فرق تسد» ألا يدعونا ذلك الى التنبه لهذا الخطر الحاضر والقادم بالإسراع بتنمية الجنوب في مختلف المجالات والقضاء على بؤر ودعاوي الانفصال بالفكر العملي، وفي هذا المجال تستحضرني منذ سنوات الزيارات الميدانية التي يقوم بها سنوياً صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مصطحبا جلالته جميع الوزراء وكبار المسئولين في زيارته العملية لولايات السلطنة والاستماع عن قرب لمطالب المواطنين واتخاذ القرارات الفورية كلها في ديمقراطية فريدة وعملية لحاكم عربي. وفي كل عام تقام احتفالات السلطنة بعيدها الوطني بالتتابع بين الولايات وتعمل خلالها جميع أجهزة السلطنة من أجل دعم جميع الخدمات بالولايات وبهذا الأسلوب والمتابعة الصادقة وعدالة التوزيع تكاملت مسيرة التنمية بجميع ولايات السلطنة وهذا النموذج العماني هو دعوة للجميع للمحافظة على وحدة بلادنا العربية إذا كنا نريد بحق إحباط المحاولات الخارجية لاستغلال الثغرات من أجل دعم محاولات انفصال الجنوب وهو ما يدعو الى أن يكون مائدة للحوار في بيت العرب الجامعة العربية بين كبار المسؤولين لإلقاء الضوء على ما يحدث في عالمنا العربي من محاولات انفصال حتى لا نفاجأ بزيادة أعداد الدول العربية في الجامعة العربية الى أكثر من 60 دويلة بعد انفصال الجنوب عن الشمال والغرب عن الشرق في الدولة الواحدة عن الدولة الأم . وأمام ذلك هل نستمر في الصمت أم لابد من التحرك؟ .

  رجوع