الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

رابطة غير مرغوب فيها
توماس كاروثرز - واشنطن بوست


(الكاتب نائب رئيس الدراسات بمعهد كارنيجي للسلام العالمي ومشرف على برنامج الديمقراطية وحكم القانون بالمعهد)
ترجمة قاسم مكي

أحد ألغاز العولمة يتمثل في نزوع واشنطن رغم النمو المدهش للاتصالات وتدفق المعلومات إلى العيش في كبسولة والنظر إلى العالم عبر عدساتها هى وممارسة الاحساس بالدهشة وخيبة الأمل لعدم تطابق العالم مع التوقعات الامريكية. ان سياسة الرئيس بوش الخارجية تشكل موضوعا لدراسة مفهوم الكبسولة. فهي سياسة موسومة بالاخفاق المستمر في فرض الافكار المصنوعة في الولايات المتحدة على واقع خارجي منفلت. ثمة سؤال رئيسي سيواجه الادارة القادمة وهو هل بإمكان واشنطن الخروج من الكبسولة وربط الولايات المتحدة على نحو فعال بالعالم؟ وفي هذا الجانب فإن التصريحات والمجادلات التي دارت حتى الآن حول السياسة الخارجية في الحملة الرئاسية لا تثير الاطمئنان على وجه الخصوص. ان احد أبرز المقترحات والمتمثل في الدعوات التي اطلقها الخبراء من كلا جانبي السياسة الداخلية ومن السيناتور جون ماكين لتأسيس عصبة او جامعة او رابطة للديمقراطيات (انظمة الحكم او البلدان الديمقراطية) للتصدى لمشاكل العالم لهو مثال على استمرار التفكير داخل الكبسولة. ان احدى النتائج الجانبية القاسية لسياسات بوش في الخارج تتمثل في افساد الترويج للديمقراطية. فالاساءة للمساجين والمعتقلين في المؤسسات التي تديرها الولايات المتحدة في العراق وافغانستان وخليج جوانتانامو واماكن اخرى قوضت من مكانة امريكا كمدافعة عن حقوق الانسان. والربط الثابت والمستمر بين الترويج للديمقراطية والتدخل في العراق وسياسات تغيير الانظمة الاخرى لوثت اصل الفكرة في عيون العديد من الناس حول العالم.
وكنتيجة لذلك فإن آخر شيء يطلبه الناس في البلدان الاخرى من الإدارة القادمة هو مبادرة ذات ضجيج تربط الترويج للديمقراطية بالاجندة الدولية لا من الولايات المتحدة. ان الغياب الكامل تقريبا لأية استجابات من خارج الولايات المتحدة للدعوات المطالبة بتكوين الرابطة يؤكد على هذه الحقيقة.
ان فكرة رابطة الانظمة الديمقراطية ترتكز على الاعتقاد بأن هذه الانظمة لانها كذلك لها مصالح ورؤى مشتركة إلى الحد الذي يمكنها من التعامل في انسجام مع القضايا الدولية. ولكن معظم البلدان لا تبني سياساتها الخارجية اساسا على توجهات انظمتها السياسية. بل ان تصرفاتها تعكس اثر تشكيلة من العوامل المتنوعة تشمل الهوية الاقليمية والحاجات الاقتصادية والتقاليد التاريخية والنظرة الدينية.
ينتج عن هذا ان الانظمة يمكنها الا تتفق بل هي لاتتفق فعلا على نحو جدي حول مسائل اساسية. فالولايات المتحدة لا تواجه مقاومة في الأمم المتحدة لمبادراتها فقط من الدول غير الديمقراطية مثل روسيا والصين. بل ان معظم الدول الديمقراطية الرئيسية في العالم النامي مثل الارجنتين والبرازيل والهند والمكسيك وجنوب افريقيا تختلف اختلافا عميقا مع الولايات المتحدة، على سبيل المثال، حول مسألة سياسة التدخل وايضا السياسة التجارية والحرب على الارهاب والكثير من المسائل الاخرى. ان محاولة ربط هذه الدول مع بعضها البعض في رابطة مع الولايات المتحدة لاتغير من ذلك الاختلاف.
ومن جهة أخرى فإن استثناء هذه الدول من الرابطة سيجعل منها مؤسسة جوفاء ومنافقة. أيضا، اذا اسعفت الذاكرة، أليست أوطد الديمقراطيات الاوروبية بنيانا تلك هي التي عارضت الولايات المتحدة في شأن العراق؟ هل سيتم التخلي عن هذه الدول ايضا لمصلحة رابطة مذعنة سرعان ما تندفع إلى تأييد التدخلات الامريكية في المستقبل؟ اضف إلى ذلك ان الدول التي لا تعتمد انظمة مشابهة لنا هي دول داخلة معنا في شراكة قيمة وثمينة حول العديد من القضايا الضاغطة. لقد أشرفت قطر على مفاوضات لبنان الاخيرة.
ومصر تتوسط في محادثات مهمة بين الجانبين الفلسطينيين المتصادمين. وسيكون دور روسيا حاسما في أي حل لقضية ايران النووية. والصين مفتاح لاحراز أي تقدم في بورما. كيف يمكن لمؤسسة دولية جديدة تهدف إلى تعزيز ورعاية السلم والأمن العالميين ان تستفيد من خلال اقصاء كل هذه الدول.
ونادرا ما يذكر مناصرو الرابطة جماعة الديمقراطيات التي اوجدتها الولايات المتحدة في عام 2000 رغم انها تتماثل كثيرا مع الرابطة المقترحة. انهم لا يتحدثون عنها( اي عن الجماعة) لأنها شكلت خيبة أمل كبيرة، ولم ينتج عنها شيء سوى كثرة الكلام.
وسجلها الضعيف لم يكن كما افترض بعضهم يعود إلى ضم انظمة اوتوقراطية قليلة اليها. بل ان هذا السجل يعكس واقع ان معظم الأنظمة الديمقراطية غير راغبة في السير خلف الولايات المتحدة في تحدي السيادة الوطنية من اجل دفع الديمقراطية إلى الامام. ان الادارة القادمة تحتاج حقا إلى اعادة تدشين الترويج للديمقراطية الامريكية وبناء شرعية التصرفات الامريكية الدولية عموما. ولكن عليها ان تفعل ذلك بالخروج من كبسولة واشنطن.
وهذا يستلزم الانصات باهتمام للآخرين والنظر إلى العالم كما هو في الواقع. وإذا فعلت الادارة الامريكية القادمة ذلك فإنها لن تجد لديها اية شهية في تشكيل مؤسسة عظمى جديدة بقيادة الولايات المتحدة تعمل تحت عباءة ايديولوجية.
ولكنها بدلا عن ذلك ستجد العالم منتظرا كي تصحح الولايات المتحدة خروقاتها للقانون وتعيد ما اهدرته من حقوق إلى اصحابها وأيضا للسعي في الترويج للديمقراطية كوسيلة لتعزيز المبدأ وليس لبسط نفوذ الولايات المتحدة ولإيجاد شراكات واتفاقات ومفاوضات على أساس تقاسم المصالح مع كل البلدان الساعية إلى التقدم للأمام في الأمور الدولية ذات الاهتمام المشترك.

قسم الترجمة - عُمان

  رجوع