البحر.. ما زال يبوح بأسراره «5»
«الشكّات» .. مصدر قلق وخطورة!

تحقيق وتصوير: أحمد بن عبدالله الحسني
الأسماك.. ثروة قابلة للتجدد والاستمرار اذا تم استغلالها بالطرق المثلى وهي ثروة قابلة للنضوب ‏والفناء اذا تم اساءة استغلالها وهي تعتمد على معدل تكاثرها لضمان بقائها واستمرارها، وديننا ‏الحنيف يحض على عدم الإسراف في جميع الأحوال واستغلال القدر الكافي وذلك لضمان استمرارية ‏المورد ولينتفع منه الآخرون من الأجيال اللاحقة، وفي الآونة الاخيرة تزايدت ظاهرة صيد الأسماك ‏باستعمال الخيوط الطويلة من النايلون والمسماة محليا بـ(الشكّات) من قبل بعض الصيادين ‏الحرفيين، فهناك مئات الامتار من خيوط النايلون (متشربكة)، مع عشرات، إن لم نقل الآلاف، من ‏الصنارات القاتلة، نجدها ملقية على الشواطئ، وربما هناك مئات الامتار داخل قيعان البحار، وربما ‏لعبت دورا في تدمير الاحياء والكائنات البحرية هناك، وخيوط متبعثرة في السواحل والشواطئ، ‏وبجانب استراحات الصيادين، وأصبحت مصدر قلق للصيادين بسبب نفوق العديد من الأسماك ‏واختفائها، ولهواة البحر ومرتادي الشواطئ.
‏إن ضمان استمرار التوازن في النظام البيئي للموارد السمكية بالنظم الطبيعية يرتبط باستغلال الإنسان ‏لهذه الموارد وتسخيرها لخدمته، فإذا حدث خلل ما في هذا التوازن من خلال الاستغلال غير المنظم ‏للموارد فإن كارثة الانهيار لهذه الموارد تأتي بشكل يؤدي إلى انقراض أو زوال هذا النظام بأكمله، ‏وعلى طول امتداد السواحل العمانية نجد الصياد العماني يسعى في الحصول على رزقه، ولكن توجد ‏هناك فئات من الصيادين الحرفيين غير مدركين بأهمية المحافظة على هذا المورد الحيوي الهام ‏باستخدامهم لوسائل الصيد الجائرة غير المسموح استخدامها والتي تؤدي إلى استنزاف مواردنا ‏السمكية. ومن هذا المنطلق فإننا نجد ان هذه الفئات لا تتورع في الإسراف في إهدار الثروة البحرية ‏وذلك بمخالفتهم للقوانين والأنظمة التي من شأنها أن تساعد في الحفاظ على هذه الثروات، فنجد أن ‏بعض الصيادين يخلقون الكثير من المشاكل مما ينجم عنها ضياع الثروات ومنها تتأثر أرزاق ‏الصيادين الآخرين. إن إدراك الصياد والعامل في قطاع الصيد بأهمية الالتزام بقانون الصيد البحري ‏وتوعيتهم بأهمية حماية هذه الثروة وحسن استغلالها من شأنه أن يساعد في تنمية الوعي لدى ‏المستفيدين من هذا القطاع. وتسعى وزارة الثروة السمكية إلى توعية الصيادين والعاملين في قطاع ‏الصيد بأهمية الصيد الرشيد في الحفاظ على ديمومة الموارد السمكية، وتوضيح الأضرار التي ‏تسببها بعض طرق الصيد التقليدية المخالفة للقوانين، ‏‎و‎حث الصيادين على استخدام معدات صيد أكثر ‏انتقائية وتوضيح التأثر الكبير الذي يؤدي إلى ضعف جودة الأسماك المصطادة بواسطة الشباك، ‏وتوعية الصيادين بأهمية المحافظة على المخزون، وإظهار أبعاد المشكلة ومدى فداحتها وتأثيرها ‏على الصيادين أنفسهم.‏

التنافس على المصايد

إن تزايد عدد المنخرطين الحرفيين في القطاع السمكي صاحبه تزايد في التنافس والتزاحم على ‏المصايد السمكية بالإضافة إلى عدم إلمام معظمهم بقوانين الصيد البحري وعدم التزامهم بالأعراف ‏والسنن المحلية المتبعة مما نتج عنه استغلال سيئ لهذا المورد الحيوي وأصبحت عملية الصيد تتم ‏بطريقة عشوائية وجائرة، إن صح التعبير عنها، بعدما امتدت أيدي العبث إليها وباتت المصايد ‏السمكية عرضة للاستنزاف والاستغلال السيء، وبالإضافة لما للصيد الجائر من آثار سلبية من ‏الناحية البيولوجية كاستنزاف المخزون والتي ربما تؤدي إلى انقراض بعض الأنواع، فإن له آثارا ‏سلبية أخرى اقتصادية واجتماعية وبيئية. فالصيد الجائر يخلف آثارا اقتصادية واجتماعية عن طريق ‏فقد كميات كبيرة من الأسماك دون أن تستغل بشكل يعود بالنفع على الصياد مما يؤدي إلى حرمان ‏أهالي المنطقة من مصدر رزقهم الوحيد، كما إن للصيد الجائر آثارا بيئية سلبية كون الكميات ‏غير المستغلة يتم التخلص منها برميها في البحر أو على الشواطئ وفي كلتا الحالتين فإن النتيجة ‏التي لا جدال عليها التلوث الذي بدوره يتسبب في هروب الأسماك من المصايد بالإضافة إلى تشويه ‏البيئة الساحلية مخلفة وراءها تأثيرا سلبيا على الحركة السياحية، وفي كثير من الأحيان يتم التخلص ‏من الشباك المحملة بكميات الأسماك في البحر مما يجعلها مقبرة عائمة تستمر في الصيد دون أن ‏تتحلل بسبب طبيعة المادة المصنوعة منها. إن قضية الحفاظ على ثرواتنا البحرية ليست قضية فردية ‏ولكنها تقع على عاتق المجتمع الذي يؤثر ويتأثر بالبيئة المحيطة به بحيث يكون رادعا وبحزم لكل ‏من يحاول أن يعبث بهذه الثروات ولا يجب أن ننسى أنها ثروات قابلة للنضوب والفناء إذا استغلت ‏استغلالا سيئا وإن مسؤولية بقائها واستمرارها مسؤولية جماعية.‏

‏(الشكّات).. مصدر قلق

يستخدم الحرفيون العديد من الاساليب المختلفة في صيد الأسماك، وقد توارثوها عن اجدادهم، ‏وأصبحت بعض الطرق معقدة وخطرة، وفي الوقت الحالي فان بعضها أصبحت مصدر قلق للصيادين ‏والسكان ومرتادي البحر والشواطئ، وطرق صيد الأسماك بخيط النايلون الطويل والمسماة محليا ‏بـ(الشكّات)، وهذه الطريقة تستخدم للأسماك السطحية والقاعية، حيث تترك في البحر مع توثيقها ‏بمادة حديدية ويضع لها علامة من الفلين للتعرف عليها، وقد يصل عدد الصنّارات فيها إلى 500 أو ‏‏1000 صنارة وهي طريقة فعالة ويستخدم فيها الطعم على حسب الانواع المراد اصطيادها من ‏الأسماك، وبما ان مثل هذه الطريقة التقليدية في صيد الأسماك والتي تتطلب الخبرة الكافية تلافيا ‏للأخطار المحدقة التي تحيط بالانسان والبيئة، فإن المشاكل الحقيقية بدأت تظهر على الشواطئ، ‏وربما وصلت إلى الكائنات البحرية، واصبحت الشعاب المرجانية يحيق بها خطر محدق بسبب تلك ‏الخيوط والتي تحتوي على الآلاف من الصنارات القاتلة، وبما ان وزارة الثروة السمكية رأت ان هذه ‏العملية هي الانسب في صيد الأسماك، وحثّت الصيادين على استخدامها، فإن هناك العديد من المشاكل ‏بدأت تظهر على السطح، حيث اصبحت الحديث بين الصيادين، فمنهم المؤيد لهذه الفكرة، ومنهم من ‏يرى انها تضر ببعض الصيادين والشعاب المرجانية وتشكل خطورة على بعض الأسماك ومرتادي ‏البحر والشواطئ، ومن خلال جولة (عمان) في بعض شواطئ محافظة مسقط التقت بالعديد من ‏الصيادين للتعرف عن اسلوب الصيد بالشكّات، والمشاكل التي تسببها، حيث يقول مبارك بن ‏عبدالله الدغيشي: في الحقيقة ان صيد الأسماك بطريقة (الشكات) اصبحت عند البعض ممتعة بالرغم ‏من خطورتها، ولكنها اصبحت في الوقت نفسه، وعند البعض، مصدر قلق بسبب اصطياد كميات ‏عديدة وبمختلف الاحجام، مما يسبب ذلك في هدر للثروة السمكية، وايضا اصبحت من الظواهر ‏المقلقة التي بدأت تظهر على العيان، حيث ان الادوات المستخدمة في (الشكّات) تعتبر اغلبها مضرة ‏بالبيئة البحرية والشاطئية، وأصبحت مصدر قلق لهواة البحر والصيادين والمتجولين، وايضا هواة ‏الغوص، حيث يصل طول الخيط الواحد إلى عشرات المئات من الامتار، وايضا احتوائها على العديد ‏من الصنارات التي تشكل خطورة قاتلة والتي يقدر عددها بـ900 صنارة في كل خيط، ومعظم ‏الخيوط المستخدمة والصنارات أصبحت تقبع وتتشربك بالكائنات البحرية مثل الشعاب المرجانية ‏وغيرها، وأصبح ايضا هناك استنزاف في الأسماك، ونحن بدورنا كصيادين لا نمانع في الصيد بهذه ‏الطريقة ولكن لا بد ان تكون هناك قوانين ومراقبة لبعض الشباب الحرفيين والذين أصبحوا الفئة ‏الاكثر انتشارا في استخدام هذا الاسلوب التقليدي في صيد الأسماك.‏

خطورة قاتلة

ويقول محفوظ بن سالم الدغيشي: إن صيد الأسماك بالطريقة التقليدية والمسماة بـ(الشكّات) اصبح ‏يتطلب خبرة كافية في استخدام مثل هذا النوع من الخيوط والتي يحتوي على الآلاف من الصنارات ‏القاتلة، وقد سمعنا عن عدة حوادث حول اصابة العديد من الصيادين الحرفيين بالشلل وبعض قضى ‏نحبه من جراء تلك الصنارات، وفي الوقت الحالي نجد العديد من الشباب الحرفيين يستخدمون صيد ‏الأسماك بـ(الشكّات)، حيث أصبح من الطرق التي تدر دخلا مناسبا للصيادين، وقد سمحت الوزارة ‏للحرفيين بالصيد بهذه الطريقة، ولكن البعض يجد ان الصيد بهذه الطريقة ربما يشكل خطورة للانسان ‏والبيئة البحرية بشكل عام، حيث ان معظم هذه الخيوط غالبا ما تنقطع وتبقى قابعة تحت البحر مما ‏يسمح لها بتدمير مختلف الشعاب المرجانية، وبعض هذه الخيوط تصل إلى الشواطئ مع صناراتها ‏وبعضها يكون مدفونا تحت التراب مما تشكل الخطورة الكامنة لمرتادي الشواطئ.‏
ويقول عبدالله بن تعيب الدغيشي قائلا: ان ترك (الشكّات) في عرض البحر تشكل خطورة لمرتادي ‏البحر، واغلب مستخدمي هذه الطريقة في الوقت الحالي هم من الشباب، فلا ندري هل هذه الطريقة ‏تؤثر على بقية الصيادين ام ان وزارة الثروة السمكية قد سمحت بها؟، ويشاركه ناصر بن راشد ‏الدغيشي قائلا: في الحقيقة ان الشباب الحرفيين أصبحوا اليوم يوجدون عدة طرق في الصيد، ليس ‏همهم الا اصطياد الأسماك وبأي ثمن، ضاربين بكل القوانين واللوائح عرض الحائط، ونجد في ‏الوقت الحالي العديد من الحرفيين يستخدمون (الشكّات) في اصطياد الأسماك، وكما يقول البعض انها ‏لا تؤثر على الأسماك، ولكن ربما ان خطورتها على البيئة البحرية اكبر من ذلك، حيث ان بعضها ‏يلتوي في الشعاب المرجانية، وبعد فترة تقذف بها التيارات إلى الشواطئ حيث تشكل خطورة على ‏المرتادين، ويقوم العديد من الصيادين بتجهيز (الشكات) بجانب قواربهم، حيث يقوم البعض بقطع ‏الصنارات القديمة واستبدالها بجديدة، وقد تجدها في بعض الاحيان متناثرة وهذه ايضا تشكل خطورة ‏على مرتادين الشواطئ، نحن نطالب وزارة الثروة السمكية بتتبع الموضوع من الصيادين، وارشادهم ‏حول كيفية استخدام هذه الشكات بالطرق السليمة.‏