إن التواضع من الأخلاق
الشريفة الفاضلة التي أمر الإسلام بالاتصاف بها فقد قال
الله تعالى: (وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ
تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا).
إن مشية المرح التي نهت عنها الآية الكريمة هي مشية
الخيلاء والبطر والأشر والتبختر والفرح بالدنيا ومقتنياتها
من المال والجاه والقوة والولد، وهي مشية الجبارين؛ ولذلك
عقب عليها عزوجل بما يعد تهكما وسخرية بصاحبها المتكبر
الذي يعد كل شيء أحقر منه (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ
وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا)، منبها إلى أنه مهما
شدد وطأته على الأرض فلن يخرقها، ومهما تطاول بقامته
تعاظما فلن يبلغ الجبال طولا، وهو في كل الأحوال عبد ذليل
محاط به من تحته ومن فوقه، والمحاط محصور ضعيف، بل قد يعجل
الله له في الدنيا بعض جزاء استكباره،فقد ورد في التنزيل
عن قارون بني إسرائيل وقد خرج على قومه في زينته (فَخَسَفْنَا
بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ
يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُنْتَصِرِينَ).
إن جزاء المتكبر العذاب الشديد يوم القيامة قال تعالى (فَادْخُلُوا
أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَبِّرِينَ)، ذلك أن الكبر مرض نفسي وخلل سلوكي
يبدأ صغيرا لا يؤبه به، ثم ينمو ويتضخم إلى أن يتحول فتنة
عمياء ووباء اجتماعيا يمزق الأمة ويفرقها شيعا متناحرة
وطبقات متنافرة.
وقد ورد التحذير من الكبر منثورا في ثنايا سور القرآن
الكريم والتوجيهات النبوية الرشيدة، فقال عز وجل:
(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي
الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا
يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا
يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ
يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا
بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) وأيضا
(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ
هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا
سَلاماً) وأيضا (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا
تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ
كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور).
وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ
كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ )،
وعندما سئل صلى الله عليه وسلم عن الكبر عرفه بقوله:
(الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ). وبطر الحق
هو رفضه والتنكر له ومعارضته، كما أن غمط الناس إنكار
قدرهم وتسفيه ما لديهم من رأي أو عقل أو علم وحكمة.
من هذا التعريف النبوي للكبر يتجلى لنا بوضوح تام معنى
الخلق المقابل له، وهو التواضع. كما أن قوله تعالى
(أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى
الْكَافِرِين) يبين وسطية ايجاد التواضع بين الكبر وبين
الهوان والذلة.
إن التواضع خلق مرجو النفع في الدنيا والآخرة، يقوي الثقة
بين الناس، ويشعرهم بحقوقهم نحو بعضهم، ويشيع في جموعهم
روح الألفة والمودة والتعاون؛ وهو فوق ذلك وصية الرب
سبحانه لخلقه، وباب جنته، وسبيل طاعته، به تتحقق العبادة
الصادقة والثبات على الحق، كما أن به يتحصن المرء من
المعاصي؛ لأن موردها جميعا خلق التكبر والتعالي وعبادة
النفس والهوى، كما هو شأن أول معصية ارتكبت في الملأ
الأعلى إذ رفض إبليس -لعنه الله– أمر السجود لآدم تكبرا
واستعلاء (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ
نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين)، فكان عاقبة أمره أن طرد من
رحمة الله (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ).
وما ترك امرؤ التواضع وترفع على من هو دونه إلا ابتلي
بالذلة لمن فوقه، وما استطال على الضعفاء إلا تصاغر أمام
الأقوياء، ناهيك عما في الكبر من خطيئة وظلم؛ لأنه منازعة
لله تعالى في صفاته، إذ الكبرياء والعظمة له وحده، وفي
الحديث القدسي الذي رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن رب
العزة يقول تعالى: (الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ
إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ
فِي النَّارِ).
لقد كانت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية
تحريضا دائما مستمرا على التمسك بخلق التواضع، فيقول عليه
الصلاة والسلام: (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا
زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلا عِزًّا وَمَا
تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ).
أما سنته العملية صلى الله عليه وسلم فقد كانت خير قدوة
وأنصع أسوة: فقد نَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ
فِي جَنْبِهِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ
اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً فَقَالَ: مَا لِي وَمَا
لِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلا كَرَاكِبٍ
اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَه).
إن التواضع سجية تجعل المرء في مورد الطاعة الدائمة مع ربه
ومع نفسه ومع والديه ومع الناس جميعا.
فالتواضع لله تعالى ألا تغيب عن المرء وحدانية الله وقدرته
وعظمته وجلاله وحقه في الطاعة والامتثال لأوامره ونواهيه،
وألا ينسى المرء ضعفه ومحدوديته والحكمة من وجوده ومآل
أمره في الدنيا والآخرة، فيورثه هذا الشعور خشوعا لله
وخضوعا، واجتهادا في التعبد وحسن الخلق.