ليس من المصادفة في شيء القول بأن الدول
العربية تمر في هذه المرحلة بظروف وتطورات
شديدة الأهمية والتأثير في حاضرها ومستقبلها
كذلك، ليس فقط لأن هذه التطورات تترك آثارها
ونتائجها المباشرة وغير المباشرة على كل
الاوضاع العربية الراهنة، ولكن ايضا لأن هذه
الآثار والنتائج تمتد احيانا الى قناعات وأسس
ظلت راسخة على امتداد سنوات طويلة في التفكير
والعقل العربي، وهو ما يشكل خطورة حقيقية من
المهم والضروري الانتباه اليها .
وفي هذا الاطار فإنه من المؤكد انه ليس من
المصادفة في شيء ان تجد الدول العربية، او
عددا غير قليل منها، معرضا لتحديات وتهديدات
ومخاطر تجاوزت الاحتمالات لتتحول الى واقع
وممارسات صارخة لا يمكن الوقوف امامها مكتوفي
الايدي او مكتفين بالتنديد تارة والاستنكار
تارة اخرى .
ففي الوقت الذي تثير فيه الخلافات بين حركتي
فتح وحماس الفلسطينيتين الكثير من الصعوبات
والمشكلات، بل والتهديدات بالنسبة لما بذل
ويبذل من أجله الشعب الفلسطيني جهودا مضنية
لاستعادة حقوقه الوطنية المشروعة، فإن الاوضاع
الجارية على الساحة العراقية، وما يمر به
الشعب العراقي على امتداد السنوات الخمس
الماضية تحتم هي الاخرى أهمية وضرورة استجماع
كل القوى والجهود العراقية المخلصة من أجل
إتاحة الفرصة للحفاظ على وحدة العراق وتماسكه
والسير به نحو النهوض مرة أخرى واستعادة
السلام والاستقرار في ربوع ارض الرافدين.
وبينما تواجه الصومال حالة من التفكك
والانقسام ومايصاحب ذلك من انقسامات بين القوى
الصومالية المختلفة، وهو ماأثر بشدة على الأمن
والاستقرار وكافة مناحي الحياة في الصومال،
فإن محاولة حركة العدل والمساواة المعارضة في
دارفور إثارة الاضطراب، ومهاجمة بعض ضواحي أم
درمان قبل يومين، يمثل محاولة مكشوفة لعرقلة
مساعي الحكومة السودانية للتغلب على التحديات
التى يمر بها السودان الشقيق، والتي لم تدخر
القيادة والحكومة السودانية، على امتداد
السنوات الاخيرة، اية جهود او تضحيات من أجل
الحفاظ على وحدة وتماسك السودان دولة وارضا
ومجتمعا.
ومع الوضع في الاعتبار نجاح الحكومة السودانية
في التغلب على ما حاول المتمردون إثارته، وما
أبدته القوات السودانية من قدرة على احتواء
التمرد من ناحية، واتجاه الاوضاع على الساحة
اللبنانية الى الهدوء والانفراج النسبي من
ناحية ثانية، خاصة بعد تشكيل اللجنة الوزارية
العربية برئاسة قطر ومشاركة السلطنة في
عضويتها، و قيام الجيش اللبناني بجهود طيبة
لوقف المصادمات واستعادة الهدوء في بيروت
وغيرها، فإنه يمكن القول بأن هذه الاوضاع
المشار اليها بوجه خاص، وما يجري على امتداد
الساحة العربية من تحركات بوجه عام تفرض ضرورة
استعادة التضامن العربي وحشد طاقات كل الاطراف
العربية من أجل احتواء التدهور، ووقف المخاطر
ومحاصرة التهديدات التي تواجه هذه الدولة
العربية او تلك. سواء كان ذلك بشكل مباشر او
غير مباشر.
ولعل ما يجعل ذلك الامر اكثر إلحاحا، ربما
اكثر من اي وقت مضى، ان أي تهديد او خطر، او
اضطراب تتعرض لها احدى الدول العربية يؤثر
بالضرورة على الاوضاع العربية جميعها، وعلى
القضايا العربية ككل في النهاية. ولذا فإن
التضامن والتماسك بين الاشقاء وتجاوز الخلافات
فيما بينها يصب في مصلحتها جميعها. ولكن هل
تبذل جهود كافية لتحقيق ذلك بشكل حقيقي؟.