عندما أثير عبر
وسائل الإعلام المختلفة خبر قدوم الإعصار
العام الماضي، لم يحرك هذا الخبر ــــ في نفوس
الكثير من المواطنين، والمقيمين ــــ على
الرغم من أهميته، ذلك المخاض الذي يزلزل
المشاعر، ويفقد النفس توازنها، إن جاز التعبير،
وإنما تعامل هؤلاء «الكثر» معه تعاملا بسيطا،
وفي قرارة النفس، عارضة جوية وستزول.
بينما اختلف الأمر، لما أثير قبل اشهر قليلة
تكرار مثل هذا الحدث، وأصبحت المسألة حديث
الناس في كل مرتع، وكانت هناك بلبلة حقيقة لا
تزال آثارها حتى اليوم، فلا يزال هناك من يحدث
نفسه، انه غير مستبعد تكرار الحدث في نفس
الوقت، وكأن الأمر موكول حدوثه على تخمينات
الناس، وعلى ترويج الشائعات، ضاربين عرض
الحائط بالوسائل العلمية الحديثة، التي
استطاعت أن تحضر لهم المعلومة الصادقة إبان
حدوث الأمر في حينه العام الماضي.
هذا الهلع المستشري في نفوس الناس يبدو انه
مرض نفسي يحتاج الكثير منهم إلى الجلوس أمام
طبيب نفسي للعلاج منه، وهذا العلاج لن يستكمل
أركانه إلا الوعي المتزن في كيفية التعامل مع
المحن، وفي كيفية شحن الذات بمجموعة من
القناعات الذاتية التي تستحضر دائما المعنى «
ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن
ليصيبنا»، وهي قناعات ليس من اليسير تفعيلها
في النفس، وان تمكن البعض، فهناك الكثير ممن
يحتاجون إلى وقت طويل حتى يستوعبوا هذا الأمر،
في الوقت نفسه هذا لا يلغي الأخذ بالأسباب،
فهذا أمر من الدين بالضرورة.
أقول هذا الكلام، وأنا أشاهد - كما يشاهد غيري
- الهلع الشديد في الناس، خاصة في خوفهم من
فقدان مادة الأرز الغذائية، فهناك اليوم من
يكدس عبوات الأرز في منزله، حيث تصل إلى
العشرات من هذه العبوات، وقد يكون هذا التهافت
على شراء الأرز بهذه الطريقة من الأسباب التي
رفعت السعر، والسبب الخوف من عدم وجود هذه
المادة في الأسواق بسبب الغلاء المتنامي لهذه
السلعة الغذائية على مستوى العالم.
والسؤال الذي يفرض أن من اشترى العشر،
والعشرين من عبوات الأرز، هل سيكتفي إلى مدى
الدهر؟ هل سيستغني عن السوق أبدا، ثم ألا يمكن
أن تفسد هذه الكمية لسوء التخزين في المنازل؟
وإذا كان حال الكثير من السلع الأساسية هو
الغلاء المتنامي، هل سوف يشتري كل هذه السلع،
التي - بعضها - لا يزيد عمرها الاستهلاكي عن
ستة اشهر فقط؟ وبالتالي فعلى أي منطق يستند
هؤلاء المهرولون بهذه الطريقة؟
هذه المسألة في مجملها لا تخرج عن نقص الوعي
عند هؤلاء الناس الهاربين من مواجهة الحياة
بكل تقلباتها المختلفة، والذي يؤسف عليه
أحيانا أن ترى شبابا من عمر النهضة عندهم هذه
المفاهيم البسيطة، وهذا التعامل الفج مع
المواقف، دون أن يعطوا المسألة مساحتها الآمنة.
الذي يحيرني أكثر أن هؤلاء الشباب لم يمروا في
حياتهم على أزمات غذاء، كما مر آباؤنا بهذه
الأزمات من قبل، الذين واجهوا الحياة بكل
إخفاقاتها، وتداعياتها دون أن تهتز لهم رجفة
قلب، أو يستشعروا خطراً داهماً سوف يقضيهم من
الحياة، وواجهوا مختلف المواقف بكل إرادة،
وأمل، فهم أيضا ليسوا أقل منا حبا للحياة،
فياايها الناس دعوا ثقتكم في الله كبيرة، «ولن
تموت نفس حتى تستكمل خيرها، وشرها».