تبقى على الشعب الفلسطيني مسؤوليته التاريخية
اتجاه هذه القضية، لا من حيث الثبات على
المواقف للمطالبة بحقوقهم المنهوبة من المحتل
ومن المجتمع الدولي المناصر لإسرائيل بقيادة
الولايات المتحدة، ولا من حيث دفع القوافل
الممتدة من الشهداء، ومن حيث تحملهم معاناة
الحصار، والتدمير، ولكن من حيث توحيد الصف
الفلسطيني، فبالقدر الذي يقف فيه محبو السلام
من المجتمع الدولي مع هذا الشعب المقهور،
بالقدر نفسه يطالب هذا الشعب بتوحيد صفوفه
يسجل التاريخ اليوم - ومع حلول هذا الشهر مايو
2008م - بحبر من مداد الدم الفلسطيني الذكرى
الستين لنكبة فلسطين، هذه الذكرى المؤلمة لمن
يعيشها بتفاصيلها الدقيقة، من أبنائها الغر
الميامين، ومن أبناء العروبة والمسلمين، وليس
من ينظر «بتشديد الظا» فيها من البعيد، فلسطين
عربية التاريخ والجغرافيا، وفلسطين حضن كل
الديانات التي اتى بها أنبياء الله، فلسطين
الجريحة، حيث يختزل الفعل الإنساني في حق
شعبها، على امتداد التاريخ، نستحضرها مناخا
مهما من مناخات تاريخنا الإسلامي الممتد،
وقطعة مقدسة من تراب وطننا العربي الكبير.
ستون عاما على نكبة الشعب الفلسطيني، حيث
شردوا في كل بقاع الدنيا من منازلهم، واقتلعوا
بهتانا، وزورا من أراضيهم، ومع ذلك لا تزال
البقية الباقية تغرس كل يوم جذورا جديدة،
وتنبت أشجارا باسقة توحي بالحياة، وتقيم مساحة
خضراء من العطاء، تترجمها شجرة السلام، شجرة
الزيتون الخالدة، ويفعل نضال أبنائها ميدانا
اكبر بحجم الحلم للاستقرار، والأمن، والثبات،
والإصرار على المقاومة.
العام 1948م، البداية المظلمة، والشرارة
الأولى لمعركة لم تحسم بعد، معركة شعب يتعرض
كل يوم لأقسى أنواع الاضطهاد، تهجير منظم
بالقوة، وجوع متعمد ، ونزاع قوى الداخلية لا
ينتهي تتناسى من خلاله - في زحمة المصالح
الشخصية - الرسالة الأولى للنضال، والبقاء ،
وتشاركها دول كبرى تصوغ مواد جديدة لقانون لن
تحسمه سوى معركة الإرادة عند شعب فلسطين
المناضل.
اتفاقيات دولية، ومؤتمرات إقليمية، واستنكارات
بالجملة من شعوب لا تمت بصلة لهذا الشعب، سوى
الإحساس بمعاناتها الإنسانية، المحصلة تنظوي
كل هذه الصورة الاحتفالية - في شكلها العام -
مع أول نقطة تفتيش على حدود فلسطين، وتذهب
ادراج الرياح، ويعود المجتمعون من جديد
ليفتشوا في روزنامة التاريخ عن مادة جديدة
تحفظ حق فلسطين، وشعب فلسطين.
ستون عاما من هذا التشرد في كل بقاع العالم،
والتململ - فما بين الاتفاق والاتفاق
سيناريوهات من التمثيل والاحتفال - والتماهي
حيث تذوب القضية ما بين تكدسات الأوراق
والملفات، وتحفظ، ليس لعدم وجود الدليل، ولكن
لان الخط احمر قان يصعب تخطيه، حيث صنعته
الدبابات الاسرائيلية من دماء الشهداء، ومن
نواح الثكالى من الأمهات، ومن دموع الأطفال
التي تودع كل يوم مواكب ممتدة من الشهداء.
لقد قدر لهذا الشعب - منذ ستين عاما - ان يعيش
معترك حياة أو موت، لا ثالث لهما، حياة ملؤها
المعاناة اليومية، على ارض قطعت أوصالها من
هنا، وهناك، حيث تعيث فيها القوى المحتلة
فسادا، بين تقتيل وتعذيب، أو موت، فهاهي تودع
كل يوم خيرة شبابها، رجالا، ونساء، وأطفالا،
يقدمون أرواحهم على اكفهم، احتسابا على ما عند
الله. »فليس بغير سليل السيوف : يجيبون صوتا
لنا أو صدى«
النكبة في القاموس الفلسطيني ليس لها تاريخ
انتهاء، كما كانت البداية قاسية، فلا تزال
قساوتها متجذرة، ومستمرة، وتشهد كل يوم صراعا
متجددا، ينطلق من أراضيها ويعود إليها مخلفا
جروحا دامية لن تندمل، ودموعا نازفة لن تنقطع،
ونساء ثكلى يشكل عندهن الصوت الجنائزي
سيمفونية محببة ومستساغة، حيث يودعن شهيدا،
ويستقبلن آخر، فما بين جنازة الشهيد، والشهيد
غمضة عين تسبح بحمد الله.
عدد اللاجئين الفلسطينيين (6,8) مليون
وفلسطينيو الشتات يؤرخون بالكلمة والصورة
تاريخ نكبتهم في كل بقاع الدنيا، حيث الدبكة
الفلسطينية، والصورة المتجسدة في رسومات
الانتفاضة، والمسجد الأقصى، والكوفية
الفلسطينية المزركشة المعروفة، حيث لا تزال
الصورة الحالمة - العودة الى فلسطين - تدغدغ
مشاعرهم، متجاوزين حالات اليأس التي تتجسد كل
يوم على ارض فلسطين، فنضالهم المستمر من حيث
حث القوى الدولية، والشعوب المحبة للسلام على
إبراز قضيتهم يظل الأمل المتجدد في التذكير
بأن لهم أرضا تسمى فلسطين، «مطالبين بتنفيذ حق
اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم وفق
قرار الأمم المتحدة رقم 194».
يظهر مركز بديل: اللاجئين والمهجرين
الفلسطينيين، المسح الشامل لعام(2004-2005) أن
» أقل من 1٪ من اللاجئين الفلسطينيين، حتى
اليوم، عادوا إلى ديارهم. وأقل من تلك النسبة
تمكّنوا من استعادة منازلهم وأملاكهم. وحتى
اليوم، يعدّ اللاجئون الفلسطينيون (6,8 مليون)
أكبر مجموعات اللاجئين وأصحاب القضية الأطول
عمراً من بين غيرها في العالم«.
نظر - في ذلك الوقت - إلى اتفاقية اوسلو
(1993م) التي شارك في توقيعها مختلف أقطاب
المجتمع الدولي بما فيها الدول الراعية لعملية
السلام في الشرق الأوسط، أن هذه الاتفاقية سوف
تحدث نقلة نوعية في مطالب الشعب الفلسطيني
الملحة، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، وقيام
الدولة الفلسطينية المستقلة، وعودة اللاجئين
الفلسطينيين من الشتات إلى ديارهم، ولكن يبدو
أن المسألة لم تحجم بهذا الرؤية الخاصة
والمتعلقة بالشأن الفلسطيني، وإنما سجلت كما
تم تسجيل ما قبلها، وما بعدها من القرارات
الدولية، ومن اتفاقيات مماثلة، ضد مجهول - إن
جاز التعبير - وان كان من تسجل ضده القضية لا
يزال يمارس فعله المشين بقرار بلفور، على ارض
شعب وجوده متجذر، وحجته دامغة لا تحتاج إلى
البحث عنها في كتب التاريخ.
بعد ستين عاما من المعاناة والشعب الفلسطيني
يعيش أوضاعا إنسانية مأساوية، حيث تعمل
الجنزرة الإسرائيلية على تجريف الأرض، وما
فوقها من مظاهر الحياة بما فيها الإنسان، وبعد
أن كان الإنسان الفلسطيني هو صاحب الأرض،
والإسرائيلي من الفئات الأقلية، أصبح اليوم
العكس، حيث الشعب الفلسطيني هو الأقلية،
والشعب الإسرائيلي المحتل هو الأكثرية بفعل
سياسة التهجير، واحتلال الأرض، وقطع كل السبل
الموصلة إلى بقاء شعب حق له أن يكون، »فعرب
إسرائيل - كما تشير التقارير - يشكلون 20
بالمائة من السكان« وخاصة في القدس الغربية.
شكلت الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية
موقفا مهما من قبل الفلسطينيين اتجاه المحتل،
ووسعت من ثقافة المجتمع الدولي في تجسيد الظلم
الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني، وضرورة
الوقوف معه، ومناصرة قضيته، وكانت هناك ردة
فعل ايجابية من هذا المجتمع - بغض النظر عن
الموقف الرسمي للحكومات - حيث قامت المظاهرات
والمسيرات مؤيدة لحقوق هذا الشغب المغلوب على
أمره، كان ذلك في كل دول العالم بلا استثناء،
ومع ذلك تجرع هذا الشعب، ولا يزال، بنفسه حيث
لم تفلح كل الجهود المناصرة لقضيتهم من تحريك
الراكد، وهاهو اليوم يعيش اقسى أنواع المعاناة
من التجويع المتعمد، وتقييد الحرية، حيث لا
حدود توصلهم إلى العالم الحر.
وقد أشارت بعض المصادر إلى أن هناك «تقريرا
لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية أوائل عام 2002
ان معدلات الفقر تضاعفت ثلاث مرات في القطاع -
قطاع غزة - من (21٪) قبل عامين إلى (66٪)».
ويأتي اليوم استكمال بناء الجدار العنصري،
الذي أقيم على الأرض الفلسطينية المنهوبة من
أصحابها بقوة السلاح، والذي يتوخى منه
الإسرائيليون توفير الأمن للجانب الإسرائيلي،
يأتي ليضيف فصلا آخر من فصول العنصرية التي
تمارسها إسرائيل ضد هذا الشعب المغلوب على
أمره، ومع ذلك فلن يحقق هذا الجدار ولا غيره
الأمن المتوقع للمجتمع الإسرائيلي، فالمعادلة
غير متوازنة بين الطرفين، لا في تعامل الجار
للجار، ولا في إيجاد أرضية من الحوار الذي
تصدق فيه النوايا، ويهدف إلى إنهاء العنف،
والعيش بسلام، كما يسعى إليه المجتمع الدولي
بكامله، بغض النظر عن مواقف الإدارة الأمريكية
المنحازة اتجاه الإسرائيليين بشكل خاص.
فأصحاب الأرض التي لم يبق منها إلا النزر
اليسير لن يهدأ لهم بال حتى يستعيدوا أراضيهم،
ولو بقوة السلاح، وبالتالي فكل الأسباب
الأمنية التي تأخذ بها الحكومة الإسرائيلية لن
تجدي نفعا ما لم يستعيد أهل الأرض أرضهم
المسلوبة بالقوة، فالوقائع على الأرض تسجل
اليوم كما تشير بعض التقارير الصادرة عن بعض
المراكز البحثية الى انه «حتى العام ،1948
كانت الغالبية العظمى من الفلسطينيين على أرض
فلسطين. وبحلول العام ،2005 يقيم نصف
الفلسطينيين (4,8 مليون) خارج حدود فلسطين
التاريخية. فالتغييرات الديموغرافية جرت في
معظمها من خلال عمليات الطرد والتهجير القسري
التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق
الفلسطينيين في العام ،1948 وما تبعها من
سياسات عنصرية بحق اللاجئين والمهجرين
الفلسطينيين».
وتؤكد هذه التقارير أيضا انه »حتى العام ،1948
كان العرب الفلسطينيون يملكون الغالبية العظمى
من أراضي فلسطين، وبحلول العام 2005 أصبح
الفلسطينيون يمتلكون أو يسيطرون على 12٪ فقط
من أراضي فلسطين التاريخية (الضفة والقطاع
وداخل الخط الأخضر)، كما جرى نقل الملكية
والسيطرة على هذه الأراضي من خلال عمليات الضم
الواسعة التي ارتكبت بحق الممتلكات الفلسطينية،
التي أصبحت بفضل القوانين الإسرائيلية
العنصرية، أراضي إسرائيلية غير قابلة للتصرّف
يملكها اليهود داخل إسرائيل وخارجها«.
مسؤولية الفلسطينيين التاريخية
إن مشروع خارطة الطريق الذي أقرته الأمم
المتحدة، ومعها الدول الراعية للسلام لن يحقق
الغرض من اقامته ما لم تتحقق المطالب الرئيسية
للشعب الفلسطيني، وهذا المطالب هي الخيارات
الوحيدة للخروج من هذه الأزمة المزمنة، وهي
الخيارات الوحيدة لكي تنال إسرائيل والشعب
الإسرائيلي العيش بسلام، مع جيرانهم العرب،
وبخلاف ذلك فلن تنفع كل المبادرات السلمية
التي يقترحها المجتمع الدولي، ولن تنفع كل
المشاريع المطروحة على طاولات المفاوضات - وما
أكثرها - وإنما ستساهم كل هذه المؤازرات
الخجولة في تكريس العنف، والعنف المضاد، وحصد
مزيدا من قوافل الشهداء، ومزيدا من العمليات
الاستشهادية في العمق الإسرائيلي ضد السكان
الإسرائيليين، اساء هؤلاء السكان أم أحسنوا،
بمواقفهم المختلفة من هذه القضية التاريخية.
ومع ذلك كله تبقى على الشعب الفلسطيني
مسؤوليته التاريخية اتجاه هذه القضية، لا من
حيث الثبات على المواقف للمطالبة بحقوقهم
المنهوبة من المحتل ومن المجتمع الدولي
المناصر لإسرائيل بقيادة الولايات المتحدة،
ولا من حيث دفع القوافل الممتدة من الشهداء،
ومن حيث تحملهم معاناة الحصار، والتدمير، ولكن
من حيث توحيد الصف الفلسطيني، فبالقدر الذي
يقف فيه محبو السلام من المجتمع الدولي مع هذا
الشعب المقهور، بالقدر نفسه يطالب هذا الشعب
بتوحيد صفوفه، ولملمت شتات أحزابه، ومنظماته،
وأي إخفاق في عدم التلاؤم المطلوب منه يظل غير
مقبول، مهما كانت المبررات التي يتذرع بها طرف
على آخر، وتحت أية ظروف كانت.
في مرحلة من مراحل تاريخ هذا الشعب المناضل
هيأ لنفسه لأن يقول كلمته في اختيار حكومته،
وأجمعت كل الفصائل على هذا الاختيار، وبالتالي
فليس من حق احد أن يقول كلمة تناقض هذا
الإجماع الفلسطيني الحر، ولا تجوز المساومة
على هذا الاختيار فيما بعد، وبالتالي فالموقف
الدولي مطالب هو الآخر أن يخضع لهذا الاختيار
الحر في انتقاء الشعب الفلسطيني لمن يحكمه.
والتغييب الحاصل اليوم لحكومة الشعب الفلسطيني
الوطنية هو تغييب متعمد من الإرادة الدولية،
وهذا بدوره لن يخدم القضية الفلسطينية التي لا
تزال أوراقها على طاولة الحوار منذ ستين عاما.
والخوف كل الخوف أن تختزل هذه القضية في
تقادمها مع مرور الزمن، كما صورها هذا الشاعر
حين قال:
قيل لي مليون مرة لم تبكي
ففلسطين ستبقى عربية
بضع ساعات بكينا..
وستار وحفظنا المسرحية