الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

إحدى نتائج الحرب الكونية الثانية ومساوئها
عبدالله بن علي العليان


«نكبة 48 في فلسطين تحتاج إلى مراجعة النظام الدولي الحالي الذي باركت الدول التي انشأته قيام إسرائيل في ارض فلسطين ظلما وعدوانا، ومرور ستين عاما على هذه النكبة وصمة عار على النظام الدولي وافرازاته السلبية. والحل في اعتقادنا يكمن في التفكير في قيام نظام دولي سياسي واقتصادي عادل، وبغيره فإن الكارثة العالمية قد تبلغ مداها في هذا القرن».
يعتبر النظام الدولي الحالي احد افرازات الحرب العالمية الثانية التي جاءت لوائحها وأنظمتها ملبية لرغبات الدول المنتصرة في هذه الحرب، ولذلك كانت الحرب العالمية الثانية هي أول من أرسى عددا من الترتيبات والمؤسسات الدولية التي شكلت مجتمعه نظاما عالميا حاول أن يفرض نفسه على العالم بأسره.
وسواء كانت طبيعة العلاقة بين القوى الكبرى التي تريد أن تتحكم في إدارة هذا المجتمع الدولي في حالة توازن أو علاقة خلاف أو صراع وتنافس، أو كانت علاقة التقاء في منتصف الطريق. فأي نظام عالمي هو معطي للعلاقات بين القوى الكبرى، ونتاج للقرارات التي تتخذها هذه القوى لتأمين مصالحها وتحالفاتها في العالم، ولذلك فان نكبة 48 في فلسطين تعتبر احدى مظالم هذه الحرب المشؤومة على العرب والمسلمين لانها غرست هذا الكيان الغاصب في المنطقة العربية لأسباب سياسية ودينية واستراتيجية وتحقق لها ذلك للأسف لان الاستعمار في الأرض العربية أيضا يريد أن يشغلنا بهذا الجسم الغريب حتى نبقى مشغولين بتحرير هذه الأرض ونبتعد عن التنمية والتطور.
ولعل أخطر إفرازات الحرب الباردة نظرية »الصراع الدولي«، ذلك إن الصراع في صميمه هو تنازع إرادة بحكم الاختلاف في التوجهات والسياسات. وهذه النظرية هي التي قسمت العالم إلى معسكرين متصارعين وعملت على استنزاف الاقتصاد للدول الصغيرة وجعلتها أسيرة هذا الصراع لاختيار مدى قوة التوازن الدولي، واختبار الأسلحة التي يتم تصنيعها وكنا نحن العرب والمسلمين وقودا لهذه الاختبارات في القرن الماضي وضحاياه أيضا في هذه القرن خاصة في العراق وأفغانستان.
مع انفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم كقوة عظمى بلا منافس في نهاية القرن الماضي، أوجد وضعا شديد التعقيد، إذ على أثر انتهاء الاتحاد السوفييتي بتفكك دولة، وقيام الحروب الأهلية في البلقان وفي غيرها انكشفت عيوب النظام الدولي.
فلو عدنا إلى الوراء قليلا لوجدنا أن كل الأنظمة الدولية التي أقيمت كانت لأسباب حروب ومغامرات دولية. وكذلك كل الصيغ التي أوردتها ديباجة هذه القوانين هي شروط »فرض« وليس اختيارا مقنعا، وهذا ما يفسر انهيار الكثير من الأنظمة، ففي عام 1815 فرضت الدول الأوروبية المنتصرة نظامها العالمي الذي تمثل بحفظ »الستاتكو« الأوروبي بعد مغامرات نابليون السياسية التي عصفت بأوروبا آنذاك.
واستند ذلك النظام بصورة أساسية إلى «سياسة المؤتمر» بحيث احتفظت الدول الأوروبية الخمس بضبط أوروبا ومستعمراتها «بريطانيا وفرنسا وروسيا وبروسيا والنمسا» كما استطاعت أن تضبط الإمبراطورية العثمانية أيضاً.
واستمرت «سياسة المؤتمر» حتى تفاقم الخلاف بين فرنسا وبريطانيا وألمانيا حيث تحول النظام الدولي الجديد إلى سياسة «توزان القوى» وكانت بريطانيا تمثل الجهة الأقوى لحفظ هذا التوازن حتى نشوب الحرب العالمية الأولى ونتيجة لهذه الحروب، كانت «اتفاقية فرساي» و«عصبة الأمم» وبوادر نظام عالمي جديد أفرزته الحرب العالمية الأولى وفرضته الدول المنتصرة فيها.
وقد تميّز ذلك النظام بتكريس السيادة الأوروبية بتسخير (عصبة الأمم) نفسها لرعاية هذه السيادة وتنظيمها. وعلى الرغم من (اتفاقية برياند كيلوج) التي وقعها آنذاك كل المجتمع الدولي (64 دولة ) والتي حظرت الحرب بكل أشكالها فان ذلك لم يمنع نشوب الحرب العالمية الثانية.
ولعل ما يسبب قلق الكثيرين من أعضاء الأسرة الدولية اليوم تجاه التوجه الدولي الجديد هو (ازدواجية المعايير) تجاه قضايا ومشكلات العالم بعد انتهاء القطبية الثنائية، وهذا ما يرسخ مفهوم التشكيك في النظام الدولي الجديد ناهيك عن وجوده أصلاً.
فقياسا على هذه التجربة السابقة كما يقول شفيق المصري فإن أي نظرة أحادية الجانب لتمييز الصديق من العدو والمحب للسلام من الكاره لـه، تعد أمرا محكوما بظروف سياسية معينة لا يجوز اعتمادها كقواعد ثابتة في نظام دولي يجب أن يستوعب كل الدول وأن يكون التعامل واضحا وعادلا من معيار حصيف لا يقبل المكاييل المتناقضة في النظام الدولي، وفي هذا الإطار يمكن التحدث عن (نظام عالمي عادل ومستقر) لكن التوقعات الجديدة هو بروز قوة تشكل تحديا لنظام الأحادي القطبية الذي تتزعمه الولايات المتحدة، حتى إن البعض قال في هذا الصدد أن الرئيس الأمريكي جورج بوش، عندما كان يواجه العراق أبان حرب الخليج، كان يتوجه بتفكيره نحو اليابان وألمانيا، لكونهما قوى مرشحة لأن تصبح من الدول التي ستلعب دورا خطيرا في الصراع الاقتصادي مستقبلا الذي أصبح الأخطر الآن في ميزان الصراع الدولي. وقد أشار الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب في الوثيقة التي عرضها على الكونجرس تحت عنوان استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة« وهي أول وثيقة رسمية من هذا المستوى بعد قمة يالطا تشير إلى »إن واحدا من أخطر التطورات في عقد التسعينات هو الدور الجديد لليابان وألمانيا كديمقراطيتين ناجحتين وقائدتين اقتصاديا وسياسيا« وحذر التقرير من خطورة الانتقال إلى معيار ميزان القوة الاقتصادية والنزاع التجاري في هذا العصر، لأن ذلك قد يؤثر على العلاقات الاقتصادية والسياسية فيما بين الدول الغربية !
وهذا يعني إن أمريكا بدأت تشعر بالقوة الاقتصادية في لعبة التنافس وحرية التجارة والسوق بسبب هذين العملاقين الجديدين ومن ثم سوف تتسم المرحلة الجديدة بتنافس الأقطاب الاقتصادية وستعمل على إيجاد أو على الأصح بناء نوع من «النظام العلمي شبه الاحتكاري تحت شعارات الحاجة إلى الوحدة الاقتصادية من أجل رخاء العالم الصناعي واستقراره». والذي يقلق الولايات المتحدة في القرن المقبل هو الصراع الاقتصادي المتوقع الذي قد يتحول إلى حرب جديدة باردة. ومع بروز ظاهرة العولمة واحتماء الدول المتقدمة بها، لفرض نموذج اقتصادي قاهر على الدول الآخذة في النمو، لن يكون نهاية التاريخ في المجال الاقتصادي، ذلك ان الرفض الكبير للعولمة ومنظمة التجارة العالمية في العالم الغربي نفسه، ينذر ببروز مشكلات قد تجعل عودة المشكلات الدولية القديمة في القرن الماضي أمرا واضحا وساخنا جدا. فهل تعي الدول المتقدمة هذا البعد الرافض لهيمنة السوق وازدواجية المعايير في النظام العالمي؟ نكبة 48 في فلسطين تحتاج إلى مراجعة النظام الدولي الحالي الذي باركت الدول التي انشأته قيام إسرائيل في ارض فلسطين ظلما وعدوانا، ومرور ستين عاما على هذه النكبة وصمة عار على النظام الدولي وافرازاته السلبية.
الحل في اعتقادنا يمكن في التفكير في قيام نظام دولي سياسي واقتصادي عادل، وبغيره فإن الكارثة العالمية قد تبلغ مداها في هذا القرن.

  رجوع