بالنظر إلى
حاجتنا لتنفيذ مشروع بناء الأمة في بلدنا
نفسها (الولايات المتحدة) في الوقت الحاضر،
فإنني أجد نفسي مستعدا للتعايش مع قدر أقل
قليلا من الأمن ووضع أفغاني أدنى قليلا من
درجة الكمال. إنني أدرك أن هناك حججا مشروعة
على الجانب الآخر. ففي أثناء غداء جمعه مع
كُتّاب الرأي في يوم الثلاثاء الماضي حاجج
الرئيس في قوة بأن تفضيل زيادة أعداد القوات
في أفغانستان الآن بغرض مساعدة الأفغان في
إعادة بناء جيشهم ودولتهم إلى مستوى
معقول(لكسب ولاء الشعب الأفغاني) يشكل الأمل
الوحيد لإيجاد نقطة انطلاق لتغيير اللعبة وجلب
استقرار طويل الأمد لتلك المنطقة. قد يكون ذلك
كذلك. بيد أن ما يجعلني حذرا تجاه هذه الخطة
هو: كم عدد الاجزاء المتحركة هناك؟ فالأفغان
والباكستانيون وحلفاء الناتو عليهم جميعا أن
يتصرفوا على نحو مختلف ومستدام كي تنجح الخطة.
ولكني ها هنا أطرح سياقا أوسع أقوم فيه بتقييم
كل هذا. إن تفكيري الذي يخصني بشأن السياسة
الخارجية منذ الحادي عشر من سبتمبر ظل يرتكز
على أربعة أعمدة. اولها هو مبدأ وارن بفييت
والذي يقول «ان كل شيء حصلت عليه في الحياة
يعود إلى حد كبير لحقيقة أنني ولدت في هذا
البلد أي أمريكا، وفي هذا الزمان ومع توافر
هذه الفرص لمواطنيها. أنه لواجب وفريضة أساسية
على جيلنا أن نورث أبناءنا أمريكا شبيهة (بتلك
التي ورثناها عن آبائنا)». ثانيها أن العديد
من الاشياءالسيئة الكبيرة تحدث في العالم من
دون أمريكا، ولكن ليس الكثير من الاشياء
الجيدة الكبيرة. وإذا أصبحنا ضعافا وأهزلنا
التدهور الاقتصادي والديون كما يحدث لنا ببطء
فان أمريكا قد لا يكون في مقدورها القيام
بدورها التاريخي في تثبيت الاستقرار في العالم.
وإذا كنت لا تحب عالما توجد فيه «ولايات متحدة»
مفرطة في القوة فإنك حقيقة سوف لن تحب «
ولايات متحدة» مفرطة الضعف في عالم تزيد فيه
الصين وروسيا وإيران من أحكام قبضتها عليه.
ثالثها، إن السياق الذي يعيش ضمنه الناس
حياتهم يشكل كل شيء ابتداء من نظرتهم السياسية
وحتى تلك الدينية. إن سبب وجود ذلك العدد
العديد من الناس المحبطين والغاضبين في العالم
العربي الإسلامي، ممن يطلقون سياط غضبهم اولا
على حكوماتهم وثانيا علينا نحن ويتطوعون «
للشهادة»، يعود إلى السياق الذي يحيون فيه
حياتهم. وقد تم تلخيص ذلك على أفضل وجه في
تقارير التنمية البشرية العربية التي تعدها
الأمم المتحدة باعتباره سياقا يهيمن عليه
القصور وعدم الكفاية في ثلاثة مجالات هي
الحرية والتعليم و تعزيز حقوق النساء. إن سياق
التعددية والديمقراطية الذي أقامته الهند هو
السبب في أنها، وهي التي بها ثاني أكبر مجموعة
مسلمة من السكان في العالم، لديها أقلية مسلمة
مزدهرة رغم أنها تشعر بالغضب أحيانا إلا أنه
لا يوجد من بين أفرادها سجناء في جوانتنامو.
رابعها هو أن أحد الأسباب الرئيسية في ذلك
القدر من المقاومة الذي يبديه العالم العربي
الاسلامي للإصلاح السياسي المدفوع بعوامل
داخلية يعود إلى احتياطيات النفط الضخمة التي
تسمح بديمومة الإدارات السياسية. لذا فإن
أوضاع ما بعد الحادي عشر من سبتمبر استدعت
قيام سياسيينا باستجماع الشجاعة الكافية لرفع
ضرائب الوقود وإلزام أنفسهم على نحو جاد
بتطوير بدائل للنفط وتجريد تلك المجتمعات من
القدرة على مقاومة الانفتاح السياسي. إن الناس
لا يتغيرون عندما نبلغهم بوجوب قيامهم بذلك.
إنهم يتغيرون عندما يقول لهم السياق الذي
يعيشون داخله إن عليهم فعل ذلك.
وبالنسبة لي فإن أهم سبب لحرب العراق لم يكن
أبدا أسلحة الدمار الشامل. لقد كنا نرغب في أن
نرى إذا كان بإمكاننا الدخول في شراكة مع
العراقيين لمساعدتهم على بناء شيء لا يوجد في
كثير من أنحاء العالم العربي الحديث. أي دولة
أو سياق يمكن في إطاره للمجموعات المكونة
للشعب العراقي (الشيعة والسنة والأكراد) كتابة
عقدهم الاجتماعي الخاص بهم والذي يشرح كيفية
عيشهم المشترك دون قبضة حديدية من أعلى. لقد
أثبتت حرب العراق أنها باهظة التكلفة ومؤلمة
إلى حد بعيد.إن الأخطاء التي ارتكبناها من
شأنها إضعاف همة أي شخص وصرفه عن تنفيذ مشروع
بناء الأمة في أفغانستان. وقد فعلت تلك
الأخطاء ذلك معي. ولكن لا يزال ممكنا أن تنجب
حرب العراق شيئا مهمّا إذا أمكن للعراقيين أن
يجدوا تلك الصيغة ذاتية الاستدامة للعيش
المشترك. غير أن ما يؤسف له أن ذلك لا يزال
مشكوكا فيه. وإذا أمكنهم أن يفعلوا ذلك فإن
نموذجهم سيكون له اثر ضخم على العالم العربي.
إن بغداد عاصمة عربية عظيمة. وإذا فشل
العراقيون فسيشكل صراعها الديني وتدهورها
الاقتصادي واستبدادها خلطة خطرة تفرخ
الارهابيين . إن مسألة العراق تتصل بـ«الحرب
على الارهاب». وغزو أفغانستان في نظري يتعلق
بـ«الحرب على الإرهابيين». إنها تتصل بالقبض
على ابن لادن وحرمان القاعدة من فترة اختباء.
لم يدر بخلدي أبدا إننا يمكننا تحويل
أفغانستان إلى نرويج. وحتى إذا فعلنا ذلك فإن
أثره لن يتعدى حدودها على النحو الذي يمكن أن
يحصل بالنسبة للعراق. إنها ليست فكرة مجنونة
أن نجعل أفغانستان الآن جزءا من «الحرب على
الارهاب»، اي مشروع بناء أمة آخر. فقط سيكون
عملا شديد التكلفة عندما نقابله أو نزنه
بمتطلباتنا لبناء الأمة في أمريكا (نفسها) من
أجل أن تتوافر لنا القوة الكافية كي نقوم
بدورنا العالمي الأوسع. ومن هنا تأتي رغبتي في
تحديد وجودنا في أفغانستان. ذلك ما أعتقده
ولماذا أعتقده.
توماس فريدمان
ترجمة قاسم مكي
نيويورك تايمز
قسم الترجمة عمان