الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

فلسطين ضحية لخلل النظام الدولي
أحمد سيد أحمد
باحث في العلوم السياسية


«إذا كان الخلل في النظام الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، هو المسؤول بشكل أساسي عن ضياع القضية الفلسطينية، فإن هناك عوامل اخرى ساهمت في فاعلية هذا العامل وأبرزها الضعف العربي وعدم وجود استراتيجية عربية موحدة ومحددة تجاه القضية الفلسطينية، والانقسام الفلسطيني الفلسطيني الذي وصل إلى حد المواجهات المسلحة ووجود كيانين منفصلين أحدهما في الضفة ويخضع للسلطة والآخر في غزة ويخضع لحركة حماس، وقد وظفت إسرائيل والولايات المتحدة هذه التناقضات جيدا لتحقيق أهدافها في تمييع القضية الفلسطينية».
منذ أن اغتصبت فلسطين رسميا في عام 1948 مع إعلان دولة إسرائيل، وعلى مدى الستين عاما الماضية، كان ضياع فلسطين نتيجة أساسية لخلل النظام الدولي وهيكل القوى فيه، ففترة ما قبل النكبة كانت القوة العظمى السائدة هي بريطانيا وفرنسا، واللتان قامتا بتقسيم المنطقة وفقا لاتفاقية سايكس بيكو وبموجبها أضحت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، الذي مكن اليهود من التوطين فيها بعد وعد بلفور الشهير في عام 1917 عندما منحهم حق إقامة وطن قومي لهم في فلسطين، ونتيجة للعبة التوازنات الدولية ودور اليهود في مساندتهم لبريطانيا في الحرب العالمية الأولي، قامت بتمكينهم وحمايتهم عبر الهجرة اليهودية المستمرة حتى أعلنوا دولتهم في غفلة من جانب العرب عام 1948 لتبدأ مرحلة ضياع واستنزاف الأراضي الفلسطينية، التي كُرست بهزيمة يونيو 1967 التي سيطرت فيها إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. ومنذ تلك الهزيمة وحتى الآن، كان العامل الأكبر في ضياع فلسطين هو استمرار الخلل في النظام الدولي وانحياز الدول الكبرى المسيطرة فيه لصالح إسرائيل وعلى حساب الفلسطينيين، فإذا كانت بريطانيا قد لعبت الدور الأساسي في إنشاء إسرائيل، فإن الولايات المتحدة التي سيطرت على النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، إلى جانب الاتحاد السوفييتي السابق، قد قامت بحضانة إسرائيل وحمايتها لتنشأ وتترعرع حتى أصبحت أمرا واقعا تسيطر على غالبية أرض فلسطين التاريخية، بينما لم يتبق للفلسطينيين سوى قطاع غزة والضفة الغربية ومنطقة الحرم القدسي والتي يجري التفاوض عليها ولا تظهر أية بوادر في الآفق على فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة.
ويمكن القول إن الدور الخارجي قد لعب الدور الأساسي في دعم استمرار إسرائيل وضياع فلسطين وذلك على عدة مستويات
الأول: بناء الدولة الإسرائيلية، وهو الدور الأساسي الذي قامت به الولايات المتحدة وبعض الدول الكبرى، فمن ناحية قامت أمريكا بتزويد إسرائيل بكل احتياجاتها العسكرية لتصبح قوتها موازية لقوة العرب جميعا، وذلك تحت مبررات واهية أن إسرائيل محاطة بغابة من العرب الذين يتهيأون للانقضاض عليها، بل تمثل المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية لإسرائيل ركنا أساسيا في ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية وهي حماية أمن إسرائيل والدفاع عنها، وقامت أمريكا بتقنين هذه المساعدات من خلال اتفاقات الدفاع المشترك، ومن ناحية ثانية قدمت العديد من المساعدات الاقتصادية والتكنولوجية التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات لبناء دولة إسرائيل، ومن ناحية ثالثة لعبت الولايات المتحدة دورا مهما في دعم عملية تهجير اليهود إلى دولة إسرائيل خاصة اليهود الروس، وحشد الدعم الدولي المالي الأوروبي والألماني لإسرائيل، وكل هذا يعني أن الولايات المتحدة ساهمت في إقامة مقومات الدولة العبرية لكي تنمو وتستمر ووفرت لها الدعم والحماية العسكرية وكذلك الدعم الاقتصادي.
ثانيا: حماية السياسة الإسرائيلية، فعلى المستوى السياسي قامت الدول الكبرى خصوصا الولايات المتحدة بدور الحامي والداعم للممارسات والسلوك العدواني الإسرائيلي ضد الفلسطينيين والتهام المزيد من الأراضي الفلسطينية وبناء الجدار العازل وعمليات تهويد القدس الشرقية، والعدوان اليومي المتكرر على الشعب الفلسطيني وقتل واغتيال قادة المقاومة وفرض سياسة الحصار الشامل، وقد تجسدت الحماية الأمريكية بالتحديد في منع تطبيق قرارات الشرعية الدولية خصوصا القرارين 242 و،338 واستخدام حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي لمنع صدور أي قرارات تدين العدوان الإسرائيلي والمجازر ضد الشعب الفلسطيني، كما حدث في حالات كثيرة آخرها الحيلولة دون صدور قرار من المجلس يدين عملية المحرقة التي قامت بها إسرائيل ضد قطاع غزة في شهر أبريل الماضي، وقد أدت تلك الحماية الأمريكية في الأمم المتحدة لإسرائيل إلى تشجيعها على المضي قدما في عدوانها وتحديها للشرعية الدولية، ما دامت لا توجد قوة رادعة لسياستها، في ظل اختلال الميزان العسكري مع الفلسطينيين لصالحها، وبالتالي الاعتماد على منطق القوة لفرض سياسة الأمر الواقع والذي أدى بعد أكثر من ستين عاما من النكبة إلى السيطرة على غالبية أرض فلسطين التاريخية ولم يتبق للفلسطينيين سوى ؟؟؟ فقط منها، وهي التي يتم التفاوض عليها الآن.
ثالثا: الانفراد بالعملية السياسية، والتي عكست بوضوح الخلل في النظام الدولي، فقد تم استبعاد الأمم المتحدة، التي تجسد الشرعية الدولية، من معالجة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وتسويته بطريقة سلمية وتتوافق مع قرارات الأمم المتحدة وأبرزها القرار 242 التي يمثل المرجعية لأية تسوية سياسية بين الطرفين وينص على انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967 وبالتحديد الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، بينما تولت الولايات المتحدة بعد مؤتمر مدريد عام 1991 الرعاية الرسمية لعملية السلام بعد تهميش الراعي الثاني وهو روسيا، وقد اتسمت الرعاية الأمريكية لعملية السلام منذ ذلك الوقت وحتى الآن بالازدواجية والانحياز للطرف الإسرائيلي وعدم وجود رغبة حقيقية وإرادة قوية للضغط على الجانب الإسرائيلي لتنفيذ التزاماته في خطة خريطة الطريق التي طرحتها الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس جورج بوش الابن، وترعاها اللجنة الرباعية.
وقد أدت السياسة الأمريكية هذه إلى تفريغ كل اتفاقات وتفاهمات السلام التي أُبرمت بين الفلسطينيين والإسرائيليين من مضمونها ونتيجة أيضا لسياسة المراوغة والمماطلة الإسرائيلية، حيث انضمت الولايات المتحدة إلى إسرائيل في تحميل الطرف الفلسطيني المسؤولية عن عدم إحراز تقدم في عملية السلام وقدمت شروطا أحادية للفلسطينيين بتفكيك البنية الاساسية للمقاومة الفلسطينية والاعتراف بإسرائيل كشرط لإحراز تقدم على صعيد السلام، ورغم أن الرئيس بوش طرح في عام 2002 فكرة إقامة دولتين تعيشان إلى جوار بعضهما البعض هما إسرائيل والدولة الفلسطينية، فإنها لم تطبق على أرض الواقع، وعكست بشكل واضح عدم وجود نية أو رغبة حقيقية من جانب الإدارة الأمريكية لتحقيق هدف إقامة هذه الدولة، واختزلت السياسة الأمريكية تجاه عملية السلام في التصريحات والأقوال والمبادرات دون أن تترجم إلى سياسات ملموسة على الأرض. ويمكن القول صراحة إنه في ظل المعادلة الحالية، فإن الطرف الوحيد القادر على الضغط على إسرائيل هو الولايات المتحدة، والقادر على إقامة الدولة الفلسطينية، لكن في ظل الإدارة الحالية لا يمكن التفاؤل بإمكانية تحقيق إنجاز حقيقي على صعيد عملية السلام وإقامة الدولة الفلسطينية، وذلك لأسباب عديدة منها اقتراب نهاية فترة تلك الإدارة والخشية من إغضاب اللوبي اليهودي في أمريكا بما قد يؤثر سلبا على فرص المرشح الجمهوري في الفوز في الانتخابات الرئاسية، كذلك العلاقة العضوية التي تربط أمريكا وإسرائيل وهي قاسم مشترك لكل الإدارات الأمريكية السابقة واللاحقة، إضافة لعدم وجود رغبة حقيقية من جانب الحكومة الإسرائيلية لتقديم تنازلات جوهرية على صعيد عملية السلام. ولا شك أن السياسة الأمريكية تتعامل مع القضية الفلسطينية بمنطق وظيفي، أي توظيفها لخدمة مصالحها وسياستها في الشرق الأوسط، فهي تقوم بتبريد الجبهة الفلسطينية عندما تريد تسخين جبهة اخرى في المنطقة، وذلك لحشد الدعم العربي لسياستها، وقد برز ذلك إبان حرب الخليج الثانية عندما دعت إلى مؤتمر مدريد، ثم بعد حرب الخليج الثالثة عندما طرحت خطة خريطة الطريق والاعتراف لأول مرة بحق الفلسطينيين بإقامة دولة مستقلة لهم، ثم التحرك الدبلوماسي المكثف على هذا المسار لحشد الدعم العربي ضد سياسة التصعيد الأمريكية ضد إيران بسبب برنامجها النووي، وبالتالي على مدى أكثر من عقدين من انطلاق عملية السلام وصلت الأمور في نهاية المطاف إلى استمرار إسرائيل في سياستها في إقامة المستوطنات وتهويد القدس وتحويل الأراضي الفلسطينية إلى كانتونات، ولم تتحق إنجازات جوهرية على صعيد السلام حيث تحولت القضية الفلسطينية من قضية سياسية وقضية مصير تتعلق بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني التي تقرها الشرعية الدولية، إلى قضية إنسانية وضرورة رفع الحصار الاقتصادي على الفلسطينيين ومجرد لقاءات رمزية بين الرئيس أبو مازن ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت وجولات مكوكية للمبعوثين الأمريكيين وعلى رأسهم وزيرة الخارجية كونداليزا رايس إلى المنطقة والحصاد النهائي هو استمرار معاناة الشعب الفلسطيني الذي تفاقمت مأساته الإنسانية في غزة.
وأخيرا فإذا كان الخلل في النظام الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، هو المسؤول بشكل أساسي عن ضياع القضية الفلسطينية، فإن هناك عوامل اخرى ساهمت في فاعلية هذا العامل وأبرزها الضعف العربي وعدم وجود استراتيجية عربية موحدة ومحددة تجاه القضية الفلسطينية، والانقسام الفلسطيني الفلسطيني الذي وصل إلى حد المواجهات المسلحة ووجود كيانين منفصلين أحدهما في الضفة ويخضع للسلطة والآخر في غزة ويخضع لحركة حماس، وقد وظفت إسرائيل والولايات المتحدة هذه التناقضات جيدا لتحقيق أهدافها في تمييع القضية الفلسطينية واختزالها في كانتونات مفتتة لا تصلح لإقامة دولة مع استمرار الاستيطان والتهويد، وبالتالي بدون وقفة عربية وفلسطينية ومراجعة حقيقية للسياسات السابقة، فسوف تأتي الذكرى السبعون للنكبة، وقد ضاع ما تبقي من القضية الفلسطينية.

  رجوع