الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

العودة إلى نقطة البداية في الشرق الأوسط !
راكان المجالي

بعد ثمانية عشر عاماً على انطلاق (تسوية مدريد)، أو ما اصطلح على تسميتها (عملية سلام الشرق الأوسط)، تتوالى خطب وتصريحات نعيها ، سواء على هيئة (خيبات وخذلان وأسف) ، أو على هيئة (شماتة) ، على المصير الذي آلت اليه جهود اطراف عديدة ، محلية واقليمية ودولية ، في الوصول إلى تسوية تاريخية للصراع في الشرق الأوسط . فما معنى ذلك..؟.
لا يبدو الامر مفاجئاً لأحد في المنطقة . فالمخذولون والشامتون يبدون اكثر (حكمة..!) من اي وقت مضى ، بشكل يجعل (الفشل)، كما هي العادة في المنطقة العربية يبدو (لقيطاً) أو مجهول النسب.
والحق ان التصريحات الفلسطينية الأخيرة لم تكن أول المؤشرات على الفشل الفعلي لـ(عملية التسوية)، بقدر ما هي اعلان لأحد اطراف العملية ، عن عدم قدرته على الاستمرار في عملية التسوية ، وفق شروطها السرية أو المعلنة ، لافتقاده لمعظم ادوات وعناصر الاستمرار فيها.
ففي مثل هذه الايام ، من خريف عام 1996، وعشية فوز بنيامين نتنياهو رئيساً للحكومة الاسرائيلية للمرة الأولى (وللمفارقة في التشابه بين الامس واليوم ، كانت الادارة الأمريكية برئاسة بيل كلينتون ، كما هي اليوم برئاسة باراك أوباما ، وكلاهما من الحزب الديمقراطي، يقابلهما حكومة يمينية اسرائيلية بزعامة نتنياهو) ، أوعز العاهل المغربي الراحل ، الملك الحسن الثاني ، إلى (اكاديمية المملكة المغربية) لعقد ندوة عالمية ، يشارك فيها عرب وأوروبيون وأمريكيون واسرائيليون ، للاجابة عن سؤال واحد هو: (وماذا لو اخفقت عملية السلام في الشرق الأوسط؟). ولسبب ما ، فقد رغب راعي الاكاديمية المغربية في ان تعقد تلك الندوة في الاردن، وليس في المغرب. وبالفعل فقد عقدت الندوة في عمان ، في الشهر الاخير من ذلك العام ، ورعاها الامير حسن ، ولي عهد الاردن آنذاك. وللأسف ، وعلى الرغم من اقرار معظم المشاركين باخفاق عملية السلام في الشرق الأوسط ، وتوافقهم نسبيا في تشريح (جثة السلام) ، الا انهم لم يتمكنوا من تحديد ملامح فعلية لما يمكن ان يحدث ما بعد عملية الاخفاق.
من عادة ان يعيد الفشل أصحابه ، وحتى معارضيه ، إلى أول الاشياء ، درساً وتفكراً وتفهماً وعبرة ، الا في بلادنا. فالفشل الكبير يغرق الجميع في دوامة التفاصيل والملامة وخصوصاً حكمة الادعاء الجوفاء: (ألم نقل لكم..؟!).
فجوهر عملية (سلام الشرق الأوسط) ، هو انها عملية سياسية ، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بوضع (تصميمها) ، ثم اطلقتها برعايتها ، بمشاركة رمزية من الاتحاد السوفييتي السابق ثم روسيا الاتحادية. اما الهدف المعلن لها ، فهو ايجاد حل للقضية الفلسطينية ، وتسوية الصراع العربي الصهيوني ، وصولاً إلى سلام في المنطقة ، يحكمه (نظام إقليمي جديد).
وقد باشر الراعي الامريكي ، منذ انعقاد مؤتمر مدريد (1991) اجراء مفاوضات متعددة الاطراف ، بهدف اقامة نظام اقليمي جديد ، يكون لإسرائيل فيه مكان مميز، وهو (نظام الشرق الأوسط). وهذا النظام جرى اعداده في (معهد الشرق الأوسط) في جامعة هارفارد ، خلال عقد الثمانينات ، ويتضمن ستة قطاعات اساسية هي: الاقتصاد ، والتسليح ، والبيئة ، والسكان ، وأنظمة الحكم ، وتوزيع الثروة . وهناك رؤية اسرائيلية وتصوّر حول كل قطاع من هذه القطاعات ، لما ينبغي ان يكون عليه الوضع في المنطقة ، والدور الخاص الذي يجب ان تؤديه اسرائيل فيه.
وهو النظام نفسه ، الذي عبر عنه شمعون بيريز، في مقال كتبه (بالعربية..)، بعنوان: (عصر جديد ، لا يطيق المتخلفين ، ولا يغفر للجهلة)، ثم قام بتطويره وشرحه في كتاب بعنوان (الشرق الأوسط الجديد).
وبالفعل، حشد الراعي الأمريكي للعملية دعماً كبيرا،ً في اعقاب انعقاد مؤتمر مدريد ، فأقنع ثلاثين دولة بالمشاركة في اجتماعات لجان المفاوضات ، المتعددة الاطراف ، المختصة بقطاعات انشاء نظام اقليمي جديد ، واحاطها بأضواء اعلامية مكثفة. وما لبثت قوة الدفع الأمريكية ، لدفع ذلك النظام قدما ، ان تضاءلت تدريجياً.
المنطلقات الأمريكية لرعاية التسوية انطلقت من فرضيتين اساسيتين ، لم تثبت صحة اي منهما حتى هذه اللحظة. الفرضية الأولى: هي ان مجرد الاتيان بأطراف الصراع ، والجلوس على مائدة المفاوضات ، كفيل بتوفير قوة دفع ذاتية لعملية التسوية ، وايصال الاطراف إلى اتفاقات.اما الثانية فهي: انه في حال تعثرت المفاوضات ، ووصلت إلى طريق مسدود ، فان بإمكان الراعي الأمريكي للمؤتمر التدخل من موقع (الحكم) لحسم الامر. وهي فرضية قدمها هنري كيسنجر، وزير الخارجية الامريكية المخضرم ، في ورقة عمل بعنوان: (برنامج لما بعد الحرب) ، مشدداً على ان (تتم عملية التسوية للصراع العربي الاسرائيلي بعيداً عن الامم المتحدة، كي لا تستدرج الولايات المتحدة الأمريكية ، بتأييدها اسرائيل إلى موقع الخصم ، وان تتولى هي رعاية العملية مع الاتحاد السوفييتي ، لتصبح حكماً).
ومن مفارقات البداية ، التي تشبه مفارقات ما يسمونه الآن بالنهاية ، ان اسحق شامير رئيس حكومة اسرائيل الذي بدأ المفاوضات وشارك في مؤتمر مدريد ، حين فشل في الانتخابات الاسرائيلية ، وبعد تسعة أشهر من الشروع في عملية التسوية ، صرح: انه كان عازماً على ابقاء المفاوضات عشر سنين ، والمضي قدماً اثناء المفاوضات في الاستيطان حتى لا يبقى شيء يتفاوض عليه (!؟).
واليوم ، وعشية التمهيد للاخفاق تهيئة للانتقال إلى مرحلة اخرى من مراحل (الادارة بالكوارث) ، يجري التهليل والتسريب لمبادرة الرئيس أوباما ، بعد فشل جولات ميتشل ، في تسويق تجديد دورة عملية التسوية ، عبر استئناف المفاوضات ووقف المستوطنات ، مقابل تطبيع عربي جماعي . وهو تماماً ما قام به (جيمس بيكر) ، عندما تعثرت مفاوضات مدريد ، بعد انطلاقها حين جاء إلى المنطقة حاملاً مشروعاً ، اهم ما كان فيه هو التزام اسرائيل بوقف المستوطنات قدر الاماكن كثيفة السكان ، مقابل تقديم ضمانات القروض لإسرائيل وكذلك بعض المقترحات في قضية القدس ، يحولها إلى مجرد (اماكن عبادة) ، مقابل الغاء المقاطعة العربية للشركات الاجنبية التي تتعامل مع اسرائيل..؟!.
بالادارتين الأمريكيتين الجمهوريتين التاليين لم يتغير الكثير في جوهر الهدف الأمريكي للتسوية. فأحداث سبتمبر الأمريكية ، منحت الادارة الجمهورية المحافظة زخماً لتحويل المشروع إلى (نظام إقليمي كبير) يخص (شرق أوسط كبير)، وهو بالضبط ما رآه الناس والانظمة، في اعقاب (حرب الصدمة والترويع)، من ضغوط بشأن الديمقراطية وحقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني. اي باختصار شديد، فشلت الادارة الأمريكية، منذ عام 1991، في كل محاولاتها اقامة (نظام اقليمي جديد) لا مكان فيه (للمتخلفين)، ولا (يغفر للجهلة) على حد تعبير شمعون بيريز...!!؟

  رجوع