الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

مراس
س والأسعار وما تعلمون
يكتبها : عصام الشيدي

كانت الشمس تنثر خيوطها على جنبات المقهى وردهاته عندما التقيت بصديق قديم لم أره منذ سنة تقريبا، جلس قبالتي وقد تغيرت ملامحه وتلاشت ابتسامة لا تفارقه منذ عرفته. ورغم فارق السن بيني وبينه إلا أنني ولوقت طويل كنت أحب الجلوس معه يوميا؛ لأعرف مغامرات الزمن المنصرم وكيف كانت الأمكنة وروائحها في زمن لم يخل رغم كل شيء من جمال. كان يرتشف الشاي وأنا أرنو إلى تقاسيم وجهه وما تخبئه من كلام كثير، حتى بدأ حديثه من الماضي كما عهدته « كل شيء تغير، لم يبق شيء على حاله، العام يمر وتتغير معه أشياء كثيرة كأنه عقد. تصور قبل ثلاث سنوات كنت أذهب إلى السوق صباح استلام الراتب لأملأ سيارتي (وأشار إلى سيارته البيك آب) بكل ما نحتاجه أنا والأسرة لمدة شهر كامل، ولا يتجاوز سعر ذلك كله 60 ريالا وإن وصل السبعين تأففنا كثيرا، واليوم تخرج تحمل أكياسا تحملها في يدك فقط وتدفع قيمة ما فيها أكثر من الـ60 ريالا واصل ارتشاف شايه ميمما وجهه إلى الخارج حيث سيل السيارات لا يتوقف، فكرت كيف أناقشه عن حال السوق، وأسعار النفط، والتضخم، والعولمة، والسوق الحر، لكنه عاجلني بصرخة قوية لفتت انتباه الجميع.
«لا نعرف ولا نريد عن مبررات أهل الاقتصاد، كل ما يهمنا كيف نؤمن لأبنائنا ولأسرنا احتياجاتهم من الأكل والشرب على الأقل».
تصور 165 ريالا فقط بعد 23 عاما من العمل، 15 ريالا لفاتورة الكهرباء، و10 للهاتف، و20 ريالا لناقلة الماء و10 ريالات مصروف الأبناء للمدرسة، تخيل عشرة ريالات فقط، سبعة أبناء يتناوبون على أخذ المصروف للمدرسة، و20 ريالا مصروف لوقود السيارة من وإلى مقر العمل إضافة إلى مشاوير قصيرة جدا، و40 ريالا قيمة السمك لكل شهر». صمت قليلا ثم قال: وماذا بقي لمصروف البيت من المواد الغذائية ؟؟ لا شيء صدقني نتدين شهريا من أجل توفير أدنى متطلبات الأكل لأبنائنا.
تحدث كثيرا بينما كنت أسرح بعيدا، حيث الوقت الذي ستحكي فيه جداتنا عن انه كان في قديم الزمان في عمان مواطن يتسوق بـ60 ريالا لشهر كامل كما يفعل صديقي العجوز.

فاصلة منقوطة:
صديقي ليس إلا واحدا من بين الآلاف الذين أنهكتهم الأسعار، وأتعبت أدمغتهم الكثير من المصطلحات التي تبرر الارتفاع مثل التضخم، والسوق الحر، والتجارة العالمية، حتى تركت الكثير من التجاعيد على وجوههم النظرة، متسائلين في دخيلة أنفسهم متى سيستطيعون الرد على أطفالهم على السؤال المتكرر. « أليس في أسواقنا يا أبي فواكه مثل التي نراها في التلفزيون تشتري لنا مثلها؟!.

  رجوع