إن الإشكال المثير للشركات متعددة الجنسيات هو
التأثير السلبي الذي تزحف به على سيادة الدول
المضيفة؛ حيث أن قواعد القانون الدولي عملت
مبدئيا على تقليص تلك السيادة المطلقة التي
كانت تتمتع بها الدول سابقا وجعلتها سيادة
نسبية
إن تأثير الشركات متعددة الجنسيات على سيادة
الدول لفت انتباه المهتمين في السياسة
والاقتصاد بسبب ما لهذه الأخيرة من قوة و نفوذ
خارق؛ أصبح معه هذا التأثير ذا أبعاد ثلاثية:
كونية وقارية وإقليمية ووطنية قومية؛ وسيختلف
مداه وحجمه على سيادة الدول باختلاف الجهة
موضوع التأثير؛حيث يمس في آن واحد الدول الأم
الباعثة والدول المضيفة؛ ويهم أيضا الدول
المتقدمة و النامية على السواء؛ وهو في نفس
الوقت تأثير إيجابي وسلبي؛ إلا أن ما يثير
التساؤل بشكل أكثر هو ذاك التأثير السلبي الذي
يمس الدول المضيفة وبشكل خاص النامية منها.
وللشركات تأثير إيجابي على دولها الأصلية
يتجلى في إيفاد الأرصدة المالية والعوائد
المادية والأرباح إليها؛ وفي المساهمة في
تصدير منتجاتها إلى خارج الإقليم وبالتالي
إنعاش الاقتصاد الوطني وتشغيل العمالة الوطنية
وتحريك عجلة الإنتاج والتسويق بالداخل والخارج؛
أما التأثير السلبي لهذه الشركات على دولها
فيتجلى بشكل عام في ما تخلقه لها من إحراج
داخليا ودوليا؛حيث أنها تقوى على اقتناء وسائل
إعلام محلية وعالمية قوية كاقتنائها لقناة خخٴ
الأمريكية مثلا؛و توريط البلد الأصلي أحيانا
في منازعات مصلحية مع غيرها من الدول؛ كما
تتورط هي ذاتها في قضايا فساد دولي؛ بل تقوى
أحيانا على التسلق إلى المنابر السياسية
الوطنية المؤثرة برلمانية كانت أو حكومية
وتتخندق في مجموعات ضغط للتأثير في صنع القرار؛
دون إغفال أن لها تأثيرا على الحكومات القائمة
في بلدانها بالدول الرأسمالية الكبرى (كفرنسا
وألمانيا مثل)ا؛حيث تتنافس هذه الأخيرة على
خفض كل من معدلات الفائدة والضرائب المباشرة
على الأرباح بدعوى الإصلاح الاقتصادي للمنظومة
المالية السائدة ،وهو ما يكون وخيم العواقب
على باقي انواع الضرائب يؤدي في الأخير إلى
رفع الضرائب غير المباشرة وبالتالي إلى إرهاق
المستهلك أي المواطن العادي.
وإن ما يلفت الاهتمام بشكل خاص هو تأثير هذه
الشركات على الدول المضيفة حيث أن العلاقة
فيما بينهما تبدو ظاهريا علاقة ودية يسودها
الوئام والتفاهم المتبادل، من خلال استفادة
الطرفين مما يتبادلانه من مصالح استنهاضا
للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلية؛ إلا
أن الحقيقة تفيد أن كل من الطرفين يسعى وراء
مصلحته الخاصة بدرجة أساسية.
وهكذا فإن هذا التأثير الإيجابي له قراءة
سياسية تفيد أن الدولة تنهج سياسة الانفتاح
على الاستثمار الأجنبي وسياسة تنويع الشركاء
الاقتصاديين الدوليين وإظهار أن تشريعاتها
الوطنية تسع أيضا مبادرة الفاعلين الاقتصاديين
الدوليين في المجال التنموي إسوة بالفاعلين
الوطنيين؛ كما أن ثمة قراءة ثانية اقتصادية
لهذه الإيجابيات تتجلى في أن هذه الشركات تجلب
للدولة المضيفة تكنولوجيا حديثة ومتطورة تسهم
في إنتاج منتجات ذات جودة عالية؛ وتسهم في رفع
مستوى أداء العمال من خلال التدريب المستمر
وتحفيز الشركات المحلية على تحسين جودة
منتجاتها في ظل المنافسة.
إن الإشكال المثير للشركات متعددة الجنسيات هو
التأثير السلبي الذي تزحف به على سيادة الدول
المضيفة؛ حيث أن قواعد القانون الدولي عملت
مبدئيا على تقليص تلك السيادة المطلقة التي
كانت تتمتع بها الدول سابقا وجعلتها سيادة
نسبية؛ سيادة ليس من أجل السيادة في حد ذاتها
بل سيادة الوفاء بالالتزامات الدستورية وسيادة
تنفيذ البرامج التنموية المعقدة المعاصرة بعد
انتهاء عهد دولة الرفاه الاجتماعي الموعود بها؛
وثمة بشكل عام أكثر من عامل سياسي واقتصادي
واجتماعي وثقافي يسهم في تقليص سيادة الدولة
ويكبح انطلاقتها و إطلاقيتها.
وإذا ما سلفت الإشارة إلى أن للشركات متعددة
الجنسيات دورا إيجابيا تجاه مؤسسة الدولة
وتجاه سيادتها؛ فإن لها عواقب على الدول
المضيفة وخيمة حيث أن ضررها أكبر من نفعها على
هذه الدول ذاتها؛ ويمكن أن نجمل أهمها كما يلي:
1 ـ على المستوى السياسي: يمكن أن نلخص
العواقب بشكل عام كما يلي :
ـ الحد من حرية الدولة المضيفة في المجال
التشريعي بتقليص صلاحياتها في إصدار القوانين؛
وذلك بالحث على مراعاة هذه الشركات وتمييزها
عن غيرها ضدا على مبدأ المساواة الدستوري؛
تكريسا لسياسة استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية
في إطار تشجيع الاستثمار الأجنبي.
ـ الضغط على حكومات الدول النامية من أجل
تغاضي أجهزتها المالية والرقابية عن مخالفاتها
القانونية.
ـ التأثير في بعض ضعاف النفوس من الفاعلين
السياسيين بتقديم الرشاوى إليهم وتشجيع الفساد
الإداري والمالي (مثال شركة لوكهيد الأمريكية
للطائرات)؛ بما في ذلك تمويل الحملات
الانتخابية لبعض الرؤساء والمسئولين ضمانا
لاستمراريتهم في الحكم من أجل الاستمرار في
التمتع بالامتيازات والتسهيلات.
ـ كسر احتكارية الدول المضيفة في بعض المجالات
الحيوية السيادية كمجال السلاح ومجال توفير
الأمن و محاربة الجريمة وإدارة السجون و
مكافحة الإرهاب والأمن الإلكتروني وتدبير شأن
الاتصالات والمواصلات.
ـ تفضيل التعامل مع منظمات المجتمع المدني غير
الحكومية دون المؤسسات الحكومية.
ـ إمكانية اقتناء وسائل الإعلام والنفاذ إلى
باقي وسائل الاتصال من أجل التأثير على الرأي
العام الوطني والدولي.
ـ جر الدولة المضيفة إلى هيئات التحكيم من طرف
الشركات متعددة الجنسيات عند حدوث نزاع ثنائي.
ـ المطالبة بتدخل الدول الكبرى من أجل حماية
المصالح الأجنبية وإقرار مبدأ التعويض عن
الأضرار كمبدأ من مبادئ القانون الدولي العام؛
وكذا التدخل الدولي تحت ذريعة الاعتبارات
الإنسانية كحماية حقوق الإنسان وحماية حقوق
الجماعوت و مقاومة ظاهرة الإرهاب الدولي
وغيرها.
ـ استغلال بعض الشركات للنزاعات الداخلية
القائمة داخل الدولة من أجل الحفاظ على بسط
نفوذها في بعض الأسواق ببعض الدول النامية
مثال ذلك :(قضية شركة تركيب الخشب بدولة
ليبيريا).
2ـ على المستوى الاقتصادي والاجتماعي :وتتجلى
أهمها في :
ـ العمل على إبعاد القطاع العام عن مختلف
المعاملات التجارية والاقتصادية.
ـ اللجوء إلى نظام الخصخصة وإحالة العاملين
إلى التقاعد المبكر.
ـ الإضعاف من دور القوى العاملة بما فيها
النقابات وتجاهلها بدعوى إصلاح سوق العمل.
ـ إعادة اقتسام الناتج المحلي لمصلحة رؤوس
الأموال وعلى حساب القوى العاملة.
ـ التدخل من أجل تحديد مستوى الإنتاج؛والتدخل
من أجل تحديد معدلات اهايدي العاملة.
ـ السماح بارتفاع الأسعار نتيجة الارتباط
الوثيق بالأسواق العالمية؛ والحد من تدخل
الدولة للتأثير على مستوى الأسعار وأنماط
الاستهلاك.
ـ تحديد نوعية ومواصفات السلع.
ـ ترك علاقات العمل خاضعة لآليات السوق الحرة
التي تتحكم بها الشركات.
ـ التملص من رقابة الدولة وسلطتها ومحاسبتها
وفرض الضرائب عليها.
ـ استغاثة الشركات عند إخفاقها في هذه المهمات
الجديدة بسلطات الدولة لانتشالها ومساعدتها
بكل الوسائل والطرق بما فيها إمدادها بالمال
العام؛ ، وسهولة التهرب من أداء الضرائب عبر
سياسة ترحيل الأرباح وتهريبها إلى الخارج؛مع
المطالبة بنهج سياسة التحرر من القيود على
أرباحها المحولة إلى البلد الأم.
ـ المطالبة بإعفاءات ضريبية أو بتخفيض في
الرسوم الجمركية.
ـ التحكم في وسائل الإعلام لصنع رأي عام مساند
وخير مثال على ذلك هيمنة 29 أكبر شركة أمريكية
على وسائل الإعلام من أجل التأثير على الرأي
العام الأمريكي.
ـ إيقاف الدعم عن القطاعات الاجتماعية الحيوية
وكذا عن المواد الاستهلاكية.
ـ ترسخ التبعية الغذائية وتكريس الثقافة
الاستهلاكية.
ـ الجاد بعض الشرائح الاجتماعية الطفيلية كتلك
التي تتعامل في مجال الاتجار في العقارات وفي
الاتجار في البشر وفي التأمين والتمويل
والعملة وغيرها.
وفي الختام إن مما يؤسف له بهذا الصدد أن
المجتمع الدولي لايزال عاجزا عن إصدار قواعد
قانونية دولية ملزمة بسبب امتناع الدول الكبرى
عن ذلك؛ وهذا ما أجج احتجاج دول العالم النامي
وحفز الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان
على أن يعلن سنة 2000 عن مبادرة الأمم المتحدة
المسماة بـ:«الاتفاق الكوني» lobal pact والذي
تم فيه الإعلان عن مسؤولية الشركات في مجال
حقوق الإنسان ومجالي قانون العمل والبيئة؛
وبعد فشل ذلك حثه اللجنة الفرعية لحماية
وتعزيز حقوق الإنسان بالأمم المتحدة منذ 1998
على إصدار وثيقة أكثر صرامة وهي ثيقة: «مسودة
مبادئ ومسؤوليات الشركات متعددة الجنسيات تجاه
حقوق الإنسان» في أغسطس 2003؛ ثم تم فيما بعد
تعيين «جون راغي» سنة 2005 ممثلا خاصا له في
قضايا الشركات المتعددة الجنسيات وحقوق
الإنسان؛ ويبقى في الأخير على كاهل الدول
النامية مضاعفة ضغوطها من أجل تنظيم هذا
المجال الحيوي الحساس؛ وعلى كاهل كل دولة على
حدة نهج سياسات داخلية تحد من قوة هذه الشركات
بنهج سياسات حمائية نسبية كما هو الشأن لدى
الولايات المتحدة الأمريكية؛ وترشيد ما يمنح
من امتيازات وتسهيلات لهذا النوع من الشركات؛
وعدم السماح بدخول الشركات التي من شأنها
منافسة بعض القطاعات الوطنية كما هو الشأن
حاليا لدى دولة ماليزيا؛ دون إغفال العمل على
ترشيد عملية ترشيد الادخار المحلي وترشيد
الاستهلاك؛ ودمقرطة الحياة السياسية
والاقتصادية والاجتماعية في الأخير لأن ذلك هو
مفتاح تقدم الشعوب والأمم.