«ما من شك أن
مسؤولية الساسة والمفكرين في هذا المجال تزداد
أهميتها، وما من شك أيضا أن السياسيين قد
قاموا ببعض الجهود في هذا المجال تمثلت في
الاتفاقيات العربية بشأن مكافحة الإرهاب
وتمويله. ولكن وضع الاتفاقيات، ووضع التشريعات
القانونية ليس وحده السبيل للتغلب على مثل هذه
التحديات المفروضة من الخارج، فإلى جانب ذلك
لا بد من إشراك الفئات الفاعلة في مجتمعات
الأمة في المعالجة المنشودة».
إن ما يفتعل اليوم من تصادم فكري بين الأمم
والأديان، وما يتخذ من مواقف عدائية ضد
الإسلام كدين، والعرب كأمة، إنما هو بسبب
طموحات بعض القوى الكبرى في السيطرة على
العالم، وبسبب التضارب في المصالح والتطلعات
والتنافس فيما بينها وبين كيانات إقليمية
ودولية أخرى.
والغاية الأساسية من ذلك ليست القضاء على
الإسلام نفسه، لأنه لا أحد من البشر يستطيع
ذلك، لكن المقصود هو إبقاء العرب في حالة
متجددة من مواجهات داخلية تشل القدرات، وتبقي
الموقف العربي في وضع لا يسمح له بالتصدي
للتحديات الخارجية، وتحديات التنمية الداخلية
والتطوير، وذلك بسلب مقومات الحياة الآمنة
لجميع مكونات الأمة، واستنزاف طاقاتها
وإمكاناتها في مسائل انتكاسية تقضي على أي جهد
عربي للتطور والنهوض. وأبرز مظاهر ذلك ما نراه
اليوم في عدد من بلداننا العربية، العراق،
لبنان، فلسطين، السودان، الصومال.
وما نعايشه بقلق بالغ في بعض الدول العربية
الاخرى ، حيث تدأب دوائر سياسية وفكرية مجاورة
وغربية على إذكاء التفرقة الدينية والاجتماعية
في تلك البلدان، ربما كمرحلة تالية من مراحل
السير في هذا المخطط. الأمر الذي أوصل بعض تلك
الأقطار إلى حالة عدم استقرار يروح بسببها
كثير من الأرواح.
ولا شك أن استمرار الوضع على هذه الشاكلة،
يضاعف احتمالات تطوره واتساع نطاقه، وبالتالي
زيادة حدة الضغط على منطقتنا، والتأثير على
نهوضها وتطورها، وهذا من شأنه أن يجعل مهمتنا
في التصدي صعبة، وتحتاج إلى معالجة شاملة أرى
أنه في الإمكان إنجازها إذا ما تم توظيف
الطاقات المناسبة لذلك.
ومن وجهة نظري فإن أسلوب المعالجة ينبغي أن
يقوم على دراسة واقعنا القائم دراسة علمية
تحيط بالمسألة من جميع جوانبها وهذا يستلزم
قيام المؤسسات السياسية العربية صاحبة
الاختصاص بتنظيم مؤتمر على مستوى نموذجي من
المفكرين والفقهاء، والكتاب، وعلماء الاجتماع،
والخبراء الاقتصاديين والقانونيين والأمنيين،
والتربويين، والنفسيين، والإعلاميين،
والسياسيين بالإضافة إلى خبراء في الدعوة
الدينية.
وفي رأيي فإن هذا المؤتمر ينبغي أن يأخذ في
الحسبان المعالجة الشاملة للمسألة مستفيدا في
هذا المجال من الرأي الدولي المتنامي الداعي
إلى ضرورة التحديد الدقيق لمعنى المصطلحات
السياسية، والفكرية، والاجتماعية، التي يتم
تداولها في الأزمات، مثل مصطلح الإرهاب على
سبيل المثال بحيث ينص استخدامها مباشرة على
نوع الأعمال التي يتفق دوليا على تسميتها
إرهابية. والتأكيد على عدم جواز الربط بين
الدين بقدسيته وسمو مبادئه وبين بواعث الأعمال
الخارجة على النظام التي يعلم الجميع حقيقة
دوافعها.
إن إيماننا الراسخ بأن دين الإسلام والفكر
المنبثق عنه لا يوجد فيه إلا القيم الرفيعة،
التي تقدس شأن الإنسان مطلقا، وتعلي قيمته،
دون اعتبار لدين أو لغة أو عرق. فالناس جميعا
متساوون أولاد أب واحد وأم واحدة كما هو متقرر
في القرآن العظيم .
وحين أقر القرآن بالتمايز الشعبي والقبلي بين
الناس للدواعي والاحتياجات التي تستتبع ذلك
التمايز، قرر في نفس الوقت أن ذلك ليس بقصد
استعلاء عنصر على آخر وإنما بقصد التعارف،
والتعارف مفهوم إيجابي لأنه يفضي إلى التعامل
الذي هو مظهر من مظاهر التعاون، فلا معاملة
بدون معرفة ولهذا ختمت هذه الآية بقوله تعالى
(إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات(13).
وهذا التكريم الذي يناله بعض الناس عند خالقهم
هو بسبب ما يقدمونه في حياتهم من خير لأنفسهم
وللإنسانية وللكون وبما يدفعونه من شر،
والتقوى مفهوم عام يعني في مجمله الالتزام
بقواعد الدين وقوانينه بمعنى أن المتقي الذي
يحظى بالأكرمية عند الله هو ذلك الإنسان
الملتزم في نفسه تأدية فروض العبادة، والملتزم
في مجتمعه الإنساني بالنظام فيحافظ على
المكتسبات ويصون الأنفس.
لقد قرر الله في القرآن أنه خلق الإنسان في
أحسن تقويم وأنه كرّم أصل الخلقة الآدمية حين
أسجد الملائكة لأبي البشر آدم عليه السلام
وأنه كرّم بني آدم وفضلهم على كثير ممن خلق .
وكمظهر من مظاهر التكريم الإلهي للإنسان فقد
سخر الله تبارك وتعالى لأبناء آدم ما في
السماوات وما في الأرض:
ومعنى ذلك أن الإنسان أكرم على الله من الأرض
وما عليها، وهذه الكرامة جعلها الله للإنسان
بصفته الآدمية المطلقة لا بصفته الدينية أو
العرقية، والدليل على ذلك أيضا سلوك النبي صلى
الله عليه وآله وسلم فقد وقف يوما لجنازة مرت
أمامه، فقال له أحد أصحابه إنها جنازة يهودي
(يبدو أن الصحابي استعظم وقوف النبي لجنازة
شخص يمارس قومه عداوة بالغة ضد الإسلام ونبيه)
لكن الرسول رد عليه بقوله: (أوليست نفسا خلقها
الله). فأين هي الألباب المتبصرة والعقول
المنصفة من هذا التطبيق النبوي لمبادئ الإسلام
الذي يقف إجلالا للنفس الآدمية حية وميتة حتى
وإن كانت عدوة.
كما أن الإسلام حين حرم قتل النفس لم يقيد هذا
التحريم على النفس المسلمة بل جعله مطلقا يشمل
النفس الآدمية سواء كانت مسلمة أو كافرة
بالإسلام وذلك قوله تعالى:
(ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)
الإسراء(33). بل إن الإسلام قد عد قتل نفس
واحدة بدون وجه حق هو بمثابة قتل كل الناس كما
عد صيانة النفس الإنسانية الواحدة وحمايتها من
الهلاك بمثابة إحياء للناس جميعا وذلك قوله
تعالى: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في
الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها
فكأنما أحيا الناس جميعا) المائدة(32). فهل
بعد هذه المبادئ التي تحتويها دفتي المصحف
يمكن أن يقال أن نصوص الإسلام تعلم الإرهاب أو
أنها تميز المسلم عن غير المسلم؟
لقد بلغ الإسلام الغاية في تكريم الإنسان بأن
كفل له الحرية التامة في كل شيء، فعلى سبيل
المثال وليس الحصر قررت الشريعة الإسلامية
حرية الإنسان في:
التفكير والاعتقاد والتعبير
ففي مجال حرية التفكير دعا الإسلام إلى حرية
العقل وتحريره من الخضوع للأوهام والخرافات
والتقاليد والعادات لأن العقل في الإسلام هو
مناط التكليف، فالقرآن يعتمد في إثبات وجود
الله على العقل، ويعتمد في إقناع الناس
بالإسلام على العقل، إنه يدعو في كل شيء إلى
إيقاظ العقول ويستثير تفكير الناس بشتى
الوسائل فهو يحضهم على التفكير في خلق أنفسهم
وفي خلق السماوات والأرض وما فيهما من العوالم
وفي كل ما تقع عليه أبصارهم وتسمعه آذانهم.
والإسلام يبيح للإنسان أن يفكر فيما شاء كما
يشاء وهو آمن من التعرض للعقاب على تفكيره حتى
لو فكر في أشياء تحرمها الشريعة، والعلة في
ذلك أن الشريعة لا تحاسب الإنسان ولا تعاقبه
على ما يفكر فيه من قول أو فعل محرم وإنما
تؤاخذه على ما يقترفه من القول والفعل المحرم،
وذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
(إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به
أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم) ونحن نعلم
الآن أن القوانين العصرية لا تؤاخذ صاحب الفكر
على فكره المجرد إلا إذا سعى إلى تطبيقه في
حياة الناس وكان فكرا يلحق الأذى بمصالح
جماعات أخرى.
أما في مجال حرية الاعتقاد فإن الإسلام أول من
أباح حرية الاعتقاد وعمل على صيانة هذه الحرية
وحمايتها إلى آخر الحدود فلكل إنسان طبقا
للشريعة الإسلامية أن يعتنق من العقائد ما شاء
وليس لأحد أن يقمع آخر بسبب اعتقاده ولا أن
يمنعه من إظهار عقيدته أو يحمله على تركها أو
اعتناق غيرها إلا بالحوار والمجادلة بالتي هي
أحسن.
ومن أجل الوصول إلى قناعات إيمانية واحدة بين
المسلم وغير المسلم فإن الإسلام يقرر الحوار
كوسيلة مثلى لذلك، وحين يقرر الحوار فإنه يميز
بين الحوار التعسفي الذي يسلب الآخر اختياره
الحر في الاعتقاد وبين الحوار الإيجابي الذي
يسلم بهذا الحق للناس ويقبل بنتائجه فقواعد
الإسلام في هذا الصدد تتمثل في العناصر
التالية:
1 - يمنع الإسلام إكراه الناس على قبول الدين
(لا إكراه في الدين).(البقرة 256).
2 - يحدد وظيفة الرسول والدعاة في التبليغ
والتذكير فقط وليست السيطرة .
3 - يأمر الإسلام أتباعه بالدعوة إلى الدين
ولكن بالحكمة والبصيرة والمجادلة بالحسنى .
4 - يوجب الإسلام على الدعاة أن يلتزموا آدابا
حميدة كأن يقبلوا الناس على عفويتهم وأن
يصفحوا عمن يجهل عليهم وأن لا يبدأوا أحدا
بقول سيء ولا يجهروا به وأن لا يسبوا الذين
يدعون غير الله .
و إذا كان ربنا القائل (ومن يبتغ غير الإسلام
دينا فلن يقبل منه)آل عمران(85). قد أقر
التعددية الدينية فماذا يبقى للذين يتهمون
الإسلام بالعنصرية الدينية ويزعمون أنه يحارب
التعدديات القومية ويلغي خصائصها الثقافية مع
أنها أقل شأنا من إقرار تعدد المعتقد الذي
يشمل تعدد الأعراق والثقافات.
إننا نعيش اليوم في ظل وضع أشبه ما يكون بسوق
للمزايدة الفكرية ، تغشاه تيارات متباينة ،
منها ما يتخذ من الدين ستارا لتحقيق أهداف
سياسية، ومنها ما يلجأ إلى إشاعة أجواء الفتن
بين فئات الناس تحقيقا لمصالح خاصة، ومنها ما
قد يكون متدينا ولكن عن جهالة وتنطع، فيحمله
ذلك إلى الاعتقاد بأنه وحده على التدين الصحيح
ومن عداه ليس كذلك، فيلجأ إلى ممارسة التشدد
لفرض آرائه الخاصة، وهذا النوع من الفكر يسيء
إلى الدين الذي هو أسمى القيم التي نستمد منها
المبادئ العامة والأحكام التي تضبط النشاط
الإنساني وترسي حقوق الناس وواجباتهم، ويعيق
جهود الحكومات فيما يتصل بعمليات التنمية
الشاملة، وهو ما يستدعي التأكيد على أهمية وضع
استراتيجية شاملة تتصدى لمظاهر التشدد المفضي
إلى التطرف ، وذلك على النحو التالي:
∎ أولا: أن يتم وضع منهج راشد لأعمال الدعوة
والإرشاد والوعظ ، يعبر عن قيم الإسلام كما هي
في القرآن والسنة ،ووفق تفسير يأخذ في الحسبان
التطورات العلمية والفكرية الهائلة بعيدا عن
تصورات العصور الماضية حين لم تكن سيارة ولا
طائرة ولا حاسوب ولا علم فضاء ولا هندسة
وراثية ولا تنظيمات سياسية واقتصادية
واجتماعية كما هو الحال في زماننا، وأن يوظف
لذلك دعاة متخصصون للتوعية الدينية ونشر الفكر
الديني الصحيح بين الناس وأن يتم تنظيم وضبط
عمليات اعتلاء المنابر بحيث لا تكون متاحة إلا
للموثوق برشدهم وسعة فكرهم .
∎ ثانيا: أن يتم وضع مناهج تربوية تعليمية
تهيئ النشء لاستقبال التطورات الحضارية
البنّاءة واستيعابها بعقول منفتحة يتم تحصينها
بالمبادئ الدينية العامة وبالقيم الإنسانية
المشتركة. كما يجب على دور التعليم العالي أن
ترفد حقل الدعوة الدينية بمتخصصين عصريين في
التدريس الديني والفتوى والوعظ بحيث تتعزز
عملية الإرشاد والتوجيه في المنابر الدينية
والتعليمية والثقافية والإعلامية، ليضيق مجال
التأثير أمام الذين وقفوا عقولهم على آراء
القرون الماضية.
∎ ثالثا: إن كوننا أمة متعددة الأقطار يعني أن
الإنسان العربي في أي قطر يشترك مع أخيه
العربي من القطر الآخر في مشاهدة القنوات
التلفزيونية لمجموعة البلدان العربية وهذا
يستدعي جهدا إعلاميا عربيا متوافقا لبث الوعي
الديني الصحيح يتمثل فيما تبثه القنوات في كل
بلد من البرامج الدينية. بالإضافة إلى أهمية
التفكير في إنشاء قناة فضائية عربية مشتركة أو
أكثر تتحدث بلغات الأمم الفاعلة في المجتمع
الدولي بهدف تقديم صورة صحيحة للفكر الإسلامي
وإسهامات الحضارة الإسلامية لخير البشرية من
أجل التخفيف من آثار عمليات التشويه ضد
الإسلام كدين والعرب كأمة من قبل بعض مؤسسات
الإعلام الأجنبية. مع التركيز على أهمية تنسيق
الجهود في كل ذلك مع مجموعة الدول الإسلامية
وكذلك التكتلات الدولية الأخرى حتى تتوفر
لمخرجات هذه المعالجة أرضية تطبيقية مواتية.
في ضوء ذلك قد نستطيع أن نواجه التحديات
الداخلية التي تحرك من الخارج، وسنقطع الذريعة
أمام أي فئة تتجلبب بجلباب الدين وتمارس
أعمالا لا تمت إليه بصلة، وتكون النتيجة تشويه
الدين وتشويه الأمة، وتوفير ذريعة للقوى
الأخرى لتمارس علينا ضغوطها وابتزازها.
وما من شك أن مسؤولية الساسة والمفكرين في هذا
المجال تزداد أهميتها، وما من شك أيضا أن
السياسيين قد قاموا ببعض الجهود في هذا المجال
تمثلت في الاتفاقيات العربية بشأن مكافحة
الإرهاب وتمويله.
ولكن وضع الاتفاقيات، ووضع التشريعات
القانونية ليس وحده السبيل للتغلب على مثل هذه
التحديات المفروضة من الخارج، فإلى جانب ذلك
لا بد من إشراك الفئات الفاعلة في مجتمعات
الأمة في المعالجة المنشودة، ولا بد من إعادة
نظر في منظومة القوانين القضائية والاجتماعية
والسياسية والاقتصادية من أجل أن تتوفر لتلك
الاتفاقات والقوانين أرضية تطبيقية قوية تستند
إلى حالة توافقية بين السياسي والـْمَسُوسْ.