ترجمة قاسم مكي
منذ الحرب العالمية الثانية أنجبت التصرفات
الأمريكية (دون قصد) ثلاث أزمات لجوء ضخمة كان
ضحاياها (الهنود الصينيون) في جنوب شرق أسيا
والأكراد في شمالي العراق ، ثم الآن العراقيون
الذين نزحوا بسبب الحرب الراهنة. ومن المفيد
أن نقارن الكيفيات التي عالجنا بها (نحن
الأمريكيون) هذه الأزمات الثلاثة. ففي أعوام
السبعينات والثمانينات من القرن الماضي وعقب
حرب فيتنام ترك مليونا فيتنامي وكمبودي ولاوسي
ديارهم فرارا من أعمال العنف والجوع والقهر
السياسي ولجأوا الى تايلاند والبلدان الاخرى
في المنطقة. وللتصدي لهذه الأزمة دعت الولايات
المتحدة الى عقد مؤتمرين دوليين رفيعي المستوي
تحت رعاية الأمم المتحدة. كما قام صناع
السياسة الأمريكيون ،علاوة على تقديم عون
اقتصادي مؤثر للاجئين وللبلدان التي تستضيفهم
، باتخاذ إجراء غير عادي حيث أعيد توطين حوالي
1,2 مليون لاجئ هندوصيني (فيتنامي ولاوسي
وكمبودي) في الولايات المتحدة نفسها . وفي عام
1991 وبعد حرب الخليج الأولي هرب نصف مليون
كردي الى الحدود الجبلية مع تركيا للنجاة
بأنفسهم من غضب صدام حسين بسبب تمردهم ضده
بتشجيع من الولايات المتحدة. وبقي الفارون
هناك يعانون أوجاع اللجوء فيما ذهب مليون لاجئ
كردي آخر الى معسكرات في ايران. وقد قامت
الولايات المتحدة وحلفاؤها بتوجيه تحذير الى
صدام (كي يترك الأكراد وشأنهم). ثم أسرعت
بإعادة الأكراد الى شمالي العراق حيث تمت
حمايتهم هناك بموجب قرار حظر تحليق الطائرات
العراقية هناك. وسمحت تلك الخطوات للاكراد
ببناء كردستان العراق التي تشهد ازدهارا الآن.
ولكن ماذا بشأن المواطنين العراقيين الفارين
اليوم؟ لقد أدت حربنا الى نزوح 4 ملايين عراقي
منذ عام 2003 بمن فيهم مليونا نازح يعيشون
حاليا وراء الحدود في ظروف قاسية. ورغما عن
ذلك فقد سمحنا بوقوع معظم هذا العبء الذي شكله
اللاجئون والذي يمكن ان يقوض الاستقرار في
المنطقة على سوريا والأردن. لقد قدمنا بعض
العون الى البلدان المضيفة ولكن ليس الى سوريا.
وسمحنا فقط لقلة من العراقيين (أقل من 10000
لاجئ) بالاستقرار في الولايات المتحدة. وعددهم
يقل كثيرا عن أولئك الذين أعيد توطينهم في
السويد. وقد فشلت الولايات المتحدة على مدى
خمسة أعوام في جعل مشكلة (خروج) اللاجئين
العراقيين مثارا للاهتمام الوطني او الدولي.
لقد سمحت الولايات المتحدة بأن يتولى إدارة
هذه الأزمة الصف الثاني من مسؤوليها الحكوميين.
وكانت بطيئة في تقديم المساعدات المالية .
فالعون الذي قدم هذا العام وهو الأكبر حجما
حتى الآن يتجاوز 200 مليون دولار. ولكنه يشكل
فقط ربع ما هو مطلوب بحسب وكالات الإغاثة. وقد
شكا المفوض السامي لشؤون اللاجئين بالأمم
المتحدة من نفاد المخصصات المالية التي في يده
في أغسطس القادم. ما الذي يفسر تلك الاستجابات
المختلفة (من قبل الولايات المتحدة) لهذه
الأزمات الثلاثة؟ هنالك عدة تفسيرات يمكن أن
يخلص اليها المتأمل. أولا، ان قيادة البيت
الأبيض تلعب دورا حيويا في هذه المسألة(مسألة
اللاجئين). فالرئيسان كارتر وبوش (الاب) شاركا
شخصيا في تحريك الحكومة والشعب الأمريكيين
للتصدي لأزمتي اللاجئين السابقتين (في الهند
الصينية وكردستان). فقد اتخذ كارتر ذلك القرار
السياسي الصعب بالسماح بقدوم عدد ضخم من
اللاجئين الى الولايات المتحدة. ولكن هذه
المرة ( اي في حالة اللاجئين العراقيين) لم
يكن هنالك تدخل رئاسي يؤبه له في المشكلة .
ثانيا، ان الإحساس بالذنب كان هو العامل
المحرك في الأزمتين السابقتين. لقد كنا نعرف
أننا لن نعود عسكريا الى منطقة الهند الصينية
لإنقاذ الناس الذين هجرناهم. ولكننا في نفس
الوقت كنا مدركين بأننا مسؤولين عن نكبتهم
وبحثنا عن طرق لمساعدتهم. وعلي نحو مماثل قامت
الولايات المتحدة بتشجيع الأكراد على التمرد
في عام 1991 . وكان الفشل في تقديم العون
للاجئين الأكراد ( او لتركيا التي ساندت
مجهودنا في حرب الخليج) يرقي الى مرتبة
الخيانة. وبالمقارنة فان إدارة بوش الحالية
تبدو بدون إحساس بالذنب او تأنيب ضمير (تجاه
مشكلة اللاجئين العراقيين الراهنة). ثالثا،
يُلاحظ أن وسائط الإعلام (باستثناء تقارير
صحفية قليلة) لم تبد اكتراثا بحكاية اللاجئين
هذه المرة. وبعكس مشكلة لاجئي دارفور مثلا حيث
يمكن عرض صور مخيماتهم المكتظة والكئيبة ، فان
السبب في ذلك يعود جزئيا الى ان اللاجئين
العراقيين يعيشون في أحياء معمورة بسكانها في
مدن سوريا والأردن حيث يحصلون على أقواتهم من
منح غير كافية من جهات دولية ومن مهن غير
قانونية ومن وفوراتهم الخاصة التي تتقلص كل
يوم.غير أنهم لا يسكنون في مبان عشوائية تثير
الشفقة. رابعا وأخيرا فان أحداث 11 سبتمبر
غيّرت بالطبع من طبيعة احساسنا الوطني اذ صرنا
اقل ترحيبا بالغرباء عموما وأكثر تشككا في
العرب والمسلمين خصوصا. وللانصاف فإن الولايات
المتحدة لاتزال متورطة في حرب مكلفة وتفتقر
افتقارا شديدا الى التأييد الشعبي. ويركز
الشعب الامريكي ووسائل الإعلام تلقائيا على
الإصابات الامريكية في الحرب وحول ما اذا كان
بمستطاعنا بناء دولة يمكنها أداء مهامها في
العراق وأيضا موعد مغادرتنا. ولكن رغم ذلك فلا
يمكن لأي من هذه المبررات او الأسباب ان يشكل
عذرا لانعدام الاهتمام بحوالي مليوني شخص
اجبروا على ترك بلادهم بسبب أفعالنا. الحقيقة
الفاقعة هي انه لن تقوم اية حكومة أمريكية
سواء كانت جمهورية او دديمقراطية بإعادة توطين
مئات الآلاف من اللاجئين العراقيين في
الولايات المتحدة. والحل الأفضل كما هو الحال
دائما هو عودة اغلب اللاجئين الى ديارهم. أنهم
في حاجة الى إعادة إعمار حياتهم وبلدهم. وبعد
خمسة أعوام من الحرب فقد قل العنف . وتتيح
الأوضاع أملا في عودة جماعية. ولكن يوم تلك
العودة لم يحن بعد. ( رغم الوعد الذي صدر
مؤخرا عن الحكومة العراقية بمنح العائدين 195
مليون دولار .) وحتى يأتي ذلك اليوم فان
اللاجئين العراقيين يحتاجون الى الكثير من
العون. ويمكن للإدارة الأمريكية الحالية وهي
في ايامها الاخيرة أن تقدم على الاقل مساعدات
مالية اكبر للاجئين ، وان تضغط على رئيس
الوزراء العراقي نوري المالكي لتقديم مايزيد
عن (حفنة دريهمات) اليهم والي الدول التي
تأويهم. وأخيرا فيجب على الولايات المتحدة ان
تستقبل المزيد من اللاجئين خصوصا أولئك الذين
لن يعودوا ابدا الى العراق او الذين نفدت
أموالهم. ان قيمنا ومصالحنا في الشرق الاوسط
تتطلب منا استجابة أفضل.
قسم الترجمة- عُمان