بكين
: سعيد بن خلفان النعماني
عرفت العلاقة التاريخية بين السلطنة والصين بأنها متميزة
وفريدة من نوعها، فعلى امتداد الحقب الماضية بدءا من ظهور
الاسلام وحتى يومنا هذا ظلت هذه العلاقة نموذجا للتفاعل
الثقافي بين ثقافتين عظيمتين هما الثقافة العمانية
والثقافة الصينية ممتدة لأكثر من ألفي عام عندما كان لطريق
الحرير البري والبحري الدور الكبير في ازدهار التبادل
التجاري بين المنطقتين، حيث كان التجار العمانيون يسلكون
هذا الطريق ذهابا وايابا وأصبحوا همزة الوصل بين الشرق
والغرب.
ان اقدم رحلة عمانية موثقة الى الصين كانت رحلة ابي عبيدة
عبدالله بن القاسم الذي يعود تاريخها الى القرن الثاني
الهجري - التاسع المبلادي، وبفضل النشاط الملاحي في المحيط
الهندي والحاجة المتبادلة للتواصل الاقتصادي بين الصين
والعالم الاسلامي ازدهرت الموانئ العمانية بصورة كبيرة لا
سيما ميناء صحار الذي كان من اكثر الموانئ العمانية اتصالا
بالصين، مما جعل المؤرخين يطلقون على صحار بوابة الصين،
ويقابل هذا الميناء في الصين ميناء كانتون المعروف الآن
بجوانزو التي زرتها ضمن رحلتي الى الصين لألتقي بالشباب
العمانيين الذين أعادوا التاريخ العماني الناصع البياض في
علاقاته الاقتصادية والسياسية مع شعوب العالم، فكانت
الرحلة الى الصين متميزة لاسيما وأنها بدأت بلقاء شامل حول
هذه العلاقات مع سعادة الشيخ عبدالله بن صالح بن هلال
السعدي سفير السلطنة في الصين، ليتزامن هذا اللقاء قبل
مرور الشعلة الاولمبية بمسقط ضمن عدد من العواصم العالمية
ليضفي على هذا الحدث اهتماما اعلاميا صينيا منقطع النظير
سجلت انطباعاته مع سفير السلطنة في الصين.
قلت له حدثني عن أهمية العلاقات التاريخية بين السلطنة
والصين، والمجالات الاقتصادية والسياسية التي تمثلها
لاسيما الآن بعد النمو الاقتصادي الكبير الذي يشهده
الجانبان العماني والصيني فقال سعادته: في الحقيقة ان
العلاقات العمانية الصينية ضاربة في اعماق التاريخ وهي
طويلة على امتداد العلاقات بين الشعبين العماني والصيني من
خلال التواصل التاريخي المعروف بين البلدين عبر الطرق
البرية والبحرية، ولاشك ان مدينة صحار التي كان يطلق عليها
بوابة الصين حيث كانت السفن تجوب الصين انطلاقا من هذه
المدينة العمانية الى مدينة كانتون في جنوب الصين وكان
التجار العمانيون يعبرون عن طريق كانتون الى مدينة كوانتشو
في الجنوب الغربي من الصين واسهم التجار العمانيون اسهاما
كبيرا في نشر الإسلام في هذا البلد، وأما العلاقات الحديثة
فلاشك ان الحاضر السعيد يعتمد على ماضيه التليد وبالتالي
فان العلاقات العمانية- الصينية منذ تأسيسها في العام 1978
شهدت نموا كبيرا في كافة المجالات لاسيما الاقتصادية حيث
بلغ حجم التبادل التجاري العماني الصيني اكثر من 7 مليارات
دولار كما اشارت الاحصائيات الرسمية لعام 2008 وهذا يضع
السلطنة كثالث دولة خليجية بعد السعودية ودولة الامارات
العربية المتحدة في منظومة التبادل التجاري مع الصين ويشهد
هذا القطاع دخول الكثير من المؤسسات الكبيرة ففي العام
الماضي افتتح مصنع في مدينة تشنجاو للبتروكيماويات وهو
مشروع استثماري لشركة تنمية نفط عمان مع شراكة كورية
وصينية وغيرها من المشاريع في مدينة تشينجن فهنالك عدد من
الاستثمارات العمانية التي تشق طريقها الى هذه البلاد بحكم
كثافتها السكانية الكبيرة ونموها السريع مما يجعلها مقصدا
للمستثمرين ومما لاشك فيه اننا نسعى بكل فخر واعتزاز بأن
نخدم هذه العلاقة الاقتصادية بين السلطنة والصين في كافة
المجالات بل هي شغلنا الشاغل نحو تنمية هذه العلاقات في
كثير من الاقاليم الصينية ووضع اللبنة القوية للنماء
المطلوب عبر الكثير من القنوات مثل زيارة كبار المسؤولين
في هذه المقاطعات الى السلطنة وفي المقابل زيارة التجار
العمانيين الى الصين وقد شهدت الفترة الاخيرة الكثير من
الزيارات من قبل التجار العمانيين او حتى الافراد الذين
يأتون الى جنوب الصين للتسوق وشراء مستلزماتهم بشكل فردي،
وما نطمح اليه باستمرار وضع الأطر التي تكفل المزيد من
التعاون من خلال تشجيع الشركات الصينية للاستثمار في
السلطنة، حتى لا يكون التعاون من جانب واحد، فالجانب
الصيني مدعو للاستثمار في السلطنة، والسلطنة بحمد الله
تعالى تمتلك الكثير من الفرص والمقومات الاستثمارية مما
يجعلها مقصدا للأصدقاء الصينيين للاستثمار والتجارة.
اتفاقيات التعاون
وسألته حول اتفاقيات التعاون التي وقعتها السلطنة مع الصين
في مختلف المجالات وما نتج عنها من مزايا وفوائد وكيف يمكن
استثمارها لمصلحة البلدين فقال: ان مذكرات واتفاقيات
التعاون التي وقعتها السلطنة مع الصين عبارة عن اطر اساسية
يستمد منها تطوير وتنمية العلاقات بين البلدين، وتسعى
سفارة السلطنة بالصين جاهدة لمساندة ودفع تفعيل هذه
الاتفاقيات، والحمد لله تعالى هناك الكثير من النتائج
الملموسة والاهداف المتحققة، ومن المؤمل ان يتحقق الكثير
من التعاون في مختلف المجالات خلال السنوات القادمة لحرص
البلدين وبشكل خاص لتفعيل التعاون بينهما بشكل أكبر
الطلبة العمانيون في الصين
وسألت سعادة الشيخ عبدالله بن صالح السعدي سفير السلطنة في
الصين حول الفرص المتاحة للتعليم في الصين بالنسبة
للعمانيين لاسيما وأن البلدين يجمعهما الكثير من التعاون
في شتى المجالات فقال: هنالك اقبال من الطلبة العمانيين
لتعلم اللغة الصينية والدراسة بالصين، حيث الان اكثر من 12
طالبا يدرسون في تخصصات مختلفة، وبالصين تخصصات جيدة ولها
مستقبل واعد مثل تخصص الطب التقليدي الصيني الذي يدرسه عدد
من الطلبة العمانيين الآن، ونحن نسعى للمزيد لا سيما
بزيادة عدد الطلاب العمانيين في هذه البلاد، والأصدقاء
الصينيون متجاوبون في هذا الاتجاه، ونتمنى ان نرى أعدادا
كبيرة من الطلبة العمانيين في هذا البلد المتنامي والذي
يشهد قفزة نوعية كبيرة في المجال الاقتصادي، ومما لا شك
فيه ان تعلم اللغات من الأمور المهمة لرقي المجتمعات
وتطورها ونمائها لأنها من أهم أدوات التواصل بين الشعوب في
شتى المجالات
تعليم اللغة الصينية في السلطنة
وأضاف سعادة السفير عبد الله السعدي: ان جانب تعليم اللغة
الصينية في سلطنة عمان لم يغفل من قبل الأصدقاء الصينيين،
وهنالك نية لافتتاح مركز في السلطنة خاص بتعليم اللغة
الصينية، فتعلم هذه اللغة مهم للغاية، فهي تضاهي اللغات
العالمية الاخرى نظرا لحجم هذا البلد والاهمية الاقتصادية
العالمية التي تمثلها.
تنمية الجوانب السياحية بين البلدين
وسألت سعادة السفير عن أهمية تنمية الجوانب السياحية بين
البلدين ولاسيما وأن السلطنة والصين توليان السياحة أهمية
اقتصادية قصوى فقال: ان السياحة مهمة للغاية، وقد أعلنت
الصين العام الماضي ان سلطنة عمان تعد احدى الوجهات
السياحية للصين بالإضافة الى بعض البلدان العربية، واختيار
السلطنة كوجهة سياحية للصينيين لم يأت من فراغ نظرا للعديد
من المقومات السياحية التي تمتلكها السلطنة وكذلك العلاقة
التاريخية بين السلطنة والصين، وبالتالي فان عدد السياح في
تزايد من قبل الجانبين، لاسيما واننا نتجه الآن لتشجيع
التواصل بين الشركات السياحية في البلدين.
وقال: ان السياحة أصبحت صناعة عالمية ينظر لها بعين
اقتصادية واعية، ولذا فإن القطاع الخاص يسهم فيها بشكل
كبير، ويتم الآن اختيار المؤسسات السياحية في كلا الجانبين
لإيجاد التعاون المباشر بينها.
الجوانب الاعلامية والثقافية
وحول سؤال عن تنمية المجالات الإعلامية والثقافية بين
البلدين قال سعادة السفير : تشهد السلطنة والصين الكثير من
مجالات التعاون الاعلامي، حيث يزور السلطنة الكثير من
الإعلاميين الذين يمثلون الصحافة والإذاعة والتلفزة
الصينية لإعداد شتى الموضوعات المصورة عن السلطنة، ونحن
نسعى باستمرار لزيادة مجالات التعاون ولقاءات المسؤولين في
هذه الجوانب
وأضاف : لاشك أن مرور الشعلة الاولمبية بمسقط يشكل قفزة
كبيرة للسلطنة من الناحية الاعلامية، فالصينيون في شوق
لرؤية السلطنة ومرور الشعلة بها، ويتساءلون باستمرار عن
سبب اختيار مسقط كواحدة من العواصم التي تمر بها الشعلة
ونوضح لهم مدى عمق العلاقة التاريخية التي تجمع عمان
والصين منذ زمن بعيد اضافة الى المناخ والاستقرار السياسي
والوضع الجغرافي للسلطنة، ونحن في سفارة السلطنة بالصين
نقوم بإعداد البرامج التعريفية حول السلطنة عبر شبكة
الانترنت وغيرها اضافة الى عمل المسابقات التي تهدف الى
تعريف الأصدقاء الصينيين بالسلطنة.
وقال: ان مرور الشعلة بمسقط سوف يلقى الكثير من الاهتمام
الإعلامي من خلال القنوات الإعلامية الصينية بمختلف مناطق
ومقاطعات الصين وهذا في حد ذاته انجاز إعلامي كبير يتعرف
من خلاله الشعب الصيني على السلطنة بشكل اكبر لاسيما
التقارير التلفزيونية المصاحبة التي ستبثها التلفزة وشتى
وسائل الإعلام عن السلطنة، بل ان الإعلام الصيني يبث بين
الحين والآخر البرامج التعريفية حول المقومات الاقتصادية
والسياحية التي تمتلكها السلطنة، ونحن نشهد باستمرار
الكثير من التعاون في مثل هذه المجالات.