الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....

الالتزام والجدية يحافظان على كل الحقوق
د. عبدالحميد الموافي

ليس من المبالغة في شيء القول أن القوانين والاجراءات المنظمة للعمل هي من أكثر القوانين أهمية بالنسبة للانسان بوجه عام، ايا كانت الدولة التي ينتمي اليها او المجتمع الذي يعمل في نطاقه، وذلك بالنظر إلى ان تلك القوانين والاجراءات تنظم ليس فقط العلاقة بين طرفي العمل، أي العامل وصاحب العمل فحسب، ولكنها تنظم كذلك سلسلة أخرى من الحقوق والواجبات المترتبة على كل منهما حيال الآخر على امتداد عقد العمل المبرم بينهما، وما بعد ذلك أيضا بالنسبة لبعض فئات العاملين، وفق ما يتضمنه القانون في هذا المجال. ولذا فإنه من الطبيعي ان تحظى قوانين العمل والتغيرات التي تطرأ عليها باهتمامات واسعة النطاق من جانب الكثيرين، سواء العاملين وأسرهم بالطبع، او بالنسبة للشباب الذين، يشقون طريقهم إلى مجالات العمل المختلفة ويفاضلون احيانا بين مجال وآخر، في ضوء ما يوفره كل مجال، من مزايا او عائدات، وفقا لاهتمام كل شخص ومهاراته واولوياته، والفرص المتاحة أمامه أيضا.
وبالرغم من ان قانون العمل الصادر بالمرسوم السلطاني السامي رقم 35 /2003 والمعمول به ينظم كل جوانب العلاقة بين العامل وصاحب العمل، فإنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى ان التعديلات الجديدة التي تم ادخالها على قانون العمل بموجب المرسوم السلطاني السامي رقم 63 / 2009 تتعلق في الواقع بجانب محدد يتصل بتوظيف القوى العاملة غير العمانية بوجه عام ووضع ضوابط تنظم العلاقة بين العامل والكفيل الذي قام باستقدامه من أجل العمل في وظيفة او مهنة محددة ومعروفة مسبقا، وبالتالي الحفاظ على حقوق كل الاطراف بما في ذلك حق المجتمع والدولة أيضا باعتبارها مسؤولة عن تنظيم القوى العاملة واستخدامها، سواء كانت عمانية او غير عمانية على النحو الامثل. وفي ضوء ذلك فانه من المهم والضروري الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب ذات الصلة، ولعل من أهمها ما يلي:
** اولا : انه مع الوضع في الاعتبار ان قانون العمل في السلطنة، والمناخ الذي تعمل فيه القوى العاملة، عمانية كانت او غير عمانية، يوفر كل الضمانات، ويحافظ على الحقوق التي أقرها القانون للعامل بما يتماشى مع القواعد الدولية المعمول بها، فإن النقابات والاتحاد العام لعمال سلطنة عمان يقوم أيضا برعاية حقوق العمال وصيانتها تحت كل الظروف.، فإنه لم تكن مصادفة على أي نحو ان تكون السلطنة واحدة من أهم مناطق الجذب العمالي في المنطقة، سواء لحسن المعاملة التي يتلقاها العمال غير العمانيين في القطاع الخاص العماني، وفي القطاع الحكومي كذلك، او نتيجة للتوسع والنمو الكبير في النشاط الاقتصادي في البلاد، وما يترتب على ذلك من زيادة كبيرة في أعداد القوى العاملة غير العمانية في القطاع الخاص، والتي تجاوز عددها 980 ألف عامل تقريبا، وهي نسبة كبيرة قياسا بما حرصت عليه السلطنة واعتادته على امتداد سنوات النهضة العمانية الحديثة.
وفي حين اشار حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – إلى ما يمكن ان يترتب على الزيادة الكبيرة للقوى العاملة غير العمانية من نتائج، خاصة وان اعدادا غير قليلة منها تدخل في عداد الأيدي العاملة السائبة، والتي وصلت احيانا إلى القرى والتجمعات السكانية في اماكن لم يخطر على البال احيانا ان تصل اليها، فإنه كان ضروريا، سواء على الصعيد الاقتصادي او الاجتماعي او الثقافي وغيره ان تتم عملية اعادة النظر في الضوابط والاجراءات القانونية التي تحكم عمل وعلاقة القوى العاملة غير العمانية بالكفيل الذي حصل على أذن، او مأذونية عمل، لاستقدامها وتشغيلها للعمل في مهن او وظائف محددة، بعد ان قدم لوزارة القوى العاملة ما يفيد حاجته اليها في اعماله او مشروعاتها، وقد استجابت وزارة القوى العاملة لطلب المواطن حرصا منها على مصالحه ومصالح المجتمع والاقتصاد الوطني كذلك، باعتبار ان العامل الجديد سيعطي قيمة مضافة لما يؤديه من عمل يفيد المجتمع والاقتصاد العماني، والا ما كانت هناك حاجة لاستقدامه.
ولذا فإنه عندما تجد الحكومة ان هناك اعدادا متزايدة من الايدي العاملة غير العمانية، تعمل في تخصصات او في مجالات لا علاقة لها بتلك التي جاءت من أجلها، او انها تنطلق هائمة على وجوهها باحثة عن أي عمل، حتى وان كانت لا تملك أية خبرة لادائه، ولا يربطها بمن استقدمها للعمل سوى مصلحة ذاتية ممثلة في عائد شهري ضئيل، بغض النظر عما قد تحققه هي من مكاسب، فإنه كان ضروريا ان تتم إعادة النظر ليس فقط لسد الثغرات التي ظهرت، ولكن أيضا لتحقيق أكبر قدر من التطابق بين طلبات استقدام القوى العاملة الوافدة وبين المجالات التي تعمل فيها بالفعل، وهو ما يسمح بعملية تنظيم ومتابعة لا بد منها لتحديد مجالات العمل ونوعيات الخبرات المطلوب توفيرها لشغل الشاغر منها من ناحية، ولتكون الايدي العاملة الوافدة مربوطة بأعمال محددة ومفيدة يمكن متابعتها وتقييمها من ناحية ثانية، فضلا عن تفادي الزيادة غير المبررة وغير المرغوبة في اعداد الايدي العاملة الوافدة التي لا تقابلها مجالات عمل تستوعبها. وفي ضوء ذلك كانت التعديلات التي ادخلت على القانون ضرورية وملحة ولصالح المجتمع والمواطن العماني كذلك في النهاية.
** ثانيا : لعله من الأهمية بمكان الإشارة إلى نقطة مهمة هي ان التعديلات الجديدة لا تهدف ابدا ولا تسعى إلى تضييق نطاق او فرص العمل أمام القوى العاملة الوافدة، كما انها لا تهدف على أي نحو إلى المساس بمصالح القطاع الخاص العماني او مشروعاته وخططه. بل على العكس من ذلك فقد أكد معالي الشيخ عبد الله بن ناصر البكري ان وزارة القوى العاملة وجدت لخدمة القطاع الخاص العماني ورجال الاعمال والمستثمرين.
والأكثر من ذلك تأكيد معاليه على توفير احتياجات القطاع الخاص من الايدي العاملة التي يحتاجها وبأسرع وقت ممكن. وتأكيدا للغاية الطيبة من وراء التعديلات التي تم ادخالها على قانون العمل الجديد، وادراكا للمدى الذي وصلت اليه الأيدي العاملة السائبة وعمليات الهروب، ومن أجل التعامل معها بشكل حضاري فإنه تم اعطاء مهلة لتصحيح الاوضاع، سواء بالنسبة للقطاع الخاص العماني، او بالنسبة للايدي العاملة الوافدة، وبما يحافظ على مصالح كل الاطراف في النهاية.
اما بعد انتهاء المهلة المحددة لتصحيح الاوضاع فانه من الطبيعي ان يأخذ تطبيق القانون مجراه بالنسبة لكل الاطراف لسبب بسيط هو ان من لم يقم بتصحيح وضعه خلال المهلة التي تنتهي مع نهاية الشهر الحالي فإنه يكون ببساطة مخالفا للقانون، بكل ما يترتب على ذلك من نتائج ومقتضيات الحفاظ على مصلحة الوطن والمواطن والاقتصاد الوطني كذلك.
** ثالثا : انه في الوقت الذي تزداد فيه الحاجة إلى مزيد من الاعلان والشرح والتنبيه للعاملين في القطاع الخاص ولرجال الاعمال حول ما يتعلق بالتعديلات الجديدة في قانون العمل، وما تتطلبه تلك التعديلات من خطوات او اجراءات ينبغي القيام بها لتصحيح الاوضاع خلال المهلة المحددة، وهو أمر من المهم والضروري ان تسعى وزارة القوى العاملة بالتعاون مع الجهات الأخرى إلى القيام به وبشكل متصل خلال الفترة القادمة، ليعرف الجميع مسؤولياته وعواقب عدم امتثاله للقانون حتى نهاية العام، فإن تنفيذ التعديلات، او بالاحرى تطبيق القانون، وان كان يتم بحكمة ومسؤولية، الا انه سيحدد المخالف يضعه أمام العقوبات التي حددها القانون لكل مخالفة من المخالفات التي أشار اليها. وهنا تحديدا فانه من المهم والضروري ان يتم تطبيق القانون ليس فقط بالنسبة لكل المؤسسات والمشروعات، كبيرة وصغيرة، وبالنسبة لكل الحالات كذلك، ولكن بتجرد أيضا، بمعنى التعامل مع كل الحالات على اساس من المساواة أمام القانون، وفق المبدأ الذي اقره النظام الاساسي للدولة وهو مبدأ المساواة أمام القانون.
وتجدر الإشارة إلى ان الالتزام بذلك من شأنه ان يخدم ليس فقط الاقتصاد الوطني، ولكن المواطن العماني كذلك لانه سيشعر بان القانون ينسحب على الجميع ووفق المعايير والقواعد نفسها، وهو ما سيكون له مردوده الإيجابي اقتصاديا واجتماعيا في النهاية. اما المصالح الصغيرة فانها ستنجرف بالضرورة أمام جدية التطبيق.
ومع الوضع في الاعتبار ان اعدادا غير قليلة من الايدي العاملة غير العمانية قد غادرت بالفعل البلاد مستفيدة من المهلة المحددة لتصحيح الاوضاع، فإنه من المهم الإشارة إلى نقطة مهمة وهي ان تقاعس البعض عن تصحيح الاوضاع، او مراهنته على انه قد لا يتم تطبيق القانون بالقوة الكافية، او ان التطبيق قد لا يصل اليه بشكل او بآخر مما يسمح له بالاستمرار في مخالفته بشكل او بآخر، فإن ذلك هو اسرع الطرق إلى الخسارة الآن وفي المستقبل أيضا لان من يتم ترحيله بموجب القانون باعتباره مخالفا له لن يسمح له بالعودة إلى البلاد للعمل مرة أخرى.
اما المتمسحون بحقوق الانسان، والمتحدثون عن حقوق الايدي العاملة الوافدة وعن كيفية التعامل معها فإنه يتم احالتهم إلى نقطتين اساسيتين: اولاهما ان السلطنة التزمت وتلتزم دوما بمعايير منظمة العمل الدولية، بل وبأكثر منها احيانا في إطار العلاقات الطيبة بينها وبين الدول الشقيقة والصديقة التي تعمل اعداد كبيرة من ابنائها في السلطنة.
ومن ثم فإنه لا يمكن استخدام ذلك. اما النقطة الثانية فانها تتمثل في ان تطبيق القانون المعلن والواضح والذي ينسحب على الجميع بغض النظر عن الجنسية او العرق او الاصل او الديانة او غيرها، لا يمكن الا ان يكون عادلا، خاصة وانه تم اعطاء مهلة لتصحيح الاوضاع. ومن ثم فإن تطبيق القانون على المخالف له، او المتجاوز للاجراءات ذات الصلة به لاعلاقة له بحقوق الانسان وتتساوى في ذلك كل الدول في تعاملها مع الخارجين على القانون بغض النظر عن المبررات التي قد يسوقها مخالف او آخر لان الطريق الصحيح واضح أمام الجميع.

  رجوع