« لقد كانت
دمشق البوصلة التي تحدد اتجاهات الصراع العربي
الاسرائيلي في المنطقة. فلاسلام بدون سوريا
كما لاحرب من دون مصر، ولذلك لم يستطع
الاسرائيليون تجاهلها ولاحتى العقوبات والحصار
و«العزلة الدولية» التي تفرض عليها نجحت في
ثني دمشق عن مواقفها الوطنية».
لقد سبحت في بحيرة طبريا وأكلت سمكا على ضفتها
الشرقية «هذه الجملة الشهيرة للرئيس السوري
الراحل حافظ الاسد حددت سقف اي مفاوضات بين
سوريا واسرائيل على خلفية عدم التفريط بالارض
وبالثروات الطبيعية. وليست المفاوضات السورية
الاسرائيلية الحالية هي الاولى في عالم
التفاوض بين الجانبين الا انها الاولى بعد
مفاوضات متقطعة منذ عام 1991 اي تاريخ انعقاد
مؤتمر مدريد. ولقد حرص الرئيس السوري الراحل
حافظ الاسد خلال المفاوضات او القمم مع الرئيس
الامريكي بيل كلينتون على التأكيد على دور
سوريا العربي والقومي فهي تفاوض لكنها لا
تتنازل واستطاع انتزاع وعد من رئيس الوزراء
الاسرائيلي الاسبق اسحاق رابين بالانسحاب
الاسرائيلي الكامل من مرتفعات الجولان المحتلة
وهو ما عرف بوديعة رابين. لكن اغتيال رابين
اعاد الامور بين الجانبين السوري والاسرائيلي
الى نقطة الصفر وانطلقت مفاوضات اخرى برعاية
متعددة وصلت الى حدود الاتفاق لو ان
الاسرائيليين اعترفوا بالهوية السورية للضفة
الشرقية لبحيرة طبريا وعلى الرغم من ان الخلاف
كان يدور على بضع مئات من الامتار التي
تعتبرها دمشق ارضا سورية الا ان الاسد رفض
التفريط بها ورابط على موقفه.من هذا الباب باب
الحفاظ على الحقوق الوطنية رسم الرئيس السوري
حافظ الاسد حدود المقبول والممنوع في مسار
المفاوضات واضعا للرئيس بشار الاسد خريطة طريق.
وعلى هذا الاساس شاركت دمشق في عملية السلام
التي اطلقت في مدريد عام 1991 فهي مع السلام
العادل والشامل على قاعدة الارض مقابل السلام.
وبتعبير أدق فإن سوريا اختارت السلام
كاستراتيجية لها دون ان تفرط بشبر واحد من
ارضها فهي تريد استرجاع مرتفعات الجولان وكل
الاراضي السورية المحتلة لان المفهوم الوطني
التاريخي السوري لا يمكن له القبول بالتنازل
او التهاون في موضوع السيادة. لقد كانت دمشق
البوصلة التي تحدد اتجاهات الصراع العربي
الاسرائيلي في المنطقة. فلاسلام بدون سوريا
كما لاحرب من دون مصر، ولذلك لم يستطع
الاسرائيليون تجاهلها ولاحتى العقوبات والحصار
و«العزلة الدولية» التي تفرض عليها نجحت في
ثني دمشق عن مواقفها الوطنية. ولذلك نرى
الآخرين يتراجعون امام الموقف السوري ويسعون
قدر الامكان الى وصل ما انقطع معها. ومن هنا
فعندما نتحدث عن المفاوضات السورية
الاسرائيلية فإننا لا يمكن تجاهل مايجري بأنه
ثمرة من ثمرات التمترس السوري القوي بالموقف
الوطني على الرغم من كل ما عانته دمشق من
ضغوطات منذ عام 2005 حين بدأ الهجوم السياسي
الامريكي عليها والذي كان يهدف الى دفع سوريا
الى الجدار الاخير والاستسلام والانخراط في
المشروع الامريكي في المنطقة وفك الارتباط
بحزب الله والمقاومة الفلسطينية وايران وحتى
مع المقاومة العراقية واذا كانت هناك مآخذ
كثيرة على السياسة السورية اقليميا الا ان ذلك
لا ينفي الاعتراف بالصمود السوري، وهذا ما جعل
الاسرائيليين والامريكيين يقبلون ما كان الى
وقت قريب مرفوضا وحتى محرم مع النظام السوري
الحالي. فقد رفض الاسرائيليون بزعامة اولمرت
فتح قنوات التفاوض مع النظام السوري حيث كانت
المراهنة على تحقيق المزيد من التنازلات التي
تجعله في نهاية المطاف «باصما» على الشروط
الاسرائيلية لكن اولمرت اكتشف بعد فترة طويلة
انه يراهن على السراب وان السوري لا يمكن ان
يتزحزح عن مواقفه فكان التجاوب مع الوساطة
التركية انطلاقا من مصلحة اسرائيلية بتحريك
المفاوضات غير المباشرة على خط دمشق تل ابيب
في اسطنبول. ويقول قائل ان المفاوضات حاجة
سوريا ايضا هذا صحيح لكن لاسرائيل فيها اكثر
من دمشق التي بامكانها الانتظار على الحال
التي عليها الآن عقود من الزمن. لكن هذا
لاينفي ان هناك قدرا من الثقة لدى الجانبين
بان احتياجاتهما يمكن ان تلبى من خلال
المفاوضات، فسوريا تسعى إلى تحرير أرضها
المحتلة واستعادة مرتفعات الجولان وهذا سبب
جوهري كاف لكي تنخرط في مفاوضات مع اسرائيل
طالما ان تحرير اراضيها بالمقاومة والعمل
المسلح ليس واردا لاعتبارات جغرافية
واستراتيجية في حين ان إسرائيل يقلقها بشكل
كبير تنامي حركات المقاومة والمد الرافض
لوجودها وقد شكلت حرب يوليو في عام 2006 صدمة
قوية لها بعدما هشمت قوتها الردعية ودكت
مفاهيم حماية اسرائيل ككيان وسط تهديد
استراتيجي. ويسود الاعتقاد في إسرائيل ان
المفاوضات مع سوريا من شأنها احداث تغيير كبير
في مسار القوى الرافضة لعملية السلام وحتى فصل
ايران عن سوريا وعندها سيغدو أمرا متاحا
لأولمرت الانقضاض على إيران.. ومن الثابت ان
السوري يخوض المفاوضات غير المباشرة مع
الاسرائيلي وهو على بينة من النوايا
الاسرائيلية كما انه يتوجس من اللعبة
الإسرائيلية بالمناورة في موضوع الجولان
والانسحاب الى حدود الرابع من يونيو عام 1967
ولذلك يرسم سقفا لهذه المفاوضات الحالية فهو
يبدي حرصا شديدا على انتقالها الى مفاوضات
مباشرة لكنه يرى الامر سابقا لأوانه الآن
فاولمرت مكبل بالازمات الداخلية وحكومته ضعيفة
بما يكفي لعدم قدرتها على الوفاء باي التزامات
على مستوى عملية السلام كما ان السوري لا يمكن
له أن ينطلق في مفاوضات جدية حاسمة دون ضمانة
من الراعي الامريكي والراعي الامريكي مقبل على
تغيير ادارته بعد شهور وهذا ما يجعل السوري
يتمهل في المفاوضات المباشرة لكي يتبين له
الخيط الابيض من الخيط الاسود امريكيا وخلال
الشهور التي تفصلنا عن التغيير في الادارة
الامريكية او استمرار حكم الجمهوريين.
ويمكن القول إن انطلاق المفاوضات السورية
الاسرائيلية هو عنوان من عناوين استعادة سوريا
الاعتراف الاسرائيلي والامريكي بدورها السياسي
والاقليمي في لبنان وفلسطين والعراق وان
المنحى الذي ستتخذه المفاوضات السورية
الاسرائيلية سيتأثر بشكل كبير باعادة الاعتبار
الى دمشق كنقطة ارتكاز اقليمية مهمة
فالامريكيون والاسرائيليون ينظرون بالتأكيد
إلى سوريا اليوم بنظرة مختلفة عن السنوات
الثلاث التي مضت.