الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....

قراءة في تعديلات قانون العمل
القاضي الدكتور مصطفى السيد علي بلاسي

لعل المتصفح للمرسوم السلطاني رقم 63 لسنة 2009 الخاص بتعديل بعض أحكام قانون العمل رقم 35 لسنة 2003 يلحظ العلة التشريعية التي من أجلها جاء هذا التعديل والمتعلقة بتنظيم العمل وعلاقاته ومتطلباته ووضع الضوابط الكفيلة بذلك.
فقد كان قانون العمل الحالي رقم 35 لسنة 2003 والصادر في 26/4/2003 تطورا قانونيا مسايرا للمستجدات العملية خاصة وأن القانون الذي سبقه كان قد صدر في عام 1973، وبمرور تلك الفترة وما عاصرها من تعديلات تعالج ما يظهر عرضا من مشكلات عملية وما تقتضيه المصلحة العامة وتمشيا مع هذا المنهج جاء قانون العمل الحالي متضمنا عشرة أبواب شملت التعريف بمصطلحات هذا القانون، وتنظيم تشغيل المواطنين والأجانب، وأحكام عقود العمل، وما يتعلق به من الأجور والاجازات وساعات العمل، فضلا عن تنظيمه لأحكام تشغيل طوائف خاصة مثل الأحداث والنساء وعمال المناجم والمحاجر، وتعرض لموضوعات الأمن الصناعي والسلامة والصحة المهنية، كما نظم منازعات العمال وكيفية تسويتها، ووضح ماهية النقابات العمالية والاتحاد العام للعمال وأخيرا وضع العقوبات المتعلقة بمخالفة أحكام هذا القانون.
ونظرا للمستجدات التي طرأت على سوق العمل ومكوناته جاءت التعديلات الخاصة ببعض أحكام هذا القانون الأخير.
وباستعراض تلك التعديلات ومضمونها نجدها أضافت للقانون الحالي خمس مواد جديدة واستبدلت بعض النصوص بأخرى تحقيقا لمصلحة عامة ارتآها المشرع.
أما عن المواد المضافة فأولاها هي المادة (18) مكرر والتي أضيفت إلى الباب الثاني في فصله الثاني والمتعلق بتشغيل الأجانب وقد أتت تلك المادة الجديدة بفرض حظر على أصحاب العمل فيما يتعلق بالأمور الآتية :
1- يحظر على كل صاحب عمل أن يترك أي عامل - غير عماني - مرخص له بالعمل لديه ليعمل لدى غيره.
2- كما يحظر عليه أن يشغل أيا من العمال المرخص لهم بالعمل لدي غيره أو تشغيل المقيمين بالسلطنة بطريقة غير مشروعة.
3- ويمتد الحظر ليشمل تشغيل غير العماني في المهن التي تم تعمينها.
وجاء عجز تلك المادة بفرض حظر على العامل غير العماني في العمل إلا لدى صاحب العمل الذي رخص له بتشغيله دون غيره.
وفي فرض ذلك الحظر على أصحاب العمل والعمال فوائد قانونية تتمثل في استقرار العلاقات التعاقدية الخاصة بالعمل و سهولة الحصر لأطراف علاقة العمل وإعداد الإحصائيات التي يتوقف عليها إصدار الجديد من القرارات المدروسة بشأن تطوير وتحديث تلك العلاقة التعاقدية فضلا عن إمكانية المتابعة بل ودقتها.
وإذا كانت تلك المادة المضافة السابقة قد استحدثت نصا جديدا لنوع جديد من المخالفات العمالية فإن باقي المواد المضافة قد وضعت جزاء عقابيا جراء مخالفتها أو مخالفة غيرها من المواد المنظمة لقواعد العلاقة التعاقدية الخاصة بالعمل.
فنجد المادة (113) مكرر والواردة بتلك التعديلات مضافة الي الباب العاشر والمتعلق بالعقوبات وهي تفرض إنزال عقوبة السجن لمدة شهر والغرامة التي لا تقل عن ألف ريال ولا تزيد عن ألفي ريال أو أي من العقوبتين على كل من اشترك بإحدى صور الاشتراك الثلاث (التحريض أو الاتفاق أو المساعدة) في ارتكاب أي فعل بالمخالفة لأحكام المادة (18) مكرر المضافة في تلك التعديلات والتي سبق الإشارة إليها سلفا.
وأضافت عقوبة تبعية على المخالف حال كونه غير عماني حيث قررت عقوبة الإبعاد من السلطنة والحرمان من دخولها مستقبلا محددة مسؤولية مشغل هذا المخالف عن نفقات ذلك الإبعاد.
أما المادة (118) مكرر فقد أضيفت لتفرض عقوبة السجن مدة لا تزيد عن شهر أو الغرامة التي تبدأ من مائة ريال وتصل إلى خمسمائة ريال على أصحاب العمل - أو من يمثلهم - مخالفي أحكام الباب السادس من قانون العمل والمتعلق بالأمن الصناعي والسلامة والصحة المهنية؛ والملاحظ على هذه المادة أنها استحدثت عقوبة جديدة على مخالفات موجودة أصلا في القانون وأنها لم تقصر تحميل المسؤولية لأصحاب العمل فقط بل أضافت لهم من يمثلهم مثل المدير المسؤول وذلك في الحالات التي يمكن نسبة تلك المسؤولية التقصيرية في موضوعات الأمن الصناعي لممثلي أصحاب العمل دون أصحاب العمل، كما يلاحظ عليها أيضا أنها قررت عقوبة مضاعفة على من يكرر أيا من تلك المخالفات، وكل هذا مع عدم الإخلال بآية عقوبة أخرى منصوص عليها في قانون العمل أو آية قانون آخر.
وعقب بيان العقوبات المنصوص عليها جزاء تلك المخالفات السابقة أتت المادة (124) لتبسط مظلة عقابية وإصلاحية على كل المخالفات المتعلقة بأحكام قانون العمل والتي لم يرد بشأنها نص عقابي خاص فقررت عقوبة الغرامة التي لا تقل عن خمسمائة ريال ولا تزيد عن ألف ريال لكل من يخالف أحكام قانون العمل أو اللوائح أو القرارات المنفذة له، وأضافت عقوبة تبعية تطبق على المخالف غير العماني تتمثل في إبعاده ويكون هذا الإبعاد على نفقة الطرف المشغل وحرمانه من دخول السلطنة.
وفي ظل أحكام تلك المادة الأخيرة يتضح مدى اتساع نطاقها لتشمل آية مخالفة لم ينص عليها في المواد العقابية المضافة ضمن التعديلات الخيرة وهي تضع لأي من تلك المخالفات أيا كانت عقوبة الغرامة والتي تتراوح بين الخمسمائة أو الألف ريال فضلا عن العقوبة التبعية المتمثلة في الإبعاد والحرمان من دخول البلاد مستقبلا وهو ما يعد تطورا تشريعيا امتد ليشمل كافة المخالفات التي لم يوضع لها جزاء يوقع على من يخالفها.
ومسايرة لهذا التطور التشريعي ومراعاة للظروف المستجدة في نطاق العمل وما يصاحبه من علاقات متشابكة لا يلم بها إلا المتابع المتخصص في تلك العلاقات، فقد منح المشرع وزير القوى العاملة أو من يفوضه سلطة جوازية له للتصالح مع المخالفين وذلك وفقا لمنطوق المادة (125) من تعديلات القانون ووضع الضوابط الكفيلة لضمان استعمال تلك الصلاحية الاستعمال الأمثل بما يحقق المصلحة المبتغاة من وراء إصدار قانون العمل والمتمثل في وقف السير في إجراءات الدعوى إذا قام المخالف بدفع ما لا يتجاوز نصف الحد الأقصى من قيمة الغرامة المقضي بها في المخالفة محل التصالح مع تطبيق العقوبات التكميلية المنصوص عليها في التعديلات والمتمثلة في الإبعاد والحرمان من دخول البلاد مستقبلا.
وقد قررت تلك المادة أن التصالح من عدمه أمر جوازي يقدره وزير القوى العاملة وحده كما وضعت له صلاحية تفويض غيره في ذلك، والواضح أن هذا التفويض قاصر على من فوضه الوزير فقط دون أن يمتد إلى غيرهم، فلا يصح لمن فوضه الوزير أن يفوض غيره في التصالح فالتفويض هنا لا يصدر إلا من الوزير فقط، ولعل تلك المادة من المواد القليلة التي تخفف من عدد القضايا العمالية التي تكاد تثقل كاهل القضاء خاصة وأن مكنة التصالح هنا قد منحت لمختص عالم بأدق تفاصيل العلاقات العمالية وهو وزير القوى العاملة ومن يفوضهم من المختصين في هذا المجال وهم ممن ألموا بالواقع العملي ومشاكله وهو ما يعد من قبيل بعد النظر التشريعي المحمود والذي يراعي الوصول للحلول القانونية الفعالة والمنتجة والسريعة لما قد يظهر من مشكلات في العلاقات التعاقدية العمالية.
هذا عن المواد المضافة أما المواد المستبدلة في تلك التعديلات فنجدها واضحة جلية في موضعين اثنين:
أولاهما يتعلق بقيمة التعويض التي تحكم به المحكمة للعامل المفصول تعسفيا فوفقا للتعديلات حددت الفقرة الرابعة «المعدلة» من المادة (106) ذلك التعويض بحيث لا يقل عن أجر ثلاثة أشهر ولا يزيد عن أجر سنة؛ ويحسب ذلك على أساس آخر أجر شامل كان يتقاضاه العامل. بينما كانت نفس الفقرة قبل تعديلها تنص على إطلاق يد المحكمة في تحديد قيمة التعويض ولم تشترط في ذلك إلا أن يكون ذلك التعويض عادلا.
والواضح أن العلة التشريعية وراء ذلك الاستبدال أو تحديد قيمة التعويض المستحق للعامل تكمن في وضع نهاية محددة لتلك النوعية من المنازعات العمالية وبالتالي يكون العامل ورب العمل على علم مسبق بنتيجة النزاع العمالي في حالة ثبوت الفصل التعسفي فقد أصبحت قيمة التعويض فيها محددة ولم تعد من إطلاقات المحكمة كما كان سابقا وهو ما يجعل طرفي العلاقة يقدرون عواقب الاستمرار في تلك النزاعات العمالية واضعين حدا مرضيا لكليهما لتك المنازعات.
أما الموضع الثاني الذي لحقه الاستبدال فهو نص المادة (114) من قانون العمل حيث تم استبداله بنص يغلب عليه طابع مسايرة التطور التشريعي سدا للثغرات التي لوحظت ميدانيا وذلك بتعديل بعض العقوبات المفروضة على المخالفات العمالية فبعد أن كانت عقوبة استخدام العمال غير المرخص لهم الغرامة التي تقل عن عشرة ريالات ولا تزيد عن مائة جاء نص الفقرة الأولى من تلك المادة فأصبح حدها الأدنى بعد التعديل ألف ريال أما حدها الأقصى فوصل إلى ألفي ريال فضلا عن استخدام المشرع مصطلح «التشغيل» بدلا من مصطلح «الاستخدام» فجاء النص الجديد على النحو التالي «يعاقب كل من يشغل عمالا غير عمانيين لم يرخص له بتشغيلهم وفقا للترخيص الصادر له.....» في حين كان نص المادة قبل استبدالها «يعاقب كل من يستخدم عمالا غير عمانيين لم يرخص له باستخدامهم لديه.....» والفرق واضح بين التشغيل والاستخدام فالأول يحتوي بين طياته على قيمة العمل في حين افتقار المصطلح الثاني لذلك.
وكما تم تعديل قيمة الغرامة المقضي بها برفع حديها الأدنى والأقصى فإن التعديل الجديد جعل مدة حرمان المشغل من استقدام عمال غير عمانيين سنتين وليست سنة واحدة كما كانت قبل التشديد ولعل هذا التشديد فضلا عن كونه عقابا إصلاحيا فإنه يساعد على التزام المشغلين بالنسب المحددة لهم مما يساهم في دقة الإحصائيات، ومن هذا المنطلق جاء التشديد في حالة تشغيل أي عامل عند غير المرخص له بتشغيله لديه.
والجديد في تلك المادة المستبدلة أيضا هو مضاعفتها للعقوبة المفروضة على المشغل في حالة كون العامل الذي تم تشغيله ممن دخلوا السلطنة بطريقة غير مشروعة، كما تتضاعف إذا كان هذا العامل تاركا لعمله لدى صاحب العمل الذي رخص له بتشغيله.
وغني عن البيان مدى فداحة وجسامة جريمة دخول البلاد بطريقة غير مشروعة وما يستتبعها من تأثير سلبي على الأمن والاقتصاد ومن هنا كان لزاما على الجميع مكافحة ذلك بكل الطرق وأبسطها عدم السماح للمتسللين بمجرد الوجود في البلاد وإبلاغ السلطات المختصة عنهم فورا؛ ومن هنا كان تشديد العقوبة على من يسمح بتشغيلهم لديه، خاصة وأن سوء النية لدى المشغل مفترض في تلك الحالة إذ أنه من البدهيات استخراج ترخيص لكل عامل جديد قبل التحاقه بالعمل وهو ما يستحيل تصوره في تلك الحالة ومن هنا كانت العلة التشريعية في تشديد العقوبة.
أما الفقرة الثانية من تلك المادة المستبدلة فقد قضت بمعاقبة صاحب العمل الذي يترك بإرادته أي عامل - غير عماني مرخص له بتشغيله - ليعمل لدى غيره بالسجن مدة لا تزيد عن شهر أو بغرامة تنحصر بين الألف ريال والألفين منها وذلك عن كل عامل، كما تتعدد العقوبات بتعدد العمال محل المخالفة، ويحرم من استقدام عمال غير عمانيين لمدة أقصاها سنتين، وتشدد العقوبة عند تكرارها.
والملاحظ على تلك الفقرة المعدلة أنها عالجت ما اكتنف النص الأصلي من غموض حيث كان على النحو التالي «ويعاقب صاحب العمل الذي يترك بإرادته أي عامل من عماله» وذلك بأن أضافت وصفا محددا للعمال محل المخلفة بأن حصرتهم في وجوب كون هذا العامل غير عماني وأن يكون مرخصا لصاحب العمل المخالف بتشغيل هذا العامل، فضلا عن رفع الحدين الأقصى والأدنى لقيمة الغرامة المقضي بها ورفع مدن الحرمان من استقدام عمال غير عمانيين لتصبح سنتين بعد أن كانت سنة واحدة، فضلا عن استحداثه تشديد العقوبة في حالة التكرار «العود».
أما الفقرة الثالثة فقد شملت آخر التعديلات الواردة على هذا القانون حيث جاء النص صريحا بشأن عقاب العامل غير العماني الذي يعمل بالسلطنة بدون ترخيص من الدائرة المختصة أو الذي يعمل لدى غير صاحب الرخص له بتشغيله بالسجن مدة أقصاها شهر أو بغرامة تتراوح بين أربعمائة ريال وثمانمائة ريال - بعد أن كان حدها الأقصى مائة ريال -، فضلا عن عقوبة إلغاء الترخيص الصادر له إن وجد، إلا أنها استحدثت عقوبة الإبعاد والحرمان من دخول السلطنة على أن يكون الإبعاد على نفقة الطرف المشغل.
ويلاحظ على تلك الفقرة المستبدلة أنها استبدلت عبارة «المرخص له باستقدامه» بعبارة قانونية جديدة نصها «المرخص له بتشغيله» حيث إن الاستقدام أعم من التشغيل فقد يستقدم أحدهم عاملا ليشغله بنفسه وقد يستقدمه لحساب آخر يطلق عليه المشغل وهنا تنفصم العلاقة بين المستقدم والمشغل؛ ومن هنا جاء التعديل التشريعي محددا صفة المشغل بدلا من المستقدم.
أما باقي فقرات تلك المادة الواردة ضمن تلك التعديلات فجاءت كما هي في النص الأصلي بلا تعديل، ويفهم من ذلك عدم وجود ضرورة تشريعية تستوجب ذلك التعديل مما دعا للبقاء عليها كما هي ضمن النص المعدل.

  رجوع