الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

 العرب وحوار الثقافات الآسيوية في عصر العولمة
د.مسعود ضاهر
أكاديمي وكاتب لبناني


شكل المؤتمر الدولي الثالث للدراسات الآسيوية الذي عقد في مدينة شانجهاي الصينية خطوة إضافية على طريق تعزيز الحوار بين مختلف الثقافات. عقد المؤتمر خلال يومي 8 و9 سبتمبر ،2008 وضم أكثر من أربعمائة باحث،معظمهم من الدول الآسيوية. وقد حمل العنوان التالي: «تحديات مشتركة تحتاج على جهود مشتركة: فلنعمل معا من اجل عالم أفضل.
ليس من شك في أن النجاح المضطرد لتجارب التحديث الآسيوية اكسبها المزيد من الثقة بالنفس في مواجهة تحديات ثقافة العولمة ذات الطابع الغربي الوحيد الجانب. فشكلت تجربة التحديث اليابانية معلما بارزا في تاريخ منطقة جنوب وشرق آسيا منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وهي تجربة التحديث الوحيدة التي ولدت واستمرت بنجاح خارج المركزية الغربية. وحولت اليابان إلى دولة قوية تمتلك ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ولديها مؤسسات تنتج تكنولوجية متطورة جدا، وكثافة مالية قادرة على التوظيف الطويل الأمد. والأهم من ذلك أن التركيز على البعد الثقافي جعل من اليابان نموذجا يحتذى للحداثة الآسيوية السليمة التي تحافظ بعناية فائقة على التراث الأصيل مع دخول المعاصرة بقوة من باب العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة.
استفادت الصين ودول النمور الآسيوية والهند من نجاح تجربة اليابان. لكن كلا من الدول الآسيوية صاغت لنفسها مقولات جديدة ونجحت في بناء دولة الرفاه الاقتصادي والتنمية البشرية المستدامة، وباتت أكثر قدرة على مواجهة تحديات عصر العولمة.
وفي السنوات القليلة الماضية بات كثير من الباحثين في العالم كله على قناعة تامة بقدرة نماذج التحديث الآسيوية على الصمود والتصدي للعولمة الأمريكية الوحيدة الجانب. وهي تعمل على تطوير مقولات ثقافية لبناء عولمة أكثر إنسانية.
لذلك ترددت باستمرار في جلسة الافتتاح وجلسة الختام وفي حلقات العمل السبع عشرة وفي الطاولات المستديرة الست، مقولات محببة لدى الصينيين حول التناغم والانسجام والتكافل الاجتماعي واحترام الإنسان كقيمة بذاته والتضامن الدولي لمحاربة الآفات الكبرى المتزايدة على المستوى الكوني ومحاصرة أسلحة الدمار الشامل ومنع انتشارها ومصادرتها والتعاون بين الدول لمواجهة الاحتباس الحراري والتصحر والفيضانات وغيرها. وتعمل الصين على تحرير قوى الإنتاج والتوزيع العادل للثروة وتطوير الأرياف الصينية وتحسين صورة الصين على المستوى العالمي في مجال حماية الإنسان والبيئة والطاقة النظيفة وغيرها.
وتطالب الصين ومعها الدول الآسيوية، بتطوير منظمة الأمم المتحدة وإعادة هيكلتها لتصبح قادرة على حل الأزمات الدولية المتفجرة بالطرق الدبلوماسية وعدم الكيل بمكيالين على مستوى إلزام جميع الدول بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، ونزع فتيل الحروب في المناطق المتفجرة خاصة في منطقة الشرق الأوسط والقوقاز.
للصين،كما لليابان ودول آسيوية أخرى مساهمات كبيرة في مجال دعم الصداقة بين الشعوب من خلال المشاريع الإنمائية وحماية التراث الإنساني والحفاظ على البيئة النظيفة والعمل على نزع الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل. وابتدعت كل دولة آسيوية نظاما تعليميا متميزا وملائما جدا لطبيعة شعبها. وهو يساهم في تأهيل ملايين الطلبة سنويا لتحصيل معرفة متطورة في مجالات عدة. ويحتل طلبة اليابان مرتبة متقدمة بين جميع طلاب العالم في مجال العلوم التطبيقية، خاصة في حقل الرياضيات.
وما تنفقه المؤسسات الرسمية والشركات الخاصة في اليابان من موازنة سنوية على تشجيع الباحثين والبحث العلمي والإبداع الثقافي والفني يكاد يكون من أرقى ما تقوم به الدول المتطورة في العالم.
تولي الصين في عصر الإصلاح والانفتاح منذ عام 1978 اهتماما كبيرا بالفيزياء والكيمياء والفلك والصيدلة والطب وغيرها.ولديها مراكز أبحاث متطورة جدا.
فالتركيز على البعد الثقافي جعل من الدول الآسيوية نموذجا يحتذى به في الحداثة السليمة التي تحافظ بعناية فائقة على التراث الأصيل مع دخول المعاصرة بقوة من باب العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة.
لقد كان بإمكان الباحثين العرب الاستفادة من دراسة تجارب التحديث الآسيوية بكثير من الدقة ووضعها في إطارها التاريخي السليم ومناقشة مقولاتها الأساسية في مجال التحديث وعدم إطلاق أحكام قيمية عليها. وكان غياب الباحثين العرب لافتا للنظر حيث لم يحضر من جميع الدول العربية سوى باحث من لبنان وآخر من مصر في مؤتمر عالمي بهذه الأهمية. بالإضافة إلى باحث عربي مقيم في الصين وهو من أكثر الباحثين العرب متابعة للعلاقات بين الصين والدول العربية،مجتمعة ومنفردة.
ليس من شك في أن غياب التواصل العلمي المباشر والدائم بين الباحثين العرب والآسيويين ناجم عن غياب أو تعثر مراكز البحوث العلمية العربية المتخصصة في دراسة تجارب التحديث الآسيوية خاصة التجربة الصينية التي تحظى الآن باهتمام كبير تجلى في حضور عدد من ابرز المتخصصين العالمين في التجربة الصينية.
وقدموا إلى المؤتمر أبحاثا ومداخلات ذات أهمية استثنائية نظرا لموقع الصين المتزايد على المستويين الآسيوي والعالمي. فكان غياب الباحثين العرب غير مبرر على الإطلاق، ويضعف من موقع العرب لدى الصينيين. فقد تجاهلوا مقولات التحديث الصينية وخصائصها المميزة كما تجاهلوا سابقا تجربة التحديث اليابانية ومقولاتها المتميزة التي شكلت نقطة تحول أساسية في نهضة المجتمعات الآسيوية.
بقي أن نشير إلى أن المقولات الثقافية حول الانسجام والتناغم التي تتمسك بها الصين وترددت كثيرا في أرجاء المؤتمر لا تقدم رادعا حقيقيا للنزعة العسكرية التي تجتاح عصر العولمة بقيادة المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية. وهي عاجزة عن مجابهة الحملة المتزايدة للسيطرة على مراكز إنتاج النفط والغاز والموارد الطبيعية دون حسيب أو رقيب. فقد أدانت الصين وغيرها من دول العالم بقيادة الأمم المتحدة الغزو الأمريكي للعراق دون أن تكون لها القدرة على منعه أو الحد من مخاطر تمدده نحو دول شرق أوسطية أخرى. لكنها تتوقع الفشل لمشروع الشرق الأوسط الجديد وفق الأهداف الأمريكية والإسرائيلية.
لذلك، رأى بعض الباحثين أن على الصين وباقي دول العالم اتخاذ مواقف صلبة لبناء عولمة أكثر إنسانية. وندد البعض الآخر بالحكام المحليين الذي يستدعون الغرب بجناحيه الأمريكي والأوروبي للتدخل بشؤونهم عسكريا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا.
وطالبوا العرب بأن يمسكوا قضاياهم بأنفسهم وألا يسمحوا لأحد بالتدخل في شؤونهم الداخلية. ومن أولى واجباتهم التوحد ضد التهديد الوافد من الخارج، والذي يهدد حاضر العرب ومستقبلهم قبل الحديث عن تهديده حماية لتراثهم وثقافاتهم وحضارتهم. ان من يريد السلام حقا عليه أن يستعد للحرب. فإسرائيل وأمريكا يخدعون العرب دوما بالكلام المعسول عن السلام الذي لن يأتي لأنهم في كل مرة يستعدون لحروب جديدة لم يستعد العرب لأي منها. بالمقابل، يجد العرب سندا قويا لهم في الصين وباقي الدول الآسيوية لأنها ستتضرر حتما من إشعال حرب في الشرق الأوسط وضد إيران. وهي مستعدة لمساعدة العرب في مختلف المجالات السياسية والعسكرية لتعزيز فرص السلام الدائم والتفاعل الثقافي والتبادل الاقتصادي. لكن العرب تغيبوا بكثافة عن الحوار الآسيوي - الآسيوي بسبب غياب المتخصصين لديهم في الشؤون الصينية خاص والآسيوية بشكل عام.
ختاما،بعد أن تحولت الصين إلى دولة عملاقة خلال ثلاثين سنة فقط من سياسة الانفتاح والإصلاح، كيف يتحول العرب إلى قوة إقليمية ودولية فاعلة حتى يكون حوارهم مع القوى الفاعلة الأخرى من موقع الندية، والتفاعل الثقافي وليس ترداد كلام عام عن أهمية الحوار الثقافي وضرورة استمراره؟. ولماذا يتغيب العرب عن مؤتمرات آسيوية على صلة وثيقة بمستقبل دولهم وشعوبهم وثقافتهم ويحضرون بكثافة في حوار غير متكافئ مع الغرب؟

  رجوع