الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

الغذاء والإنسان.. أزمة مستقبلية
د. إبراهيم بدران

«ان زيادة الانتاج الزراعي ورفع الانتاجية الزراعية هي المدخل الرئيسي لمواجهة ازمة الغذاء على المستوى القريب والبعيد. وهنا فإن التعاون بين الدول على مستوى الاقاليم، وفي مقدمتها الوطن العربي سوف يلعب دوراً بارزاً في الاسراع في تطوير انتاج الاغذية، وتعميق تنوعها،وفي تحسين اقتصادياتها».
بالتقاء (41) رئيس دولة في روما وأكثر من (150) منظمة دولية وممثلين عن (181) دولة في الاسبوع الأول من الشهر الجاري، تكون المنظمة الدولية للغذاء والزراعة (الفاو)، قد أطلقت صفارة الانذار شبه الاخيرة قبل حدوث كارثة غذائية عالمية. صحيح ان القمة كانت دولية، وان الأزمة عالمية، بمعنى ان المتأثرين بها منتشرون في جميع انحاء دول العالم، الا ان نصيب الدول النامية من الأضرار والنتائج السلبية هو الأكبر. حيث اقتربت تكاليف الغذاء في معظم الدول النامية إلى اكثر من (60٪) واحياناً (90٪) من متوسط دخل الفرد. وإذا ما اقترن ذلك بارتفاع تكلفة الاسكان والطاقة، فإن شرائح واسعة في الدول النامية لن تكون في أغلبها قادرة على مواجهة الاساسيات المعاصرة وهي: الغذاء والمأوى والطاقة. ناهيك عن الدواء والتعليم وغيره.
وعلى الرغم من القول إن المشكلة في الغذاء العالمي هي ليست في الانتاج، وإنما في المضاربات التي خضعت لها المواد الغذائية في البورصات العالمية، وخاصة في السنوات الأربع الأخيرة ، الا ان حقيقة الأمر ان انتاج الدول النامية من الغذاء النباتي والحيواني البري والبحري هو منخفض للغاية.أولاً: بسبب الانصراف عن الاهتمام بالزراعة خلال العقود الثلاثة الماضية وتدني الاستثمار في الزراعة من (17٪) إلى أقـــــل مـــن (3٪) من مجمل الاستثمارات، مما أدى إلى انحسار المساحات المزروعة. وثانياً: الاعتماد على المواد الغذائية المستوردة والتي كانت رخيصة نسبياً كبديل للانتاج المحلي، مما جعل الزراعة المحلية غير جاذبة. ويكفي ان نذكر ان استيراد الاقطار العربية من المواد الغذائية يصل إلى أكثر من 25مليار دولار سنويا. وثالثاً: بسبب التغيرات المناخية والجفاف الذي تعاني منه الكثير من الدول النامية. ورابعاً: بسبب عدم ادخال التكنولوجيا الحديثة في الزراعة وعدم توجيه الابحاث في الجامعات لخدمة قطاع الانتاج الزراعي.
اما على المستوى العالمي، فإن هبوط قيمة الدولار، وارتفاع أسعار الطاقة، والتحول لاستخدام المنتجات الزراعية في انتاج الوقود الحيوي، حيث يصل الآن إلى أكثر من 30٪، إضافة إلى المضاربات، أدى إلى هذا الوضع المنذر بالخطر، والذي يتهــدد أكثــــر مـــن (850) مليون نسمة في الدول الفقيرة منها أكثر من (100) مليون في المنطقة العربية.
ان الخلاصة الرئيسية التي خرج بها مؤتمر روما هي: «ان على الشعوب والمجتمعات ان تنتج غذاءها بنفسها، وان لا تعتمد على شراء الأغذية المستوردة». وهذه نتيجة بالغة الأهمية،لأنها تشكل طريق المستقبل بالنسبة لمختلف شعوب العالم. اذ يبدو ان العالم الآن يتحرك نحو اعتبار الغذاء مادة ليست مرتبطة بالجانب الإنساني الحياتي، وإنما هي «سلعة صناعية » بكل معنى الكلمة، يمكن استعمالها في شتى الغايات. وهذا يعني ان حركة تصدير المواد الغذائية، سوف تشهد في السنوات القادمة تغيرات جذرية، ينبغي على الدول النامية الاحتياط لها، من خلال رسم السياسات وتنفيذ البرامج الوطنية بعيدة المدى، لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، وخاصة في الأساسيات، وهي الحبوب والمواد البروتينية المختلفة ولدعم المشاريع الزراعية النباتية والحيوانية والبحرية.
وهنا تقع على الدول، وعلى المستثمرين والمفكرين والعلماء والمثقفين، مسؤولية كبيرة لاحداث هذا التغيير. فعلى الدول النامية ان تبدأ على الصعيد الوطني، أولا: ان تعيد الاعتبار الاجتماعي للزراعة، باعتبارها المدخل لبقاء الحياة الانسانية، بكل ما يرافق ذلك من دعم ومساندة اعلامية وثقافية وتنظيمية مناسبة. وثانياً: التوسع في المشاريع الزراعية الكبيرة، سواء كان ذلك استصلاح الاراضي أو المشاريع المائية أو إنشاء القرى الزراعية أو غير ذلك. وثالثاً التوسع في الاستثمارات الزراعية باعتبارها جزءا من الامان الاجتماعي. ورابعاً: تطوير الزراعة المحلية، وتحديث اساليبها، وادخال التكنولوجيا المتقدمة لهذه الغايات، وألإهتمام بالهندسة الزراعية. وخامساً: تصنيع الزراعة، والاعتماد على الذات في مدخلات الانتاج الزراعي والعمليات الزراعية ثم تصنيع المنتجات الزراعية لغايات الحفظ والنقل والتداول.
ان زيادة الانتاج الزراعي ورفع الانتاجية الزراعية هي المدخل الرئيسي لمواجهة ازمة الغذاء على المستوى القريب والبعيد. وهنا فإن التعاون بين الدول على مستوى الاقاليم، وفي مقدمتها الوطن العربي سوف يلعب دوراً بارزاً في الاسراع في تطوير انتاج الاغذية، وتعميق تنوعها،وفي تحسين اقتصادياتها. ان معدل الانتاج للمواد الغذائية ينبغي ان يتزايد سنوياً بما لايقل عن (10٪) على الاقل حتى يمكن أولا تجسير أو ردم الفجوة الغذائية القائمة حاليا وثانيا مواجهة الزيادات السكانية. ان التركيز على انتاج المواد الغذائية لغايات التصدير فقط، وعلى حساب الأولويات التي يحتاجها المجتمع وكما يجري الآن، أمر سوف يفاقم من الأزمة.
وبعد، هل للمفكرين والمثقفين والاعلاميين والعلماء دور في كل هذا؟ اضافة إلى دور الدولة ومنظمات المجتمع المدني؟ في اعتقادنا ان دور هؤلاء بالغ الأهمية. لأن المطلوب الان اعادة التفكير، وتصويب الاتجاه، واعادة الاعتبار لموضوع تراجع على مدى العقود السابقة، إلى ادنى درجة من الاهتمام، وخاصة لدى الشباب في الدول النامية. حيث يبدو لهؤلاء الشباب بأن انتاج الغذاء، أي الزراعة هي شيء قديم، والاقامة في القرى والارياف هي مسألة تاريخية لا تصلح، وقليل منهم يعرف ان الدول الأعلى في الإنتاج الغذائي هي الدول الصناعية. وتأتي في مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا وامانيا وكندا واستراليا والبرازيل. ان مؤتمر روما ينبغي ان يكون بمثابة صفارة الانطلاق، للاستعداد للمستقبل، بكل تعقيداته التي تكتنف مسألة الغذاء،ولكن بكل العلم المبدع والفكر المتجدد، الذي يمكن أن يحقق للإنسان الثقة والأمن والتعايش المتكافئ مع الحالة الحضارية القادمة.

  رجوع