«زيادة الإنتاج
ليست هي الحل وإنما أن تتحلى الدول المستهلكة
الكبرى والشركات العالمية بالمسؤولية في العمل
على إعادة الاستقرار لسوق النفط. والواقع أن
أي نجاح لحوار مستقبلي في هذه القضية إنما
يتوقف على تغيير جوهري في السياسة الخارجية
الأمريكية يعتمد لغة الحوار مع الخصوم لا لغة
الاستقواء والتدخل العسكري، وهذا ما سيمكن
استشرافه مع بدايات العام المقبل حيث يتحدد
شخص الرئيس الجديد في البيت الأبيض».
كان من الممكن أن يجتاز العالم أزمة الطاقة
الحالية مثلما حدث في مرات عديدة سابقة. فما
أكثر حالات الخلاف بين المنتجين والمستهلكين
في العقود الماضية، وبرغم ذلك ظل بالإمكان
دائما التوصل إلى حل يعيد الاستقرار إلى سوق
النفط ويهدئ من قلق العالم. وكانت منظمة أوبك
حتى أواسط ثمانينيات القرن الماضي تتدخل بين
وقت وآخر لإعادة التوازن وكبح جماح الأسعار،
كما كانت بعض كبريات الدول المنتجة تتحرك
أحيانا منفردة لزيادة الإنتاج لإعادة الأسعار
إلى مستويات مقبولة. ولكن الأمور مختلفة تماما
في الأزمة الحالية، لأن أسبابها لا تتعلق
بالعرض والطلب وإنما بعوامل أخرى متشابكة
ومعقدة وخارج قدرة الدول المنتجة للنفط. فمن
الثابت أن هناك فائضا في العرض حتى أن دولة
مثل الجزائر تجد صعوبة في تسويق إنتاجها، بل
هناك مخزون كبير لدى الدول المستهلكة من عالم
الكبار وهو المخزون الذي لم تتوقف الدول
المنتجة عن دعمه طيلة السنوات القليلة الماضية،
كما تعد أوبك صاحبة قرار مؤثر في ضبط الأسواق
بعد أن اصبح هذا القرار في يد الشركات.
ولا تتسم الأزمة الراهنة بكونها بعيدة عن
عوامل العرض والطلب فقط، ولكن لها سمات أخرى
تجعلها غير مسبوقة وبالغة الخطورة ليس على
صعيد المنتجين فحسب بل على صعيد استقرار وأمن
العالم ككل لأنها أزمة تشير إلى حروب مستترة
لتكسير العظام بين أطراف ومؤسسات اقتصادية
عالمية عديدة في ظل التحولات الراهنة لموازين
القوى الاقتصادية.. لقد ارتفعت الأسعار إلى
مستوى غير معهود في تاريخ الطاقة، فبعد أن وصل
سعر برميل البترول إلى 135 دولارا للبرميل من
المتوقع أن يصل المستوى إلى 150 دولارا هذا
الصيف. ومن ناحية أخرى هناك مناخ من عدم الثقة
والتشكيك المتبادل في المواقف يسود العلاقة
بين الدول المنتجة والمستهلكة، بل يسيطر على
قرارات المستثمرين في كل الأنشطة الاقتصادية
العالمية بسبب خروج الأزمة عن نطاق عوامل
العرض والطلب ودخولها في شبكة واسعة من
الأسباب الخفية والمعلنة أغلبها ذو طابع سياسي
ولا يخضع لحسابات السوق المعتادة.
ومن ناحية ثالثة فقد رسخت الأزمة لمفهوم
انتهاء عصر النفط الرخيص بما يعني أن أي
استثمارات مقبلة ستكون مرتفعة للغاية، وعليه
سيظل برميل النفط مرتفع الثمن إلى حد يصعب
احتماله في البلدان النامية والفقيرة على وجه
الخصوص، بكل ما يرتبه ذلك من تداعيات ارتفاع
تكلفة المنتجات بمختلف أنواعها ومنها المنتجات
الغذائية ووسائل النقل خصوصا بالنسبة للطائرات.
لقد أرجع خبراء نفط واقتصاديون عرب الارتفاع
المذهل في أسعار النفط إلى عاملين هما حمى
المضاربات في أسواق النفط الورقية )كان
بالإمكان أن يتوقف سعر برميل النفط عند مستوى
70 دولارا لو لم تحدث هذه المضاربات حسب ما
أعلنه شكيب خليل وزير الطاقة الجزائري(،
والأزمة التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي
والتي كان من نتيجتها انخفاض قيمة الدولار.
وأضاف البعض الآخر لذلك انهيار بعض البورصات.
وركز البعض الثالث على إقدام عدة دول غربية
كبرى من بينها الولايات المتحدة على استخدام
الوقود الحيوي، وهو الوقود الذي يتم استخراجه
من بعض المحاصيل مثل القمح والذرة وبعض البذور
الزيتية، على أساس أن هناك رغبة لدى الدول
الغربية الصناعية الكبرى في أن تصل تكلفة
أسعار النفط لنفس مستوى تكلفة الوقود الحيوي
تقريبا بما يجعل هذا الوقود الجديد مبررا
ومقبولا لدى المستهلكين ومن ثم الاستغناء عن
النفط! كما ارجع البعض الرابع سبب الارتفاع في
الأسعار إلى عمليات التنقيب التي تتم في بلدان
مثل كندا وكانت غير اقتصادية في السابق، والآن
تتجه الاستثمارات إليها بحثا عن تأمين
المستقبل من الطاقة، ولأنها عمليات مكلفة فمن
المنطقي أن يؤدي ذلك إلى دفع مستويات الأسعار
عموما إلى الارتفاع. وأضاف البعض الخامس سببا
آخر هو تزايد إنتاج دول مثل الصين والهند
اللتين دخلتا السوق العالمي بقوة وازداد الطلب
فيهما على النفط بشكل غير مسبوق. وقال البعض
السادس إن توتر الأوضاع السياسية والأمنية في
الشرق الأوسط أدى إلى ازدياد الأسعار بهذا
النحو المخيف خصوصا فيما يتعلق بالمواجهة بين
واشنطن وطهران، وتأكيدا لذلك فإنه عندما عمد
موفاز نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي وأحد
زعماء حزب كاديما إلى التهديد بإمكانية شن حرب
إسرائيلية ضد إيران، ارتفعت أسعار النفط سريعا..
ولكن الأسباب السابقة لا تحظى بإجماع في
الآراء، ولمَ لا وقد خرجت الظاهرة عن نطاقها
الطبيعي كظاهرة اقتصادية تخضع فيها الأسعار
لعوامل العرض والطلب فقط.. وحيث اصبح المجال
مفتوحا لتبادل الاتهامات على خلفية عدم
التوافق السياسي، فقد جرى التأكيد من جانب
الدول المنتجة على أن وفرة العرض تتناسب مع
احتياجات الدول الصناعية الصاعدة كالصين
والهند ومهما زادت احتياجاتهما فسوف تلقى
معروضا من النفط، ومن ثم فليس من المنطقي قبول
الإدعاء بأنهما وراء ارتفاع الأسعار، كما أن
وجود مخزون كبير لدى كبار المستهلكين وعدم
تقاعس المنتجين عن زيادته يسد الأعذار في رفع
الأسعار.. وبالمقابل فإن الدول الغربية الكبرى
وعلى رأسها الولايات المتحدة رفضت القبول بأن
المضاربات هي السبب وليس الوقود الحيوي. وكانت
مناقشات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة
«الفاو» قد انتهت إلى عدم التصدي لمشروعات
الإنتاج في هذا الوقود، حيث لم يظهر توافق
عالمي على أنه سبب رئيسي في أزمة ارتفاع
الأسعار، كما أن الولايات المتحدة ضغطت بقوة
من جانبها لكي لا تصدر إدانة دولية لهذه
المشروعات، ففي تقديرها أن الوقود الحيوي
مشروع استثماري مثل غيره من المشروعات يخضع
الآن لاختبار الإرادة الشعبية الأمريكية
ذاتها، بمعنى أن يجمع عليه الأمريكيون أم لا
بوصفه مشروعا اقتصاديا من ناحية وحلا لأزمة
الاحتباس الحراري من ناحية أخرى بحكم أن هذا
الوقود يعد من أصدقاء البيئة، ولم يتضح الرفض
الشعبي للمشروع حتى الآن والأرجح أنه سيأخذ
طريقه قدما إلى التوسع في المستقبل، وينطبق
نفس التفسير على مشروعات التنقيب عن النفط
المكلفة وتم تفسير هذا الموقف على أنه تحد
سياسي من الولايات المتحدة للدول المنتجة
والقوى الاقتصادية الصاعدة كالصين لضمان هيمنة
أمريكا على مجريات السياسة الدولية.
ومن جهة أخرى لا تبدو الدول الغربية قلقة من
استمرار تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في
الشرق الأوسط، فهي تشعر بأنها قادرة على ضبط
تداعيات هذا التدهور من الناحية العسكرية، وقد
جاءت مفاوضات الاتفاقية الأمنية الشاملة بين
بغداد وواشنطن في سياق الجهود الأمريكية في
هذا الصدد، وإذا ما كان لهذه التداعيات من
تأثيرات سلبية تتمثل في ارتفاع أسعار النفط،
فإنها تصبح تداعيات مرغوبة من وجهة نظر
الحسابات الغربية التي تتجه عن عمد إلى رفع
الأسعار لتبرير التوجه إلى بدائل أخرى ــ حتى
لو كانت مكلفة ــ مثل الوقود الحيوي وإلى
زيادة الاستثمارات في التنقيب عن النفط في
المناطق المكلفة لاستيعاب الفوائض المالية
وتنشيط اقتصاداتها الوطنية. وكلها تحركات
سياسية في المقام الأول لخدمة أهداف اقتصادية
تضمن استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي على
المستوي العالمي.
لقد انتهى عصر النفط الرخيص، ذلك هو نتيجة ما
جرى خلال الشهور الماضية وهو نفسه ما تريده
الدول الغربية الكبرى، فحتى لو أمكن التدخل
ببعض الإجراءات من جانب المنتجين لتخفيض سقف
السعر الراهن ــ وإن كان ذلك مستبعدا ــ فلن
ينخفض السعر عن 70 دولارا للبرميل تحت أي ظرف
من الظروف، ومن ناحية أخرى فإن استمرار سياسات
الدول الغربية في فرض رسوم على بيع منتجات
النفط لمستهلكيها سيؤدي إلى إبقاء الأسعار
المرتفعة على حالها.
وربما تبدو هذه النتيجة مفيدة للدول المنتجة
لأنها تعني زيادة عائداتها النفطية أضعاف ما
كانت عليه قبل بضع سنوات قليلة، ولكن للعملة
وجهها الآخر حيث ترغب هذه الدول في الاحتفاظ
باحتياطياتها النفطية حفاظا على حقوق الأجيال.
ومن ثم تتردد كثيرا في زيادة الإنتاج مهما تكن
مغريات ارتفاع الأسعار، فالنفط مهدد بالنضوب
خلال بضعة عقود ويتعين الإبقاء على وتيرة
الإنتاج بما لا يؤدي إلى استنزاف سريع لهذه
الثروة. وكما سبق القول فإن زيادة الإنتاج لن
تؤدي إلى خفض الأسعار بالنطر لأن عوامل العرض
والطلب لا تتحكم فيها وإنما تخضع الآن لدوافع
أخرى تتعلق بالتغير في السياسات الاقتصادية
للدول الغربية الكبرى.
كما أن تراجع قيمة الدولار تجعل القيمة
الحقيقية لعوائد النفط منخفضة من الناحية
الفعلية، ولذلك فإن مقولة انتهاء عصر النفط
الرخيص لا تسر الدول المنتجة، بل تقلقها مما
يجعلها تشعر بأنها تتعرض لمؤامرة سياسية غربية
للإجهاز على قوتها الاقتصادية.
وحتى بافتراض صدق النيات ومن ثم تجاوز مفهوم
المؤامرة فإن البحث عن بدائل للنفط يدفع الدول
المنتجة الرئيسية خصوصا في منطقة الخليج إلى
تكثيف التعاون مع الصين والهند ليس فقط على
صعيد النفط وإنما في شتى الاستثمارات
الاقتصادية الأخرى استيعابا للفوائض المالية
النفطية )تقدر بنحو 1,5 تريليون دولار في عام
،2010 وإلى تعزيز التوجه لتحقيق الأمن
والاستقرار في العراق ومنع أي مواجهة عسكرية
محتملة بين طهران وواشنطن وذلك لكي تعود إيران
بقوة إلى عالم الإنتاج فيتمتع السوق بقدر أكبر
من الوفرة النفطية تؤدي إلى خفض الأسعار،
وكذلك الحال بالنسبة للعراق. إلا أن كلا
الهدفين يصطدم بتوجهات السياسة الأمريكية
ذاتها حيث تشعر واشنطن بأن نفوذها الدولي
يتراجع تدريجيا وربما تفقد سيطرتها على قيادة
العالم عند منتصف القرن بينما ستملأ الصين هذا
الفراغ الدولي.
ولكي لا يصبح الدور الصيني المستقبلي تحديا
للدور الأمريكي فإن واشنطن تسعى إلى بناء
تحالف اقتصادي سياسي جديد أكثر قوة مع بقية
الدول الغربية ليبقى النظام العالمي في
المستقبل محكوما بالمبادئ والسياسات الغربية
ولا يتأثر بالتوجهات الصينية.
ويرى محللون أنه في حالة تراجع الاستهلاك
الأمريكي فإن اقتصادات الصين والهند ستستفيد
من هذا التراجع.. وفي الطريق ليس من المستبعد
أن تجري مشاهد من معارك تكسير العظام سياسيا
واقتصاديا بين الدول المستهلكة الغربية بقيادة
الولايات المتحدة والدول المنتجة للنفط ــ
ومعظمها يقع في منطقة الخليج ــ في محاولة
مستميتة لفرض الأجندة الغربية على هذه الدول.
وربما هي المرة الأولى التي تتعكر فيها
الأجواء بين الدول المنتجة والمستهلكة الكبرى
على النحو المعقد الآن على خلفية هذا الارتفاع
غير المسبوق في أسعار النفط، لأن المستقبل
غامض إلى حد كبير على صعيد النظام الدولي
ذاته، فحيث تتباين المصالح ومن ثم السياسات
فإن الشك يحل محل الثقة وتنعدم الرؤية في
اتخاذ القرار السليم. ولذلك فإن الحوار مطلوب
بين الجانبين أكثر من أي وقت مضى حتى تعود
الثقة مجددا إلى العلاقة بينهما ويتم احتواء
التداعيات السيئة الناجمة عن تغير السياسات
الاقتصادية للدول الغربية في نظام عالمي
يكتنفه الغموض. زيادة الإنتاج ليست هي الحل
وإنما أن تتحلى الدول المستهلكة الكبرى
والشركات العالمية بالمسؤولية في العمل على
إعادة الاستقرار لسوق النفط. والواقع أن أي
نجاح لحوار مستقبلي في هذه القضية إنما يتوقف
على تغيير جوهري في السياسة الخارجية
الأمريكية يعتمد لغة الحوار مع الخصوم لا لغة
الاستقواء والتدخل العسكري، وهذا ما سيمكن
استشرافه مع بدايات العام المقبل حيث يتحدد
شخص الرئيس الجديد في البيت الأبيض.