الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

قرار أممي يضع المسجد الأقصى في قبضة الاحتلال الإسرائيلي
نادية سعد الدين

«القرار الذي صدر مؤخراً عن لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة التربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) خلال اجتماع عقد في كندا، فتح المجال لأول مرة أمام السلطات الإسرائيلية للمشاركة في المسؤولية عن المسجد الأقصى المبارك، وهو أمر يعتبر سابقة خطيرة من نوعها، رغم أنه تضمن شرط اللجنة بأن «يحرص المشروع المشترك على أصالة الموقع وأهميته»، إلا أن هذا الأمر غير مضمون التنفيذ عندما يكون الطرف الآخر المشارك ممثلاً في الاحتلال».
شكل القرار الأممي الأخير بتنفيذ مشروع أردني - إسرائيلي مشترك »للحفاظ على طريق باب المغاربة في الحرم القدسي الشريف«، بداية الطريق أمام مشاركة سلطات الاحتلال في المسؤولية عن المسجد الأقصى المبارك.
فالقرار الذي صدر مؤخراً عن لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة التربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) خلال اجتماع عقد في كندا، فتح المجال لأول مرة أمام السلطات الإسرائيلية للمشاركة في المسؤولية عن المسجد الأقصى المبارك، وهو أمر يعتبر سابقة خطيرة من نوعها، رغم أنه تضمن شرط اللجنة بأن «يحرص المشروع المشترك على أصالة الموقع وأهميته»، إلا أن هذا الأمر غير مضمون التنفيذ عندما يكون الطرف الآخر المشارك ممثلاً في الاحتلال.
وتمتد خطورة القرار إلى إتاحة المجال أمام سلطات الاحتلال لوضع اليد على المسجد الأقصى للمضي قدماً في اعتداءاتها وانتهاكاتها ضده، من خلال «المشاركة في المسؤولية عنه».
وقد حسم القرار خلافاً إمتد لفترة طويلة بين مشروع أردني قدم إلى اللجنة العالمية كمضاد لمشروع إسرائيلي يتعلقان بطريق باب المغاربة في الحرم القدسي الشريف، كانت منظمة اليونسكو قد أحالتهما كمشروعين منفصلين إلى لجنة التراث العالمي للبت فيهما خلال اجتماعها الأخير. غير أن القرار الذي اتخذ خلال الاجتماع بحضور خمسة دول عربية (الأردن ومصر والبحرين والمغرب وتونس) من أصل 21 عضواً في اللجنة، جاء لصالح الجانب الإسرائيلي الذي أصبح مشاركاً في المسؤولية عن الحرم القدسي الشريف، بينما لم ينجح الأردن في إقناع اللجنة بضرورة وأهمية مشروعه، مثلما لم تفلح جهود المجموعة العربية العضوة في اللجنة والمعارضة للقرار في الحؤول دون خروجه إلى حيز الوجود، حيث تتخذ قرارات اللجنة بالأغلبية.
ولكن الأردن أعلن فوراً رفضه لتنفيذ مشاريع مشتركة مع إسرائيل تتعلق بالحرم القدسي الشريف، ومنها المشروع المتعلق بطريق باب المغاربة، ولأي تدخل لسلطات الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ أعمال أو مشاريع تخص الأوقاف والمقدسات الإسلامية والمسيحية، مثلما أنه لا يسمح بإشراك إسرائيل في المسؤولية عن المسجد الأقصى المبارك. وأكد الأردن رسمياً بأنه لن يسمح مطلقاً بتدخل إسرائيل في عملية الإشراف أو التنفيذ في المشروع، وأنه يوافق فقط على إشراف منظمة اليونسكو على أية أعمال تتولى الجهات الأردنية المعنية تنفيذها للحفاظ على طريق باب المغاربة وترميمه وإعادته إلى ما كان عليه سابقاً، بما يتوافق مع المشروع الأردني الذي سيظل مطروحاً وقائماً.
وقد حرص الجانب الأردني طوال السنوات السابقة بإثبات وجوده في المسجد الأقصى وبإبعاد سلطات الاحتلال عن المشاركة في أي شيء يخصه من التصميم والترميم والإشراف، باعتبار الأردن مسؤولاً عن الإشراف على الأوقاف والمقدسات الإسلامية في القدس المحتلة منذ عام ،1952 فيما تنص المادة التاسعة من معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية عام 1994 على دور أردني خاص في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس المحتلة. ويتعامل الأردن مع تلك القضية من منطلق أن القدس أرض محتلة وأن الجانب الفلسطيني العربي يطالب بإنسحاب الاحتلال منها ومن كافة الأراضي العربية المحتلة منذ عدوان عام ،1967 وهي مدرجة إلى جانب قضايا اللاجئين والمستوطنات والمياه والأمن والحدود ضمن مفاوضات الوضع النهائي بين الجانبين الفلسطيني - الإسرائيلي.
غير أنه من المشكوك فيه إمكانية التوصل أو تنفيذ مشروع أردني - إسرائيلي مشترك بخصوص طريق باب المغاربة، بسبب الاختلاف الواضح في أهداف المشروعين الأردني والإسرائيلي ولعدم وجود أي نقاط التقاء بينهما.
إذ يهدف المشروع الأردني المقدم إلى لجنة التراث العالمي إلى المحافظة على الحرم القدسي الشريف وعلى التراث الإسلامي في القدس المحتلة بما يتفق مع ركائز وأسس التراث العالمي ويقع ضمن مواصفاته العالمية، وذلك عبر إرجاع حالة الطريق إلى ما كانت عليه سابقاً باستخدام مواد بسيطة، بينما يخالف المشروع الإسرائيلي تلك الأسس ولا يتفق مع أصالة الموقع، من خلال مقترح بناء جسر حديدي عند باب المغاربة بدلاً من الطريق الأثري الذي هدم على يد سلطات الاحتلال خلال حفرياتها الأخيرة، بحيث يصل بين المنطقة أسفل باب المغاربة وحتى حائط البراق في الحرم القدسي الشريف لتسهيل مرور المستوطنين اليهود والدبابات والجنود إلى داخل الحرم الشريف من باب المغاربة بواسطة ذلك الجسر.
غير أن اللجنة العالمية، التي تستند إلى اتفاقية صدرت عام 1972 لتشكيل (لجنة دولية حكومية لحماية التراث الثقافي والطبيعي) تعرف بلجنة التراث العالمي وفق نص الميثاق التأسيسي لمنظمة اليونسكو، تنظر إلى المشروع من منطلق معماري وليس سياسي أو ديني، حيث وجدت اللجنة أن قرارها يأتي كحل وسط بين المشروعين الأردني والإسرائيلي المطروحين أمامها باعتبار أن إسرائيل هي الدولة المحتلة وأن الأردن هو المسؤول عن المسجد الأقصى. إن سلطات الاحتلال تحرص دوماً على إسباغ ممارساتها العدوانية ضد المسجد الأقصى (بالشرعية) وإكسابها طابعاً دولياً عبر نقلها إلى المنبر الأممي، كما حدث مؤخراً مع قرار لجنة التراث العالمي، فيما تشهد أروقة المنظمة الأممية مساعٍ متكررة من جانبها لشطب مدينة القدس المحتلة من قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، بعد أن أدرجتها منظمة اليونسكو ضمن القائمة عام ،1982 مقابل محاولاتها السنوية لتسجيل آثار يهودية ضمن القائمة كجبل صهيون رغم أنه جزءاً من المدينة المقدسة، إلى جانب الانتهاكات والخروقات الإسرائيلية ضد المسجد الأقصى والمقدسات والأوقاف الإسلامية، المصاحبة لمخطط تهويدي استيطاني للقدس المحتلة بهدف تدمير الآثار الإسلامية المتبقية فيها بعدما قامت قوات الاحتلال بتدمير الكثير منها بعد احتلال القدس عام .1967
ويشكل الانتهاك الإسرائيلي ضد باب المغاربة، أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك، استكمالاً لسلسلة متتابعة من الخروقات المتعددة التي تعود إلى الأيام الأولى لعدوان عام 1967 حينما هدم الاحتلال حارة المغاربة في الحادي عشر من (يونيو)، مما أسفر عن هدم 135 منزلاً فيما بلغ عدد السكان العرب المتضررين أكثر من 650 متضرراً. وقامت سلطات الاحتلال بانتزاع مفتاح باب المغاربة المطل على حائط البراق الذي استولت عليه سنة العدوان وأطلقت عليه (حائط البراق المبكى) أو (الحائط الغربي) وسيطرت على باب المغاربة، كما ازالت المدرسة العمرية وزاوية المغاربة وهدمت الزاوية الطواشية في حارة الشرف العربية وأقامت على أنقاضها مساكن للمستعمرين اليهود. فيما بلغت مساحة الأراضي المصادرة من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي في حدود ما يسمى (ببلدية القدس الموحدة) حوالي 25 ألف دونم أي أكثر من ثلث مساحة شرق القدس المحتلة. كما تخطط سلطات الاحتلال لتنفيذ مشروع خطير يهدف إلى هدم تلة باب المغاربة بالكامل وهدم مسجد البراق، واختراق بوابة النبي التي دخل منها الرسول عليه الصلاة والسلام في ليلة الإسراء والمعراج إلى ساحات المسجد الأقصى، إضافة إلى تنفيذ مشروع يهدف إلى تحويل مغارة سليمان القريبة من باب العامود إلى قاعة للاحتفالات المختلفة. كما تهدف إلى حفر نفق جديد يمتد من المغارة إلى أسفل البلدة القديمة ليصل إلى بؤرة استيطانية قريبة من أسوار المسجد الأقصى المبارك، بحيث يتم فتح النفق هذا ليصل بين باب العامود وجنوب البلدة القديمة. ولم تتوقف الانتهاكات الإسرائيلية ضد الحرم القدسي الشريف، إذ يواصل الاحتلال حفرياته في المسجد ألأقصى رغم المعارضة العربية المتواترة، فيما باشر منذ العام الماضي عمليات هدم وإزالة الطريق المؤدي إلى حارة المغاربة أعقبه بإقتحام باحة المسجد الأقصى. كما نشر قوات أمن إضافية في محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة لإحكام حصارهما فيما زود موقع الحفريات بأعداد إضافية من العمال لمواصلة أعمال الهدم ووضع الأساسات اللازمة لبناء جسر جديد لا يقل طوله عن 100 متر بما يسهل دخول أعداد كبيرة من الشرطة الإسرائيلية واليهود المتطرفين إلى المسجد المبارك.
وتهدف إسرائيل من وراء خروقاتها وانتهاكاتها المتواصلة ضد الحرم القدسي الشريف إلى الاستيلاء على المسجد الأقصى بقصد تدميره وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه، متبعة في ذلك خطوات مرحلية وإجراءات عديدة لإحكام طوق التهويد حول القدس المحتلة وطرد وتهجير العرب المسلمين والمسيحيين منها، خاصة سكان البلدة القديمة منهم، بالاستفادة من الضعف العربي والإسلامي والدعم الأمريكي اللامحدود. فإسرائيل تنتهك حرمة المقدسات وتحارب أصحاب الديانات وتمنع المواطنين من الدخول إلى القدس المحتلة والصلاة في المسجد الأقصى المبارك، كما تحول دون وصول المسيحيين إلى كنيسة القيامة للصلاة فيها بما يخالف كافة الشرائع والقوانين وقوانين الشرعية الدولية، إلى جانب عرقلتها لعمليات ترميم المسجد الأقصى الذي يعود بنائه إلى 1400 عام.
كما تهدد إسرائيل بفتح أنفاق تحت المسجد الأقصى وبالقرب من محيطه، من شأنها أن تهدد أساساته وجدرانه وتنذر بتجدد أعمال العنف، على غرار ما حدث سابقاً في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو عام 1996 لدى محاولته شق نفق تحت المسجد مما أدى إلى تصعيد الأوضاع في الأراضي المحتلة، فيما أشعلت زيارة رئيس الوزراء السابق أرييل شارون إلى باحة المسجد الأقصى في 28 (سبتمبر) 2000 الانتفاضة الفلسطينية الثانية. وتهدف إسرائيل من وراء فتح الأنفاق إلى الربط بينها والوصول من خلالها إلى أسفل مسجد قبة الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى المبارك، إلى جانب تنفيذ الحفريات بحجة التنقيب عن آثار الهيكل المزعوم يهدف أساساً إلى تغيير معالم المسجد الأقصى ووضع اليد بطريقة أو أخرى على الحرم القدسي الشريف مما يقوض أية محاولة لإعادة إحياء عملية السلام.
وتنفذ سلطات الاحتلال حفرياتها قرب باب الحديد القريب من باب السلسلة بإتجاه مبنى قبة الصخرة المشرفة، بما له من تداعيات خطيرة على أساسات المعالم الإسلامية والتاريخية. وكان الاحتلال هدم حارتي الشرف والسلسلة في شهر (إبريل) 1968 فأسفر عن تدمير 595 بناء وعقارا إسلاميا و1048 منزلاً و437 مخزناً ومحلاً تجارياً، فيما صادرت 116 دونماً. وقد وصلت الحفريات عند حمام العين وباب السلسلة تحت حارة المسلمين في البلدة القديمة، إذ يهدف الاحتلال إلى هدم البلدة القديمة وتهجير سكانها الأصليين البالغ عددهم قرابة 34 ألف نسمة جلهم من المسلمين، مقابل 2600 يهودي وذلك من أجل جعلها (يهودية خالصة).
وقدرت لجنة إعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة في الأردن عدد الحفريات التي نفذتها سلطات الاحتلال في المسجد الأقصى بنحو 56 حفرية، منها 34 حفرية نفذتها منذ عام 1968 مقابل 22 حفرية قبله.
بينما تنشط سلطات الاحتلال عبر شركات يهودية لتوسيع ساحة البراق في المسجد الأقصى بهدف إقامة الهيكل المزعوم، مع هدم المعالم والآثار التاريخية الإسلامية فيها وتعميق مستوى الحفريات في باب المغاربة بهدف إزالته كإرث إسلامي تاريخي، فيما تسعى إلى بناء كنيس يهودي في ساحة البراق أو فوق المحكمة الشرعية، وآخر تعكف حالياً على بنائه على بعد مسافة قليلة من باب القطامين وذلك من أجل تطويق المسجد الأقصى بالكامل، إذ تركز إسرائيل على الجانب الغربي من المسجد الأقصى الممتد من باب الغوانمة شمالاً حتى باب المغاربة جنوباً وذلك بسبب كثافته السكانية من العرب خلافاً للجوانب الشمالية والشرقية والجنوبية شبه الفارغة، رغم أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ضد حائط البراق (يطلقون عليه المبكى) الذي يشكل جزءاً من الحائط الغربي للحرم القدسي الشريف والذي يزعم اليهود أنه من بقايا أحد الهياكل التي بنيت عبر التاريخ القديم، تسببت في اندلاع ثورة البراق في 23 (أغسطس) ،1929 وأسفرت عن استشهاد 116 فلسطينياً وجرح 232 آخرين، وإعدام ثلاثة من 27 كان محكوماً عليهم بالإعدام، وقد نفذ الحكم في عطا الزير ومحمد جمجموم وفؤاد حجازي. وتخطط إسرائيل لتنفيذ المزيد من الحفريات في الموقع، حيث تنظم حالياً جولات لمتعهدين ولشركات يهودية متطرفة مدعومة من الدوائر والسلطات الإسرائيلية لهدم العقارات وبقايا التراث الإسلامي في القدس المحتلة. فيما تلتزم سلطات الاحتلال الصمت أمام محاولات المتطرفين اليهود المتواترة لاقتحام ساحة المسجد ألأقصى أو القيام بأعمال استفزازية ضد المصلين، خاصة خلال شهر رمضان المبارك.
فيما بلغ عدد المستعمرين في الضفة الغربية في نهاية العام 2007 قد بلغ 483,453 مستعمر، مقارنة بـ 466,005 مستعمر في نهاية العام ،2006 أي بنسبة نمو مقدارها 3,74٪ خلال العامين المذكورين، إذ يتركز معظم المستعمرين في محافظة القدس حيث بلغت نسبتهم حوالي 53٪ من مجموع المستعمرين في الضفة الغربية ). ولا تتوقف انتهاكات سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد المسجد الأقصى عند حد معين، فهي تهدف إلى السيطرة عليه وإلى إحكام طوق التهويد حول المدينة المقدسة، ويأتي في هذا السياق تهديدها الأخير بهدم 15 ألف منزل وسحب هويات أكثر من 100 ألف مقدسي، ، أخرجهم الاحتلال من المدينة المقدسة خارج جدار الفصل العنصري المعرض حالياً لتعديل جديد يفصل أجزاء من القدس المحتلة، بالتزامن مع إجراءات منع تراخيص البناء ومصادرة الأراضي واستمرار الاستيطان، الأمر الذي يتطلب تحركاً عربياً وإسلامياً جاداً لوقف تلك الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية المستمرة ولحماية المقدسات والأوقاف الإسلامية والحفاظ عليها.

  رجوع