كتب: سيف بن سالم الفضيلي
اقامت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية امس حفلا بمناسبة
الهجرة النبوية الشريفة في قاعة المحاضرات بجامع السلطان
قابوس الأكبر رعاها سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي-
الأمين العام بمكتب الإفتاء.
بدأ الحفل بتلاوة عطرة تليها كلمة الوزارة القاها سلطان بن
سعيد الهنائي مساعد المدير العام للوعظ والإرشاد قال فيها:
تجدد وزارة الأوقاف و الشؤون الدينية لقاءها بكم في أعز
ذكرى من ذكريات الأمة الإسلامية لاستلهام ما انطوت عليه
تلك المناسبة الجليلة من انعطافات تاريخية مشهودة ،نقلت
الأمة بخطوات في الأرض ومعانيها مخطوطة في التاريخ ؛ لتكون
أختا للشمس تنير درب الباحثين عن الحقيقة ليعتصموا بنور
الهداية الربانية (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).
وأضاف: ثلاثة عشر عاما تتوالى والتاريخ يدون بكل فخر
واعتزاز حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بصفته رسولا
إلى العالمين ومنطلقا لولادة الإنسانية من جديد أمنية
الخواص من الناس في فترة تعثرت فيها البشرية عن مظاهر
المدنية المتحضرة في توحيدها الراقية في قيمها وأخلاقها
العقلانية في تصوراتها وقناعاتها ليلامس بدعوته السمحة
قلوب طبقات شتى تمثل المجتمع الإنساني في كل عصر وحين إذ
يسلم على يديه رجل وغلام وامرأة ثم زاد حرا وعبدا تلك هي
أطوار البشرية في وجودها مخلوقة في الإنسانية والطبيعة
ومصنوعة في السياسة والاجتماع ليصير الإنسانية عقيدة ودينا
بعد أن كانت أمنية ووهما (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز
عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم).
وأوضح: إن صنع الإنسانية المثالية يتطلب مصلحا عظيما
مدعوما بقوة الألوهية المطلقة مزودا بالحجة البينة
المتوازنة يتخذ من محاورة الأفكار والقناعات منهجا يفتح به
النفوس ويرسم معالم القلوب الحية " وجادلهم بالتي هي أحسن
" ويجعل من الفضائل والقيم مسرحا للمصداقية والقبول " إنما
بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ويتدرع بالرحمة كسلاح للنضال
من أجل العوالم الكونية جمعاء " وما أرسلناك إلا رحمة
للعالمين " ويسارع إلى الخير بالفعل والعمل ليكون قدوة
تمشي على الأرض " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة "
ويثبت في مركز تاريخه لتدور الحياة في فلكه وفضائه لأنه
مصلح لا يستطيع التاريخ أن يفسد عمله من بعده .
وقال: إن المتأمل في رحلة الهجرة النبوية الشريفة يدرك
بإمعان أنها ليست نزهة أو فسحة بل هي تضحية في سبيل
المبادئ وسمو بالنفس لتعلو على جبلتها وتتنازل عن علاقتها
الترابية من أجل بناء المدينة الفاضلة لتصبح وعاء خاتمة
الرسالات ملوحا بيد الوداع " أما إنك أحب البلاد إلى الله
ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت " لقد كان في مكة يعرض
الإسلام على العرب كما يُعرض الذهب على المتوحشين لذا
رفعوا في وجهه صنوف المحادة والمخالفة وبلغوا بدعوته مبلغ
الأوهام والأساطير ويستمر ماضيا لا يتحول مقبلا لا يعتريه
اليأس إنها أسمى معاني التربية الإنسانية يظهرها الله في
نبيه عليه الصلاة والسلام حتى تبلغ المعاداة أوجها تبحث عن
الخلاص من محمد بمختلف الوسائل وأفضعها " وإذ يمكر بك
الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر
الله والله خير الماكرين " وهنا يتخذ النبي الأمين صلى
الله عليه وسلم قرارا بالهجرة لموطن آخر أعده منذ زمن في
حين غفلة من قريش نصرة من الله تعالى :" إلا تنصروه فقد
نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في
الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله
سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا
السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم " ليجعل من
يوم هجرته منعطفا غير مجرى تاريخ الإسلام وينتقل إلى مرحلة
بناء المؤسسات وينقلب بأمته من الضعف إلى القوة ومن الظلم
إلى العدل ومن الفردية إلى الجماعة محققا الإرادة الإلهية
" وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا "
وأضاف: إن الأمة الإسلامية التي تعيش عبق ذكرى هجرة النبي
عليه الصلاة والسلام لحري بها أن تنقلب إلى الله عز وجل
بقلب سليم ونفوس مؤمنة مطمئنة وأن تنسجم قولا وفعلا مع
كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وأن تهاجر بفكرها
ليكون تبعا لما جاء به وأن تتسامى بفضائلها وقيمها الروحية
لتقود العالم إلى محاسن الأخلاق وأن تتعالى على صور الخلاف
لترسم أجمل معاني الوفاق وأن يصبح التاريخ عند المسلم فن
الوجود الإنساني في أحلى العصور والأزمان كما أن على الأمة
أن تستفتح عامها الهجري الجديد بالأمل المشرق بنور الله
على الكون وبالعمل الصالح لخيري الدنيا والآخرة .
وفي خاتمة هذه الكلمات تغتنم وزارة الأوقاف و الشؤون
الدينية ظلال هذه المناسبة الجليلة من ذكريات النبي الأمين
لترفع أسمى التهاني و أعطرها للمقام السامي لحضرة صاحب
الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله و يرعاه
داعين المولى جلت قدرته أن يديم عليه عمرا مديدا موفورا
بالصحة و العافية و أن يعيد عليه هذه المناسبة بكل يمن و
خير و نسأل الله أن يعيد هذه المناسبة على الأمة الإسلامية
و هي تنعم في ظلال الأمن و الإيمان و تتفيأ مظلة السلم و
الإسلام إنه ولي ذلك و القادر عليه .
وفي كلمة لسعادة الشيخ راعي الحفل والتي بدأها.. (والله
انك لاحب بلاد الله اليّ ولولا ان قومك اخرجوني ما خرجت ،
بهذه الكلمات المؤثرة نظر الحبيب المصطفى صلوات الله
وسلامه عليه الى مكان نشاته وملعب طفولته ومسرح صباه وموطن
قومه اباءً واجدادا مكة المكرمة.
وليس بخاف انه ليس شيء اشق على النفس واصعب على القلب واشد
على المهج من ان يترك الانسان موطنه الذي رسم فيه خطوطا
عريضة ومعالم جميلة للحياة.
على ان ذكر النفس عهدا ومعهدا * امض بها مما تمج
الاراقـــم
والله عزوجل جعل الاخراج من الوطن رديف قتل النفس في قوله
عز من قائل (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ
اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم
مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ). بيد ان كل ذلك
يهون في سبيل الله وفي سبيل التضحية من اجل العقيدة ، ومن
المعلوم ان العقيدة هي اسمى الاهداف لدى اصحاب المبادئ ،
وهي التي دائما وابدا يجعل المخلصون حظوظ الحياة قرابين
لها.
وهذا ما اراده الله عزوجل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
واصحابه الكرام رضي الله عنهم بعد ان هيأ لهم الاسباب
والمسببات ، فكانت الهجرة الكبرى والرحلة العظيمة المباركة
من مكة الى المدينة ، يقول احد أولئكم المهاجرين:
فقلت لها بل يثرب اليوم وجهنـا وما يشأ الرحمن فالعبد يركب
الى الله وجهي والرسول ومن يقم الى الله يوما وجهه لا
يخيـب
فكم قد تركنا من حبيب مناصـح وناصحة تبكي بدمع وتنـدب
دعوت بني غنم لحقن دمائهــم وللحق لما لاح للناس ملحـب
أجابوا بحمد لله لما دعـاهـــم الى الحق داع والنجاح
فاوعبوا
ورعنا الى قول النبي محمــــد فطاب ولاة الحق منا وطيـبوا
واوضح امين عام مكتب الافتاء ان الهجرة من مكة المكرمة الى
المدينة المنورة حرسهما الله تعالى من كل سوء ومكروه لم
تكن انتقالا من مكان الى مكان ، بل كانت هجرة حياة ملؤها
الشرك بالله وعبادة الاوثان وفيها تعذيب قاس للمؤمنين الى
حياة ملؤها الايمان بالله وحده لا شريك له وفيها راحة
وطمأنينة للمسلمين لذلك كانت الهجرة النبوية على صاحبها
افضل الصلاة والسلام احدثت نقلة كبرى في تاريخ البشرية ،
وحققت انجازات كبيرة للانسانية تمثلت في تكريس الايمان
بالله ربا خالقا فردا صمدا لم يلد ولم يولد ولم يكن له
كفوا احد ، والايمان بالغيب وما فيه من ثواب وعقاب ،
وايمان بالكتب الربانية والانبياء والمرسلين ، وهذه هي
اساسيات العقيدة الاسلامية ونشر الاسلام واكتمال الشريعة
الاسلامية ، على ان العقيدة في الاسلام هي قاعدة الحراك في
الاسلام ، ومنطلق السلوك الاسلامي القائم على مراقبة الله
تعالى وتقواه، لذلك فان جميع الآيات القرانية الآمرة
والناهية او اكثرها تختم بقول لعلكم تتقون، ولعل هنا ليست
للترجي وانما هي للتعليل أي لتتقوا ، ومن هنالك كان
المسلمون قدوة في السلوك الانساني وقدوة في التعامل
الحياتي ، وقدوة في الافعال والاقوال ، وذلك هو السر في
انتشار الاسلام بين الامم والشعوب.
والتخطيط العمراني ، ذلكم التخطيط المتمثل في بناء المسجد
النبوي الشريف ومن حوله المنازل والدور والطرق والسوق ،
ليكون ذلك اطارا ومنطلقا للحياة وللنشاط الاقتصادي ، وذلك
لان النشاط الاقتصادي لابد له من اطار ينطلق منه ويأوي
إليه، ذلكم الاقتصاد القائم على مفهوم الحلال والحرام ،
وعلى الصدق والامانة والشفافية بعيدا عن الربا والجشع
والغش والمضاربات الوهمية ومشتقات القروض لذلك كان
الاقتصاد الاسلامي الواحة الآمنة لرؤوس الاموال والمعاملات
المالية .
والاخوة ، وتعتبر القاعدة القوية والاساس المتين لبناء
الوحدة الاسلامية ، كدليل تطبيقي حي على ان الامة المسلمة
امة واحدة (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (وَإِنَّ هَذِهِ
أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ
فَاتَّقُونِ) ، وقد ضرب المهاجرون والانصار اروع الامثلة
في الاخاء والتلاحم والايثار ، حيث كان الانصار وهم اهل
المدينة يؤثرون المهاجرين باموالهم لذلك اثنى الله عليهم
بقوله (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ) بيد ان المهاجرين كانوا من العزة
والعفة بمكان مكين عن اخذ اموال الانصار فقد كان الانصاري
يقول للمهاجر خذ من مالي ما شئت فيرد عليه المهاجر بارك
الله لك في مالك دلني على السوق ، بمعنى انهم كانوا لا
يعرفون الا تكاليه ، وكانوا رجال دين ودولة ، رجال عبادة
وعمل ، رجال دنيا واخرى.
والمواطنة وهي التي نصت عليها صحيفة المدينة التي هي اول
دستور اسلامي ولعلها اول دستور عالمي في مضمونها ومحتواها
، فقد بينت حقوق المواطنة والعيش المشترك بين افراد
المجتمع المدني على اختلاف اعراقهم واديانهم حيث بينت ما
لكل واحد او جماعة من الحقوق وما عليهم من الواجبات ، وهو
تطور عالي المستوى تشهده الانسانية في تاريخها الطويل ،
وكانت تلك الصحيفة كتبها النبي عليه الصلاة والسلام بين
المهاجرين والانصار ، وبينهم وبين اليهود سواء كانوا اولئك
الذين يشكلون قبائل كبيرة كبني النضير وبني قريظة وبني
قينقاع أو الذين كانوا يشكلون جماعات صغيرة داخلة ومتخالفة
مع القبائل والبطون العربية ، وقد عاش الجميع متساوين في
الحقوق والواجبات في ظل بنود تلك الوثيقة الشريفة حتى
نقضها اليهود شيئا فشيئا .
لهذه المعاني السامية ندرك سر اطلاق النبي الكريم صلى الله
عليه وسلم على بلاد المهجر الاسلامي اسم المدينة بعد ان
كان اسمها يثرب وطيبة ، ولا ريب ان في هذه التسمية دلالة
عظيمة توحي وتؤذن بانطلاق المدنية الاسلامية ذات البعد
الحضاري الرائع.
وعلى ان الاسلام هو دين المدينة والحضارة ، لذلك كانت
المدينة المنورة قاعدة انطلاق تلك الحضارة ببعديها
الايماني والمادي لتعم الكون وتغطي الكرة الارضية ناشرة
العدل والرحمة والأمن والأمان .
وقال: لقد دفع الله بالمسلمين ، وامرهم بالهجرة واذن لهم
في القتال كل ذلك لحماية البشرية ومقدستها الدينية ، يقول
الله عزوجل (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ
ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ،
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ
إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ
اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ
صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ
فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) ، فقدم الله ذكر مقرات
العبادة التي هي للاديان الاخرى وأخر ذكر المساجد التي هي
اماكن عبادة المسلمين ، وهذه ولا شك قيمة تسامحية كبيرة
ارادها الله للاسلام ، ليبين ان جميع مقرات العبادة لجميع
الاديان ذات المصدر الرباني هي محميات اسلامية ، واذا كان
هذا هو الاسلام في تسامحه فمال بال الغرب المسيحي من خلال
احزابه اليمينية المتطرفة يضيق ذرعا بالوجود الاسلامي
ومعالمه ورموزه، ونراه يطلع علينا بين الفينة والاخرى
بقضية تمس المسلمين وتؤذي مشاعرهم حتى ظهرت مؤخرا قضية حظر
بناء المآذن في سويسرا ، توهما بانها تحمل معاني سياسية ،
مع انها من المعلوم لا تحمل معنى سياسيا ولا معنى اجتماعيا
بل ولا معنى دينيا ، وانما هي معالم يهتدى بها الى وجود
المساجد التي يعبد الله فيها ، شأن المساجد في ذلك شان
اماكن العبادة الاخرى كالكنائس مثلا.
واذا كنا نستنكر موقف تلك الاحزاب اليمينية المتطرفة ،
فاننا نثمن ونقدر مواقف الحكومات الغربية على استيعابها
للوجود الاسلامي وتسامحها مع ذلك الوجود ، بل وعلى دعمها
له ، مطالبين اياها بعدم اعطاء الفرصة للتطرف المسيحي في
إيجاد مناخ التوتر مع الوجود الاسلامي في الغرب ومع العالم
الاسلامي.
عرض مصور
بعد ذلك قدم عرض تلفزيوني مصور بعنوان: (من طيبة إلى
المضمار) عن الهجرة النبوية جاء فيه: أيها العالم طال
سباتك، وغفا الدهر جموداً على بالٍ من الفِكَر، وجحوداً
لفاطر الوجود، وادلهمت الحياة بظلال أوثان لا تقي أنوفها
طنين الذباب. أيها العالم تأهب ليقظة لا وسن بعدها، فها هي
شمس الحقيقة أخذت تنشل ظفائرها على الكون من بين ثنيات
جبال الأرض المقدسة، أشعةً تنعكس على سجنجل القلوب الصافية
إشراقاً على شعاب أم القرى وما حولها، فما بال تلك الطروس
العتيقة لا يزهو عليها قلم الرحمة الربانية، فتكون صلاداً
من الخبث يروم الفتك بنبي الرحمة المهداة للعالمين.
إن كانت حجارة مكة أغلقت منافذها حتى لا يسيل سلسبيل
النبوة الخاتمة بين فجاجها، فإن الحكمة الإلهية قد أبرمت
مقاديرها لتصدر من شريعته طيبة الطيبة، ففي احلولاك من
الدهر، وإظلام من التعصب غير المبصر لما هو آت من خيري
الدارين، تقذف الجاهلية بحمم حقدها في الرسول عليه الصلاة
والسلام والمؤمنين به، رجعاً إلى ظلماتهم، أو طمساً لنور
السموات والأرض، أو طرداً من سوحهم، (وإذ يمكر بك الذين
كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله
والله خير الماكرين)، في هذه الأجواء الملبدة بقشعريرة
المكر، تتجلى القدرة النبوية الموزونة بالحكمة الإلهية
للرحيل من أرض أبي الأنبياء ومن جوار أول بيت وضع للناس
لعبادة ربهم الواحد الأحد، لا لهجرها، بل لإعداد العودة
إليها، وتطهريها من رجس الأصنام وعبادها، فتكون الهجرة من
مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ومنها تحلّق طيور أبابيل
الإيمان والعلم على ربوع الأرض، لتحرق جيوش الجهل جيوش
الجهل والجاهلية، وتخر الوثنية على أذقانها صرعى من غير
نهضة أخرى. كل السموات احتفت بك يا رسول الله، وكل
الأراضين عطشى لترويها، النفوس أنت مغناطيسها الذي يحرك
ذراتها لتولد طاقة الوجود، فها هي الوفود تأتيك تترى من
مشارق الأرض ومغاربها.
من هنا من عمان؛ من شمالها مازن بن غضوبة السعدي، ومن
جنوبها حذيفة بن محصن الغلفاني، يهاجرا إلى مدينة الرسول
ليعلنا صعودهما إلى حضرته العلية بإسلام الجوارح وتصديق
الأرواح، مهلاً ليس هذان وحدهما من هاجر، بل عمان بأسرها
اتجهت للاستمداد من ذلك السراج الذي لا ينطفئ ولا يخفت،
اغتسلت عمان بزيته المضيء، واستظلت بزيتونته المباركة.
منذ تلك اللحظة؛ منذ غرة الدهر والعمانيون يدبون منهج
الهجرة نحو الإيمان بتسامحه، ونحو العلم بحقائقه، يخلعون
عن الناس أردية أساطير الجهل الخَلِقة، ليرتدوا حلل
المعرفة القشيبة، ففي مسير دعوتهم إلى الهدى دبجوا بيراعهم
سطور الحياة المحمدية، ونسجوا على منوال أرديته الطاهرة،
عملوا بسنته، ودونوا سيرته، ورووا علومه، فكان لهم من
الهجرة النبوية نصيب استملحوا تسطيره، منذ جابر بن زيد
الأزدي والربيع بن حبيب الفراهيدي وأضرابهم، فازدان مسند
الإمام الربيع بن حبيب بباقة من عاطر سيرته وهجرته.
وكانت أحداث مسرى هجرته منثورة في السير العمانية، التي ما
زالت تنتظر من يريها النور بتحقيقها ونَشرها، بعد أن أرت
الناس النور فاقتفت أثر السيرة الرسالية في تحقيق العدل
ونشره، وكانت الهجرة النبوية حاضرة بروحها في الرد على
الغالين من الأمة الزاعمين بظاهرية ساذجة أنها قائمة
بحرفية إلى يومهم ذاك، وكأن الإسلام شجرة يبست بقشورها، لا
متفتحة أبداً باخضرار أوراقها ودوام أكلها وثراء معانيها
وإمداد مقاصدها.
"الشعر ديوان العرب"، حكمة كثّفت تجربة العرب الجمالية،
فكان للعمانيين قدح منه معلى، فهل كمثل النبي محمد صلى
الله عليه وسلم شخص يعانق شغاف القلوب؛ هيبة وجلالاً، محبة
وعشقاً، فيفجر في نفوس الشعراء ذائقة الشعور ورائقة الشعر،
فتنساب روح النبي الشريفة في أرواحهم الشفيفة، فتتجسد
أبياتاً عذبة رقيقة.
لطالما تغنى شعراء عمان بمحبوبهم النبوي الكريم، فرست سفن
سيرته على مرافئ عشقهم، فلهجت ألسنتهم بذكرها، ولجوهر
هجرته عليه السلام في أصداف بيانهم بيوت مستقر ومستودع،
فهذا الشاعر الحبسي راشد بن خميس يرشف بقريحته رشفة لا
يظمأ سائغها:
عزموا قتلة النبي برأي قد رءاه عمرو حليف العناد
ثم نجاه مالك الملك منهم حين آبوا بخيبة ورماد
فهداه رب العباد إلى الهجرة مع صاحب كريم الأيادي
فأقاما في غارهم اثنيـ ـن إلى فرصة تهين الأعادي
طلبته الأعادي بغياً برُوَّا د فضلت بصائر الرواد
ثم ساروا بعون رب البرايا قاصدي يثرب خيار البلاد
لم تكن تلك النقلة النبوية من مكة إلى المدينة ضربة لازب
مبتوتة عن حركة الكون وعن مجاري أفلاكه المنبثة في ذراته
ومجراته، وفي عرشه ومعروشه، بل تساوق حي من الأسباب،
وترابط محكم من الأخذ بها، ليس لغير المنطق مكان تنطق به
جوارح رسول الإيمان والمنطق، حركة تنتمي للوجود كما هو
موجود، وتحترم العقل كما هو معقول، وتؤرخ للعباد كما فطرها
رب العباد، يجملها بجمال من العبارة المؤرخ العماني صاحب
"كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة" سرحان بن سعيد الأزكوي
فيروي عن السيدة عائشة:
(قالت عائشة رضي الله عنها: لما أراد النبي وأبو بكر
الخروج إلى المدينة جهزناهما أحسن الجهاز، وصنعنا لهما
سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر من نطاقها، فشدت به
فم الجراب، فمن ذلك سميت ذات النطاقين، واحتمل أبو بكر معه
جميع ماله... وكان أبو بكر قد علف راحلتين كانت عنده ورق
السدر أربعة أشهر، فأخذ الرجل الدئلي الراحلتين فأتاهما
بغار ثور، فركبا)، تخطيط محكم وعمل متقن.
وهكذا تتوالى منظومة الوجود سائرة إلى يومها الموعود، يعزف
قيثارتها الشاعر، فتكون مدائح نبوية صوفية، صافية المجتنى،
ترسو في موانئ شاعر العرب أبي مسلم البهلاني، وتكون وعياً
ناهضاً بالفكر ودافعاً للعمل تبثه في أجيالنا الناهضة كتب
التأريخ والسيرة بالمناهج التربوية العمانية.
ولنا قبس من هجرة النبي الأكرم نشرق به عليكم كل عام من
صرح وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، راجين الله تعالى أن
نبصر به معكم تلك الحقائق الربانية والمعارف النبوية.
يذكر ان العرض المصور الذي قدمته دائرة الاعلام الديني
بوزارة الاوقاف من إعداد خميس بن راشد العدوي- مستشار
المديرية العامة للوعظ والإرشاد، وقد تم تصوير المشاهد في
رحاب مسجد المضمار، وأيضا بمكتبة معالي السيد المستشار
الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، وقام
بتنفيذ العرض مركز الألوان الرقمية وأخرجه أحمد بن ناصر
الحارثي.
درة البشر
شعر هلال بن سيف الشيادي
نظمت من الشعر أم سلكا من الدرر
أهديك يا صاحب الأنوار والغرر
فإنك اللغة البيضاء أحرفها
وأنت فينا جميعا درة البــــــــشر
مذ جئت أحمل في قلبي كتاب هوى
إلا وأنت حروف الحب في سوري
وأنت روح هوى روحي ومشرقها
وأنت أكبر حب فيّ من صغري
فأي قلب سآتي فيه يحملني
إلى مقامك أتلو الحب من زبري
فخذ حبيبي رسول الله ناقصتي
قلبي صلاتي سلامي أحرفي عمري
آت إليك وأشواقي تسابقني
إلى لقائك أسعى سعيَ معتمر
أعانق الروح روح الحق في فرح
فيطمئن فؤادي ينجلي كدري
أنت الذي جئت والدنيا مولّهة
شوقا للقياك تنجي من شفا حفر
فمذ وُلدتَ أفاق الكون مبتهجا
من بعدما طال خيط الليل والسحر
أقبلت فينا ربيعا مزهرا ألقا
فازّين الورد فوق الوهد والوعر
أقبلت برا أمينا صادقا ورعا
تعلم الناس معنى الخلق في السور
أرى عيونك ملأى همةً وسنا
من نور أمتنا تزدان في النظر
حتى حملتَ على كفيك مولدها
ميمونةً حرةً مرفوعةَ السُرر
كنا وراءك أرواحا مشربة
ماءَ العقيدة لما سرت في سفر
من أرض مكة نحو النصر متجها
إلى المدينة تبني أمة الظفر
في هجرة كانت الدنيا تباركها
بالغار بالطير بالصحراء بالحجر
هناك روح علي تفتدي وهنا
ابنُ الأريقط يمحو طيب الأثر
وفي اليمين مشى الصديق مغتبطا
وثاني اثنين يفديه من الخطر
في الغار حيث هناك الخوف غار فلا
إلا المعية كانت بهجة السمر
يسطر الأرض تخطيطا لأمته
يصور المجد يبني أعظم الصور
متى وأين وكيف الأس أرفعه
ومن يشد معي أزري من النفر
حتى مضى وخطا في الأرض خطوته
وفي يديه فتوحات من البِشَر
حتى أتى طيبة والناس في وله
تهفو إليه وترجو طلعة القمر
هنالك التحمت للحب ملحمة
تظل سيرتها من أعذب السير
حب إخاء وإيثار ومرحمة
ود صفاء نفوس كُنّ في كِبر
حتى تعالى قباء مسجدا وحمى
للذكر للنصر للأخلاق للفكر
هناك بدر حنين خندق أحد
فصل من العز والأمجاد في الخبر
شوقا إليك رسول الله جئت إلى
بيت القوافي لألقي خير مستطر
إذ كنت فيّ فؤادي خطوتي سبلي
وكنت فيّ فعالي مسمعي بصري
وكنتَ للأمة السمحاء مقبسها
كنا بنورك مثل الأنجم الزهر
لا حزن يا أمة الإسلام لا وجل
سيري بنهجك نحو الله تنتصري