الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....

فقدان المصداقية
عوض بن سعيد باقوير

التقرير السنوي الذي تصدره وزارة الخارجية الامريكية لتقييم اداء الدول على صعيد حقوق الانسان والسياسات الداخلية هو اقرب لمسألة الابتزاز السياسي الذي طال دولا عديدة لها نظرة مستقلة أو محايدة في نظرتها للشؤون الدولية ولعل دولا مثل كوبا وكوريا الشمالية وسوريا وايران قد عانت في السنوات الاخيرة من تلك التقارير.
ولعل التقرير الاخير والذي ادرج اسم السلطنة وبعض دول مجلس التعاون حول عدم بذلها الجهد الكافي على صعيد ظاهرة الاتجار بالبشر هو أمر يثير الريبة والشك حيث اصبح التقرير الامريكي بمثابة السيف المسلط على الدول حتى تكيف سياساتها مع المطلب الامريكي وعلى غرار ما أطلقه الرئيس الامريكي بوش في اعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ان الذي ليس معنا فهو ضدنا بعبارة اوضح أن الجميع لا بد ان يدور في فلك السياسة الامريكية بصرف النظر عن مصداقيتها وأخطائها الفادحة التي يعرفها الجميع في العراق وافغانستان وحتى على صعيد جيرانهم في امريكا اللاتينية والتي عانت الكثير.
التقرير الامريكي جاء بمثابة الصدمة للكثيرين على اعتبار ان السلطنة تعد من الدول النموذجية على صعيد التشريعات والقوانين التي تحفظ كرامة الانسان وهناك قانون يجري اعداده حول مسألة الاتجار بالبشر ويعد يمثابة تشريع يسد أي حالات فردية كما ان السلطنه ذات سياسة تتسم بالشفافية والمصداقية وكان اولى بالولايات المتحدة والتي تفتقر الى الحصافة الدبلوماسية ان تبحث مع السلطنة عن طريق القنوات الرسمية أي قضايا تتعلق بالجانب الانساني خاصة وان السلطنة كما تمت الاشارة في طريقها الى اصدار تشريع متكامل حول ظاهرة الاتجار بالبشر والتي تعد مشكله عالمية.
ولكن يبدو ان نوايا واشنطن من تقاريرها المشبوهة واضحة ويبدو لي ان دول العالم لا بد ان تسلك مواقف محددة وهي عدم الاعتراف بتلك التقارير كما تفعل امريكا مع تقارير منظمة حقوق الانسان والتي رأت في الولايات المتحد مؤخرا اكبر سجان في العالم ورفضت امريكا التقرير والذي يعد موضوعيا قياسا على شواهد السلوك الامريكي في سجن ابو غريب وجوانتانامو والسجون السرية في اوروبا.
المرحلة القادمة تتطلب عدم الاكتراث بتلك التقارير وهذا يعني انتهاء صلاحيتها من الناحية الاخلاقية والقانونية فالولايات المتحدة قبل ان تقيم سلوكيات الدول عليها ان تقييم سلوكها الشائن في اكثر من مكان جغرافي ولعل سياسة القتل والتدمير والغزو هي مسألة واضحه للعيان ونقلها الاعلام الدولي بما في ذلك الاعلام الامريكي علاوة على العديد من الكتب والتقارير والتي صدرت من داخل الولايات المتحدة ومن كبار المفكرين والكتاب والسياسيين والذين كشفوا فيها زيف السياسة الامريكية في الشرق الاوسط.
كيف يمكن الوثوق بتقارير تتسم بعدم المصداقية والانتهازية السياسية والضغط على الدول لتغيير المواقف في ظل انحياز سافر لإسرائيل والمساهمة في المشكلات الافتصادية والتي تعاني منها الدول بفعل مغامراتها الطائشة في اكثر من مكان وجعلت الاقتصاد الامريكي يعاني من الانكماش والمواطن الامريكي يعاني على صعيد الحياة اليومية حيث ان آخر التقارير تشير الى ان اكثر من ثلث الامريكيين في نيويورك يجدون صعوبة في توفير احتياجاتهم خاصة من اللاتينيين والامريكيين من اصول افريقية علاوة على مسألة الرهون العقارية والتي افلست الكثيرين.
التخبط الامريكي داخليا وخارجيا واضح للعيان حتى المتحدث السابق للبيت الابيض سكوت مكليلان اصدر كتابا يتحدث فيه عن سياسة اخفاء الحقائق حول غزو العراق والحملات الدعائية المظللة لدعم فكرة الغزو الذي راح ضحيته اكثر من مليون عراقي بريء وادخال هذا البلد العربي في فوضى سياسية واقتتال طائفي مزقه ويهدده بالتقسيم وضياع وحدته الوطنية هذا احد انجازات بوش والولايات المتحدة لانقاذ العالم.
في تصوري ان رد السلطنة على التقرير الامريكي رسميا من خلال بيان وزارة الخارجية واستدعاء السفير الامريكي وتسليمه مذكرة الاحتجاج وأيضا البيان الواضح من مجلس الشورى والذي يمثل الشعب العماني يعد خطوة ايجابية لمنع تكرار مثل تلك الشطحات والتي تسمم العلاقات بين الدول ولا تساعد على ايجاد لغة الحوار والتعاون بل تؤدي الى مزيد من التعقيد السياسي وزرع بذور الشك بين الدول بل وحتى على صعيد الشعوب.
ويبدو ان التقارير التي تصدر من الامم المتحدة او من المنظمات ذات الاستقلالية في القرار تعد الاكثر مصداقية وتحظى بالاحترام الدولي ومن هنا فإن السلطنة وفي اطار حرصها على التعامل مع المجتمع الدولي تسعى دوما الى وضع التشريعات والقوانين التي تنسجم مع حقوق الانسان وصون كرامته في اطار النظام الاساسي للدولة وفي ظل الثوابت الراسخة للمجتمع العماني.
الاستخدام السياسي للتقارير المسوقة اصبح أمرها مكشوفا ولعل مسألة وصاية الدول الكبرى على الآخرين مسألة غير مقبولة قي ظل تبادل المصالح والاحترام الذي ينبغي ان يسود بدلا من الاستغلال غير المبرر لتقارير غير منصفة وقائمة على مسألة الضغط السياسي.
لقد كان للموقف العماني رسميا وشعبيا وجاهته واذا كانت هناك بوادر تفهم للموقف العماني من قبل الخارجية الامريكية هذا امر ايجابي يمكن البناء عليه في ظل علاقات اتسمت بالاحترام والتعاون طوال سنوات طويلة ومنذ قرون.
ان السياسة الخارجية لبلادنا اتسمت دوما بالمصداقية والوضوح واحترام قناعات الآخرين والحوار لحل كل الخلافات والمشكلات التي تنشأ بين الدول وقد حققت تلك السياسة تقدير المجتمع الدولي واحترامه لمواقف السلطنة المؤيدة لحقوق الشعوب ومناصرة للقضايا العادلة.
وسوف يظل سجل السلطنة ناصعا من خلال الجهود التي تبذل لتكريس دولة المؤسسات والقانون وفق الرؤية المستنيرة لباني نهضة عمان الحديثة جلالة السلطان المعظم ـــ حفظه الله ورعاه ـــ والذي يحظى بتقدير العالم واحترامه نظرا للمواقف المشهودة للسلطنة في القضايا الاقليمية والدولية وعلى الصعيدين السياسي والانساني.

  رجوع