تحتضن السلطنة خلال الأسبوع الجاري فعاليات
عديدة، فلسطينية وعمانية، سواء في مسقط أو في
مدن عمانية أخرى، احتفاء بالقدس عاصمة للثقافة
العربية 2009. وفي الوقت الذي يسرع فيه عام
2009 نحو نهايته، فإن الاحتفاء بالقدس عاصمة
الثقافة العربية 2009 من جانب السلطنة وكل
الدول العربية، يحمل في الواقع دلالات عديدة،
ليس فقط على الصعيد السياسي، ولكن أيضا على
صعيد التلاحم العربي مع الأشقاء الفلسطينيين
بوجه عام، ومع القدس وأبنائها الفلسطينيين
بوجه خاص.
وإذا كانت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي
بنيامين نتانياهو قد سعت بكل السبل من أجل
عرقلة الاحتفال بالقدس عاصمة الثقافة العربية
2009 في مدينة القدس، انطلاقا من ان المحتل او
السارق يخشى دوما من يذكره باغتصابه او سرقته
حقوق الآخرين من ناحية، وإمعانا في الادعاءات
الإسرائيلية غير القانونية والمفتقدة إلى أي
صورة او سند من الشرعية لا في الحاضر ولا على
امتداد التاريخ من ناحية ثانية، فإن النجاح
والإصرار الفلسطيني والعربي على الاحتفاء
بالقدس عاصمة الثقافة العربية 2009 يظل أمرا
بالغ الأهمية سياسيا ومعنويا، وحتى على الصعيد
القانوني في إطار معركة عنيفة وطويلة بالنسبة
للقدس هوية وحاضرا ومستقبلا كذلك.
صحيح تدعي إسرائيل بكل التجاوز والانتهاك
الصريح والكامل للشرعية الدولية أن القدس
الموحدة هي عاصمة إسرائيل وأنها ستظل موحدة من
وجهة نظر الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة،
استنادا إلى قرار ضم القدس الشرقية عقب
احتلالها ضمن الأراضي التي احتلتها إسرائيل
عام 1967. ولكن الصحيح أيضا أن ضم أراضي الغير
بالقوة – ومنها القدس الشرقية - ينتهك ميثاق
الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة ومجلس
الأمن ومنظمة اليونسكو، كما أنه يخالف كل
النواميس الإنسانية، بل ويتناقض مع حقائق
التاريخ، وهذه كلها لا يمكن شطبها او تجاوزها
بقرار استعماري من الكنيست الإسرائيلي مثلا،
خاصة وأن مبادئ القانون الدولي الشارعة، ومنها
مبدأ عدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة تجب
وتعلو على القرارات الداخلية للدولة، وهو ما
تدعمه التطورات الحديثة في القانون الدولي
كذلك.
على أية حال، فقد حاولت وتحاول إسرائيل
المراوغة بكل السبل، بما في ذلك العمل من اجل
تأجيل مناقشة قضية القدس إلى أطول مدة ممكنة،
وهو أمر مفضوح الأهداف، خاصة في ظل عمليات
التهويد المكثفة والمتسارعة التي تقوم بها
حكومة نتانياهو وليبرمان والتي فاقت في سرعتها
وكثافتها ما قامت به أية حكومة إسرائيلية
سابقة.
وإذا كانت إسرائيل تسعى جاهدة إلى تغيير طابع
وهوية القدس الشرقية وإعادة تخطيطها ودمجها مع
القدس الغربية في مخطط واحد يجعل من الصعب
إعادة فصلها، مع تقليل عدد المقيمين في القدس
من الفلسطينيين إلى أدنى عدد ممكن، فإن
الاحتفاء بالقدس عاصمة للثقافة العربية،
والفعاليات التي تمت ويتم تنظيمها تحمل رسالة
عربية وفلسطينية واضحة وحاسمة وهي أن القدس
الشرقية ستكون في النهاية عاصمة الدولة
الفلسطينية المستقلة في إطار التسوية القائمة
على أساس حل الدولتين، التي تحظى بتأييد وقبول
دولي واسع النطاق. ولعل إدراك إسرائيل لضعف
واهتزاز موقفها، برغم كل ما تقوله وما تعلنه،
وما تقوم به على الأرض أيضا، هو ما يفسر
الانزعاج الإسرائيلي الشديد من الموقف الأخير
للاتحاد الأوروبي بشأن تأييده أن تكون القدس
عاصمة للدولتين الإسرائيلية والفلسطينية،
لأنها تدرك أن هذا الموقف سيكون له ما بعده
بالضرورة، ليس فقط أوروبيا، ولكن دوليا كذلك.
ومع الوضع في الاعتبار أن الموقف العماني
الداعم بقوة للقضية الفلسطينية وللأشقاء
الفلسطينيين في كفاحهم لنيل حقوقهم المشروعة
في أرضهم ودولتهم المستقلة وعاصمتها القدس، هو
موقف ثابت وعميق، ويمتد ليغطي كل الجوانب
والمستويات السياسية وغير السياسية أيضا، فإن
المساندة العمانية تتواصل وتسعى للتخفيف بكل
السبل الممكنة من معاناة الأشقاء حتى يحصلوا
على حقوقهم المشروعة برغم أية ادعاءات أو
مراوغات إسرائيلية.