الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

القوميون العرب والإسلام
د. عبدالاله بلقزيز
أكاديمي وكاتب مغربي


إذا صرفنا النظر عن ان كثيرا من هؤلاء الذين يؤاخذون القوميين العرب على اسقاطهم العامل الديني (الاسلام) من عناصر تكوين الامة العربية هم في جملة من لا يؤمنون بوجود أمة عربية اصلا (حيث الامة عندهم هي الامة الاسلامية)، واذا صرفنا النظر عن ان الصدام بين القوميين والاسلاميين لم يكن دائما بسبب موقف سلبي من الاولين ضد الاخيرين، فإن الذي يمتنع على الشك ان الفكر القومي العربي لم يكن حسن السيرة في شطر كبير من تاريخه مع الاسلام، ولم يكن الاسلام في جملة ما اسس مقالته الفكرية حول تكوين الامة العربية.
في خطابات النقد الاسلامية المعاصرة يؤاخذ القوميون العرب على اخراجهم الاسلام من عداد العوامل التأسيسية المكونة لماهية الامة العربية، وعلى ترجمة ذلك في السياسة من خلال مناصبة التيار الاسلامي خصومة تفاقمت اوضاعها أحيانا، الى حد الصدام العنيف معه يختلفون في مستوى التعبير عن هذه المؤاخذة النقدية، بين اسلاميين يراجعون التاريخ السياسي المعاصر بأمانة وموضوعية وبين آخرين منهم يبغون من النقد تشنيعا على القوميين وتقريعا، لكنهم يجمعون على اختلاف في النيات على المؤاخذة النقدية عينها.
إذا صرفنا النظر عن ان كثيرا من هؤلاء الذين يؤاخذون القوميين العرب على اسقاطهم العامل الديني (الاسلام) من عناصر تكوين الامة العربية هم في جملة من لا يؤمنون بوجود أمة عربية اصلا (حيث الامة عندهم هي الامة الاسلامية)، واذا صرفنا النظر عن ان الصدام بين القوميين والاسلاميين لم يكن دائما بسبب موقف سلبي من الاولين ضد الاخيرين، فإن الذي يمتنع على الشك ان الفكر القومي العربي لم يكن حسن السيرة في شطر كبير من تاريخه مع الاسلام، ولم يكن الاسلام في جملة ما اسس مقالته الفكرية حول تكوين الامة العربية. ولذلك أسباب سآتي على بيان بعضها. يهمنا هنا أن نشير على نحو خاص الى امر لا يخلو من اهمية ودلالة في هذا الباب، هو انه اذا كانت هذه المؤاخذة مشروعة في حالة مفكرين قوميين كبار مثل ساطع الحصري وقسطنطين زريق وياسين الحافظ، فإنها غير مشروعة في حالة مفكرين آخرين مثل زكي الارسوزي وميشيل عفلق الى حد ما عبدالله الريماوي وعبدالعزيز الدوري وعبدالله عبدالدايم وهشام جعيط ومحمد عابد الجابري... الخ، فهؤلاء لم يكونوا بعيدين تماما عن الاعتناء بصلة ما بين الاسلام وبين العروبة والأمة العربية.
ثمة أسباب ثلاثة تفسر ذلك الاعراض من الفكر القومي العربي عن اعتبار الاسلام في جملة العناصر المكونة للامة (العربية):
أول تلك الاسباب: ان الفكر القومي المعاصر، لفترة ما بين الحربين وما تليها مباشرة، ورث عن الجيل القومي السابق له اعني جيل (المؤتمر العربي الأول) في باريس موضوعة التمايز بين العروبة والاسلام. وهي موضوعة كان لها ما يبررها حين الجهر بها من قبل القوميين في مطالع القرن العشرين. وما يبررها عاملان اثنان: عامل تاريخي وعامل اجتماعي. فأما العامل التاريخي، فيمثله وجود امبراطورية تركية مسيطرة على قسم من البلاد العربية (في المشرق) تحت عنوان الاسلام او الانتماء الى رابطة اسلامية (عثمانية) جامعة للعرب والترك. وعليه، فإن الاستقلال القومي عن هذه الرابطة اي الاحتلال التركي يفترض البحث عن نقطة تمايز عن الاتراك، وقد وجدها القوميون اولا في مفهوم للامة لا يتسع اطاره لعامل الدين. وأما العامل الاجتماعي، فيمثله وجود (جماعات) مسيحية عربية لا تجد لنفسها اطارا للتعبير عن ذاتيتها الثقافية والدينية الا في العروبة بوصفها رابطة قومية متمايزة عن الرابطة الملية. ولا يبدو ان الفكر القومي العربي في حقبته الثانية مع ساطع الحصري وقسطنطين زريق وآخرين تتحرر من هذه الخلفية الفكرية التي مثلتها افكار القوميين الاوائل تلك.
وثاني تلك الاسباب: ان الفكر القومي العربي تشبع بنظرية الدولة القومية الحديثة في الفكر الغربي، خاصة في الفكر الالماني وآثار ذلك واضحة في كتابات ساطع الحصري وفي الفكر الفرنسي (العلماني). أما تفسير ذلك، ففي ان المفكرين القوميين العرب انتموا، في الاغلب الاعم منهم، الى النخبة الحديثة التي خرجت من رحم التعليم الحديث والجامعات الغربية، والتي لم تكن تجد في التراث العربي الاسلامي الوسيط ما يسعفها في بناء نظرية في الامة والقومية غير (النظرية) التقليدية حول امة المؤمنين (الامة الاسلامية)، حيث ان امة الاسلام تعلو على الاوطان والدول والالسن والثقافات، حيث ان الامم في العصر الحديث متباينة الشخصية الاجتماعية والثقافية والسياسية على ما بينها من اشتراك في الدين الواحد وأوروبا الحديثة مثال لذلك فإن الفكر القومي العربي لم يكن يجد في (الامة الروحية) الامة الاسلامية ما يشبع مطالبه السياسية، وبالتالي لم يكن يجد فيها ما يمنعه من الانجذاب الى فكرة الامة المادية او الاجتماعية (القومية) التي حملها الفكر السياسي الحديث وكانت في اساس نضال طويل في اوروبا في القرن التاسع عشر تحت عنوان الوحدة القومية. لقد كان الفكر القومي العربي معاصرا لتاريخه. لذلك، انصرف عن فكرة الملة الامة الى فكرة الدولة الأمة. أما ثالث تلك الاسباب: فيكمن في ان منحى الاحداث والوقائع في البلاد العربية بعد الحرب العالمية الأولى اتجه الى ترجيح الفكرة القومية العربية المنفصلة عن الاسلام، أو بالاحرى التي لا تضع الانتماء الى الدين في صلب اساسياتها: فتركيا التي كانت تحكم البلاد العربية وقسما من العالم باسم الاسلام ستنفصل عن محيطها الاسلامي وتقيم دولتها القومية الحديثة على مقتضى الفكرة العلمانية المقيمة فصلا بين الدولة والدين، والبلاد العربية ستسقط جميعا تحت قبضة الاحتلال الاستعماري الذي جزأها الى دويلات، وسيصبح هدف النضال هو تحريرها واعادة توحيدها في اطار دولة قومية، كما ستخرج الى العلن منذ نهاية عشرينات القرن العشرين الماضي حركات سياسية تقيم مشروعها على أساس الاسلام (جماعة الاخوان المسلمين)، وتناصب العلمانيين (القوميين) عداء جهيرا وتدخل معهم في حلبة المنافسة على كسب الانصار، وهو ما فاقم الشعور بالحاجة الى المزيد من التميز للفكرة القومية عن الفكرة الاسلامية والتمايز عنها من قبل حملتها والدعاة لها.
تلك كانت أسبابا فكرية وسياسية وتاريخية لاخراج الفكر القومي العربي عامل الدين (الاسلام) من عوامل تكوين الامة العربية. لم نسقها لتبرير إعراض ذلك الفكر عن العناية بأمر دور الديني في تكوين الامة، وإنما سقناها لبيان ملابسات ذلك الاعراض والعوامل الموضوعية الحاملة عليه. ومع اننا ندرك جيدا ان موقف الفكر القومي العربي من العامل الديني في تكوين الامة ليس يقبل تعميما، لأنه كان موقف هذا الفكر في المشرق العربي (سوريا الكبرى حصرا) ولم يكن كذلك دائما في العراق ومصر والمغرب العربي، بل ومع اننا ندرك انه ليس موقف سائر المفكرين القوميين في المشرق العربي كما سبقت الاشارة الى ذلك الا ان مجرد التعبير عنه من طرف اقلام كان لأفكارها الغلبة والفشو، يكفي لوضع أطروحات هذا الفكر في هذه المسألة موضع مساءلة يستبين بها أمره.

  رجوع