حق الدفاع أمام القضاء مبدأ أصيل في المجتمع
الذي يحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان.
والنظام الأساسي للدولة يكفل هذا الحق لجميع
الناس بدون تمييز. وفكرة هذا الحق تقوم على
موازنة حساسة بين حقوق الفرد وحرياته وحق
المجتمع في الدفاع عن نفسه وفي توفير الأمن
والطمأنينة لجميع أفراد المجتمع. إنها ببساطة
تتعلق بالنظام العام في المجتمع، لأن وجود هذه
الحقوق واحترامها يظهر ما لا يمكن الاستغناء
عنه وهو إقامة عدالة حقيقية.
أن يكون الإنسان موضع اتهام من السلطة
القضائية، هو موقف خطير في حياة أي إنسان صح
الاتهام أو لم يصح، فهو من أخطر ما يتعرض له
الإنسان، إذ قد ينتهي به الأمر إلى فقدان
حياته أو سلب حريته أو تحقيره في المجتمع الذي
يعيش فيه، فضلاً عما يصاحب هذا الاتهام من
قيود ومعاناة يتعرض لها المتهم في كافة مراحل
الاتهام، وفي مجتمع يحترم سيادة القانون وحقوق
الإنسان يبرز المبدأ الأصيل من أن المتهم بريء
حتى تثبت إدانته، والمبدأ الثاني وهو حقه في
محاكمة عادلة خلال مراحل الدعوى كلها بدءاً
بمرحلة جمع الاستدلالات ثم مرحلة التحقيق
وانتهاء بمرحلة المحاكمة العادلة. ولكن ذلك لا
يعني أن حق الدفاع مقصور فقط على من يكون في
مركز المدعى عليه كالمتهم، إذ أن هذه الحقوق
ثابتة لكل الأطراف أمام القضاء، بل إن المدعي
هو الذي يبادر بممارسة ما له من حقوق دفاع
كحقه في الدعوى أو توجيه الاتهام ضد خصمه، إن
فكرة توفير الضمانات للأطراف في الدعوى تقوم
على ميزان حساس بين حقوق الفرد وحرياته وحق
المجتمع في الدفاع عن نفسه وفي توفير الأمن
والطمأنينة لجميع أفراد المجتمع . فحقوق
الدفاع لا تمثل مصلحة خاصة فحسب بل إنها تتعدى
ذلك إلى أن تصبح مصلحة كل إنسان يواجه موقف
الاتهام، إنها ببساطة تتعلق بالنظام العام في
المجتمع، نظراً لأن وجود هذه الحقوق واحترامها
يظهر ما لا يمكن الاستغناء عنه وهو إقامة
عدالة حقيقية. وإذا كان من مقتضيات العدالة أن
يؤخذ المسيء بإساءته فإن من مقومات وجودها ألا
يؤخذ البريء بجريرة المسيء، ومصلحة المجتمع
تقتضي سرعة التنفيذ من المجرم حتى يحدث العقاب
أثره، ومصلحة المتهم تقتضي التريث فقد يكون
بريئا، ولذلك يجب التأني وإفساح المجال له
لإظهار براءته، وخاصة أن القاعدة هي افتراض
البراءة حتى يثبت عكسها.
لقد حرصت الوثائق الدستورية والقوانين المنظمة
لإجراءات التقاضي على تحقيق التوازن بين حق
المجتمع في الدفاع عن نفسه وحماية أمنه
والمحافظة على وجوده، وبين احترام حقوق
الإنسان، والتي تترجم إلى عالم الواقع بوضع
الضمانات التي يتمتع بها المتهم إذا وقف موقف
الاتهام بما يمكنه من المحافظة على إنسانيته
وإظهار براءته. ومن ذلك النظام الأساسي للدولة
الصادر في 24 من جمادى الآخرة سنة 1417هـ
الموافق 6 من نوفمبر سنة 1996م، فقد حرص على
تقرير الحقوق الأساسية للإنسان والمبادئ
الأساسية للحقوق والحريات في الباب الثالث منه
فنص على مبدأ المساواة بين المواطنين وكفالة
الحرية الشخصية وتحريم التعذيب المادي
والمعنوي ومبدأ شرعية الجرائم والعقوبات والحق
في الدفاع وكفالة حق التقاضي وحق التظلم وحرمة
المسكن وحرية المراسلات والاتصالات والحق في
مخاطبة السلطات العامة، كما نص في الباب
السادس منه الخاص بالقضاء على مبدأ سيادة
القانون واستقلال السلطة القضائية وعدم التدخل
في القضايا وشؤون العدالة وعلنية المحاكمة.
لقد حفل النظام الأساسي للدولة بعدد من مبادئ
حقوق الإنسان وبعدد من الضمانات التي رؤي فيها
الارتفاع بها إلى مصاف المبادئ الدستورية حرصاً
من المشرع العماني على تأكيد وتعظيم تلك
الضمانات، فنص في المادة (17) من النظام
الأساسي على أن: «المواطنون جميعهم سواسية
أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق
والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك
بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو
الدين أو المذهب أو الموطن أو المركز
الاجتماعي».
يتبين من ذلك النص أنه تضمن المبدأ العالمي
الذي لا يخلو منه إعلان من إعلانات الحقوق أو
المواثيق الدولية وعلى رأسها ميثاق الأمم
المتحدة في مادته الثانية والتي من بين
أغراضها تشجيع احترام حقوق الإنسان وحرياته
الأساسية والتي منها حق الدفاع، والإعلان
العالمي لحقوق الإنسان في المادة العاشرة منه،
والعهد الدولي بالحقوق المدنية والسياسية في
المادة الثانية منه، ألا وهو مبدأ مساواة
المواطنين أمام القانون والذي يستتبع تساويهم
في الحقوق والواجبات العامة دون تمييز بينهم
لأي سبب من الأسباب، ولعل تحقيق العدالة في
أحيان كثيرة يتوقف على تطبيق المساواة بين
المتقاضين أمام القضاء فهو أحد أهم وجوه مبدأ
المساواة أمام القانون، ذلك أن القضاء هو
الملاذ الأخير للإنسان في اقتضاء حقوقه مما
يقتضي المساواة بين جميع الأفراد أمام القانون
وعدم التفرقة بينهم في تطبيقه أمام القضاء متى
اتحدت ظروفهم ومراكزهم القانونية.
ويكفل هذا المبدأ إتاحة الحق في التقاضي لكل
الأفراد، ولذا نص النظام الأساسي في المادة
(25) منه على أن التقاضي حق مصون ومكفول للناس
كافة، لأن حماية حقوق الأفراد وحرياتهم لا
تكون إلا بممارستهم لحق التقاضي وهو لا يكون
كذلك إلا بكفالته للكافة دون تمييز. كما تضمنت
المادة (18) النص على كفالة الحرية الشخصية،
وعدم جواز القبض على إنسان أو تفتيشه أو حجزه
أو حبسه أو تحديد إقامته أو تقييد حريته في
الإقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون،
فالأصل هو حماية الحرية الشخصية للفرد
والاستثناء هو التعرض لتلك الحرية على أية
صورة، ومن ثم فإن هذا الخروج على الأصل لا
يكون إلا لضرورة اقتضتها حماية المجتمع
وأفراده ووفقاً لأحكام القانون.
ثم اتبع المشرع العماني ذلك بنصه في المادة
(20) على تجريم التعذيب المادي والمعنوي
والإغراء والمعاملة التي تحط بالكرامة، لأن
استخدام التعذيب أو الإغراء وسيلة غير مشروعة
تتضمن اعتداء على حرية الفرد وقد تؤدي إلى
أوخم النتائج التي تضر بالمجتمع.
كما أورد النظام مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات
فيما نص عليه في المادة (21) منه، وعلى أن
الأصل في الإنسان البراءة، ولا تثبت الإدانة
في حق المتهم إلا من خلال محاكمة قانونية تؤمن
له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع.
كما احتفل النظام الأساسي بحق الدفاع في
المادتين (22، 23) منه، كما تضمنت المادة (27)
النص على حرمة المساكن وحظرت الدخول إليها إلا
بإذن أهلها إلا في الأحوال التي يعينها
القانون. كما تضمن نص المادة (24) ضرورة إبلاغ
كل من يقبض عليه أو يعتقل بأسباب القبض عليه
أو اعتقاله وحقه في الاتصال بمن يرى، ووجوب
إعلانه على وجه السرعة بالتهم الموجهة إليه.
كما كفلت المادة (30) حرية المراسلات
والمخاطبات الهاتفية وحظرت مراقبتها أو
تفتيشها أو إفشاء سريتها إلا في الحالات التي
يبينها القانون. والواضح من استعراض كل تلك
الحقوق والمبادئ والضمانات أن المشرع العماني
كان حريصاً على التأكيد على كفالة حقوق
الإنسان وعلى تعداد المبادئ العامة التي يقوم
عليها نظام العدالة في سلطنة عمان. إعلاءً منه
لشأن هذه الحقوق وإيماناً منه بدورها في
التأكيد على دولة سيادة القانون والشرعية
الإجرائية.
كما حرصت القوانين المنظمة لإجراءات التقاضي
على تقرير حق الدفاع وكفالته بما لا يسوغ معه
حرمان أي طرف من أطراف الخصومة في الدعوى من
عرض أوجه دفاعه وتحقيقها، وإلا كان في ذلك
مخالفة لما تقضي به المبادئ الأساسية الواجب
مراعاتها في المحاكمة. فمن المسلم به أنه لا
يجوز أن تبنى إدانة صحيحة على دليل باطل في
القانون. كما أنه من المبادئ الأساسية في
الإجراءات القضائية أن كل متهم يتمتع بقرينة
البراءة إلى أن يحكم بإدانته بحكم نهائي، وأنه
إلى أن يصدر هذا الحكم له الحرية الكاملة في
اختيار وسائل دفاعه بقدر ما يسعفه مركزه في
الدعوى ويحيط نفسه من عوامل الخوف والحرص
والحذر وغيرها من العوارض الطبيعية لضعف
النفوس البشرية، وقد قام على هدي هذه المبادئ
حق المتهم في الدفاع عن نفسه، وأصبح حقاً
مقدساً يعلو على حقوق الهيئة القضائية التي لا
يضيرها تبرئة مذنب بقدر ما يؤذيها ويؤذي
العدالة إدانة بريء. والحقيقة في النهاية هي
ابنة البحث الذي يجري في جو من الحرية
والقانون، وليست ابنة التعسف في الاتهام
والتحيز لفكرة ثابتة قد تسيطر على بعض الأذهان،
فالمشرع دائماً يجتهد في التوفيق بين
المصلحتين حتى يتحقق أمن المجتمع من ناحية
ويشعر المتهم بالأمان من ناحية أخرى. إن تحقيق
التوازن بين مصالح المجتمع وبين مصالح الأفراد
التي تمثلها حقوقهم وحرياتهم، يفرض على المشرع
توزيعاً عادلاً لحقوق الدفاع المسموح بها لكل
جانب، بل وعلى القضاء وهو يلمس الواقع اليومي
في المجتمع أن يسعى دائماً إلى تحقيق هذا
التوازن في أحكامه من خلال نصوص القانون