الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

حين يتماسك «أبو مازن» في الموقف الوطني
د. عبد الإله بلفزيز
أكاديمي وكاتب مغربي


إذا ما استثنينا موقف محمود عباس المتشدد من «حماس» ومن الحوار الوطني الفلسطيني وهو موقف سلبي للغاية، فإن أداءه السياسي التفاوضي ظل - على الرغم من رهانه المبالغ فيه على التفاوض - عند الحدود التي لم تفرط بالثوابت الوطنية الدنيا المتعلقة بالدولة المستقلة ضمن حدود أراضي الـ 67، والقدس الشرقية عاصمة لها، وحق العودة..؛ وهو تمسك طيب ويطمئن هواجس غزيرة خشيت - على نحو مشروع - من أن يندفع «أبو مازن» نحو أي حل كما أوحت بذلك تحركاته السياسية منذ انتخابه رئيسا للسلطة.
قلنا إننا نستثني موقفه المتشدد من «حماس» وانقلابها في غزة، لأن ذلك الموقف لم يأخذ في الحسبان - على نحو متوازن - الأسباب التي دفعت «حماس» إلى ممارسة ذلك الحسم العسكري غير المرغوب فيه.على أن الأمانة تقتضي القول إن «حماس» بادلت محمود عباس التشدد والتجاوز ذاته في مناسبات عدة، وانبرى منها من انبرى للتشكيك بوطنية الرجل! أما اتهامه من قبل «حماس» بمهادنة إسرائيل ومناهضة المقاومة فهو اتهام لا يستقيم مع مهادنة إسرائيل ووقف أعمال المقاومة على جبهة غزة لعام كامل ولا مع تصريحات وزير داخلية غزة حول وجوب وقف إطلاق الصواريخ. وفي الأحوال كافة، ثمة مسؤولية متبادلة عن انهيار العلاقة بين «فتح» و«حماس» بين رام الله وغزة، بين شركاء الحوار الوطني، لا تقبل وضعها على فريق واحد وتبرئة آخر.
بالعودة إلى موضوع المفاوضات، يحمد للرئيس محمود عباس أنه - على عميق انغماسه في التفاوض وشدة رهانه عليه خيارا وحيدا لاستعادة الحقوق الوطنية - ما نزل عند الشروط والاملاءات الإسرائيلية، وما تراجع عن الحد الأدنى الوطني، فبدا في سلوكه بعض من بصمات سياسات القائد الشهيد ياسر عرفات: المرونة في الأداء السياسي والتمسك الثابت بالحقوق مع اختلاف في التفاصيل. وفي الظن أن هذه الخاتمة الوطنية لسياسات محمود عباس تنصف الرجل وتعيد بعض الاعتبار إليه بعد أن أصابه حيف شديد كان هو نفسه - وفريق مستشاريه - مسؤولا عنه إلى حد كبير.
ليس هناك أفضل من محمود عباس لينعى المفاوضات ومع إسرائيل، فهو رجل المفاوضات بامتياز، وهو رمز الاعتدال بامتياز، ولا أحد من الأمريكيين أو الإسرائيليين يملك أن يتهمه بعدم ايمانه بالتفاوض وباتخاذه هذا ذريعة لرفع الضغط عنه كما فعل ياسر عرفات. لقد خاض فيها أبو مازن حتى عندما لم يعد لها من معنى او أفق، وحتى عندما نصح بعدم الاستمرار فيها وظل يمنح التفاوض وحكومات العدو الفرصة تلو الأخرى وإلى درجة كاد أن يبدو فيها التفاوض عنده عقيدة في السياسة لا مجرد خيار من خياراتها المتعددة، ومع أن ذلك غرمه كثيرا من صورته وهيبته في أعين خصومه والجمهور ونال من رصيده التاريخي كواحد من الرعيل الفتحاوي الأول ومن رفاق قادة الثورة الكبار (ياسر عرفات، وأبو جهاد، وأبو اياد، وكمال عدوان، وخالد الحسن، وفاروق القدومي..) ووضع في حوزة «حماس» أدلة إضافية على أن رئيس السلطة حاد نهائيا عن خيار المقاومة ..، إلا ان تعويله الاستراتيجي على التفاوض سبيلا لاستعادة الحقوق يفرض الاعتراف بأن نعيه للتسوية مع اسرائيل هو - اليوم - أصرخ شهادة فلسطينية على أن التسوية مع إسرائيل مستحيلة لا لشيء إلا لأن إسرائيل لا تريدهاـ لأنها - بكل بساطة - تريد فلسطين «كاملة غير منقوصة».
ربما تأخر «أبو مازن» كثيرا ليدرك ان خيار الرهان على التفاوض مع إسرائيل مسدود الافق وغير ذي نفع او فائدة، وان الشهيد ياسر عرفات كان على حق حين اغلق باب الوهم هذا بعد مفاوضات كامب ديفيد الثانية (يوليو 2000) وتوجه نحو خيار الانتفاضة والمقاومة المسلحة. نعم، فنحن لا ننتظر من محمود عباس ان ينهج خيارات ياسرعرفات، لكننا نأمل أن يظل متمسكا بموقفه وأن لا يصغي إلى «نصائح» بعض المحيطين به من فرسان «أوسلو» و«جنيف» وما شاكل، بل يحسن به ان يختار نهاية وطنية مشرفة لعهده أسوة بياسر عرفات وأحمد الشقيري والحاج أمين الحسيني. وحبذا لو استكمل موقفه الجديد بالتوجه نحو خيار الوحدة الوطنية وتسهيل شروط إنجاح الحوار الوطني وإنهاء الانقسام الداخلي كي يمنح موقفه شرعية مضاعفة.

  رجوع