الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....

مفارقات كبيرة !!
د. سعيد بن حمد الربيعي

«التمحيص البسيط لمجموعة القوانين والتشريعات والإجراءات العمانية التي تكفل الحرية والكرامة للإنسان تكفي لأن تكون دليلا وافيا لدحض أية افتراءات وادعاءات تمس مصداقية السلطنة في معالجتها لما يسمى بالإتجار بالبشر. وانطلاقا من ذلك يثير التقرير الأمريكي المسيء للسلطنة درجة كبيرة من الاستغراب والاستهجان كونه يفتقد للأسلوب المنهجي والعلمي في تناول القضية ولا يرتكز على ثوابت واسس واقعية».
إنه من المفارقات الكبيرة أن تقوم دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية تدعي الديمقراطية والشفافية والاستناد إلى البراهين في إصدار أحكامها على الدول الاخرى بناء على بيانات مضللة ومغلوطة إذ كررت وزارة الخارجية الأمريكية وللمرة الثانية على التوالي في تقريرها المتعلق بالإتجار بالبشر تضمين سلطنة عمان في قائمة الدول التي لم تبذل جهودا في سبيل مكافحة ما يسمى «الإتجار بالبشر». ومن المعلوم أن وزارة الخارجية الأمريكية وفي تقريرها الصادر في ابريل 2007م قد وجهت إلى السلطنة ومن خلال معلومات ليس لها أساس من الصحة الملاحظة ذاتها .
ورغم أن السلطنة قد ردت على ذلك التقرير في حينه مصوبة كل ما ورد به من مغالطات مؤكدة عدم صحة ذلك كله بالحجج والبراهين القاطعة والثابتة وفقا للتشريعات والنظم السارية ومن خلال الوثائق والممارسات الفعلية على أرض الواقع. وفي تقرير مارس 2008م والذي يغطي الفترة الممتدة بين أبريل 2007 ومارس .2008 ويشمل الدول التي تم تحديدها على أنها دول مصدر، أو دول عبور أو دول مقصد لعدد مهم من ضحايا الأشكال القاسية للمتاجرة بالبشر، وشمل 170 دولة، وفيه تصر وزارة الخارجية الأمريكية على تضمين السلطنة وثلاث دول خليجية اخرى هي المملكة العربية السعودية وقطر والكويت قي قائمة تشمل أربع عشرة دولة تدعي واشنطن أنها لم تبذل جهودا لمكافحة الإتجار بالبشر، وجاء في سياق الاتهام الموجه للسلطنة (بالعمل الإجباري وفرض القيود على حقوق العمال الأجانب). وهذا الاتهام المباشر يأتي مجانبا للواقع وبعيدا كل البعد عن الحقيقة والصواب.
والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا بشدة، ما هو مصدر الولايات المتحدة الأمريكية حول هذه المعلومات؟
ويشير التقرير ذاته إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية «أعدت هذا التقرير باستعمال المعلومات الواردة من السفارات الأمريكية ومسؤولين في حكومات أجنبية، ومن منظمات غير حكومية، ومنظمات دولية، وتقارير منشورة، ومن رحلات بحث إلى كل منطقة، والمعلومات المقدمة إلى موقع الإنترنت الذي أنشأته لتمكين المنظمات غير الحكومية، والأفراد من الاطلاع على المعلومات حول تقدم الحكومات في معالجة قضية الاتجار بالبشر». وفي هذا السياق لا نستطيع أن نجزم بالقول أن مكاتبها الرسمية التي انتشرت حول العالم وفي كل مكان وتحت مسميات مختلفة ومظلات متنوعة لأنها من المفترض أن تترفع عن مثل هذا التسويف والتشويه للدول والحكومات كون أن الأبواب مشرعة لها للحصول على أية معلومات أو بيانات من مصادرها الأصلية أو الالتقاء بأي من المسؤولين من ذوي الشأن في أي وقت للوقوف على حقائق الأمور. وقد يكون المصدر أولئك المتسولون والمرتزقة الذين يبحثون عن هفوات وثغرات لتوصيلها إلى الجهة الاخرى سعيا للحصول على مكاسب مادية أو رضى بالقبول والفوز «بطاقة خضراء» علها تكون شفيعا لهم لموطئ قدم على أرض الأحلام (أو لربما على نعش الأحلام كما حدث لذلك المجند المسكين الصيني الأصل الأمريكي الهوى الذي أعيد من العراق جثة هامدة منبوذا إلى وطنه ممنوحا بطاقته الخضراء الجديدة بعد موته كوشاح على نعشه). ولربما يكون هناك تفسير آخر بعيدا عن المصادر المحتملة الآنفة الذكر، فقد لا تتوفر أية مرجعية لهذه البيانات وجاءت هكذا من صنع الخيال والوهم أو بإيعاز لتحقيق مقاصد تعلمها الخارجية الأمريكية ترجع إلى ممارسة ضغوط على بعض الحكومات والتي لا يستبعد أن تكون الدول الخليجية المشمولة في هذا التقرير قد دخلت في قائمة الدول الممانعة لبعض السياسات الأمريكية في الخليج ومن أهمها شن ضربة محتملة أو تأجيج الصراع مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو لمجرد التقارب معها. إن التكهنات عديدة والاحتمالات كثيرة ولكن يظل الهدف واحد والمقاصد مكشوفة، ولم يعد هناك الكثير الذي يمكن إخفاؤه تحت الطاولة لأن الفضاء الإعلامي المفتوح أصبح يلعب على المكشوف وبشكل مباشر وإن اختلفت في بعضه التوجهات.
إن موقف السلطنة هذا العام كان واضحا وصريحا ، وجاء الرد سريعا ومباشرا لأنها دولة مشهود لها بتعاونها مع المجتمع الدولي ولها مواقفها النبيلة في المحافل الدولية التي تتسم دوما بالاتزان والحيادية، وهذا من ثوابتها في التعامل مع المواقف الدولية وشهدت لها بذلك المنظمات الدولية والهيئات العالمية. ونالت بذلك المراتب العلا وحازت على المناقب الأسمى. وغدت سمعتها الطيبة كحلة تتقلد بها أمام الدول الأخرى.
وتأكيدا على حرص الحكومة على تعقب ومعاقبة مرتكبي الجريمة أيا كان نوعها ومرتكبها بما في ذلك ما يسمى «الإتجار بالبشر» هو ذلك التصريح الدولي الصادر عن مرصد المعلومات التابع لمجلة «الإيكونومست» البريطانية الذي ذكر بكل دقة وحيادية أن السلطنة تعد الدولة الأولى الأكثر أمنا في الشرق الأوسط وشمال افريقيا ، كما احتلت المرتبة الثانية والعشرين على مستوى العالم، وذكر التقرير ذاته أن السلطنة تمكنت من تحقيق نتيجة متقدمة على المستوى العالمي نظرا لاحترامها وتقديرها لحقوق الإنسان والعناية بكرامته والحرص على إنصافه ورفعة شأنه. وجاء على لسان معالي السيد أمين عام وزارة الخارجية العمانية في المقابلة المنشورة له على صفحات جريدة عمان في عددها الصادر يوم الأربعاء الموافق 11 يونيو 2008م «أن السلطنة بمختلف مؤسساتها توفر الرعاية اللازمة لضحايا الجريمة على اختلافها وهي تراعي الأبعاد الإنسانية في المسألة وتتعاطف مع هؤلاء بما ينسجم مع تقاليد وثقافة وأخلاق المجتمع العماني بما له من خصوصية والذي يرفض التشهير والنيل من كرامة الإنسان»، وصرح مناشدا في السياق نفسه بقوله: «إن السلطنة في إطار ما يربطها من علاقات تاريخية وطيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية تأمل أن يراجع المختصون في وزارة الخارجية الأمريكية ما جاء في هذا التقرير بما يعكس الصورة الحقيقية والوضع الآمن والمستقر للسلطنة وتصحيح المعلومات الخاصة بالسلطنة بما يعكس سجلها المميز في هذا المجال حفاظا على هذه العلاقات وعدم تعريضها للتجريح من خلال مثل هذا التقرير».
وبالنظر إلى الخطوات والإجراءات الفاعلة التي تدعم موقف السلطنة وبراءتها من تهمة واشنطن نجد أن السلطنة كان لها السبق في المصادقة على بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الإتجار بالبشر، وبهذه المصادقة يعد البروتوكول المذكور بمثابة قوة للقوانين المحلية لأنها بذلك تكون قد قبلت بكل مواده ووافقت على جميع نصوصه، وأصبح في حيز التنفيذ والتطبيق. وعليه تضيف رصيدا قويا لما يتوفر لديها من قوانين وتشريعات توفر الرعاية والحماية وتراعي الحقوق والمصلحة لكل من تحط قدماه على أرض مزون سواء كان مواطنا أو مقيما أو زائرا.
ويوجد في التشريعات والقوانين السارية بالسلطنة ما يكفل الحق للجميع وعلى رأسها النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (101/96) وقد أورد النظام الأساسي للدولة بابا كاملا بعنوان الحقوق والحريات العامة ، وتصدى في المادة العشرين بصراحة لأي تعذيب مادي أو معنوي للإنسان، وتعرضت نفس المادة إضافة إلى ذلك لأي إغراء أو معاملة تمس كرامته.
وتحفظ التشريعات العمانية الحماية اللازمة للمقيمين على أرض السلطنة وجاء ذلك ايضا متضمنا في عدد من مواد النظام الأساسي للدولة ومن بينها المادتان ،25 35 ، إذ أن المادة الخامسة والعشرين تشير إلى أن أحكام النظام سارية على الوافدين المقيمين وهم على قدم المساواة مع المواطنين العمانيين دون تمييز وكفل لهم كل الحقوق التي تحفظ لهم العيش بكرامة وسلام على أرض الغبيراء، وحددت المادة الخامسة والثلاثون بتمتع كل أجنبي موجود في السلطنة بصفة قانونية بحماية شخصه وأملاكه طبقا لأحكام القانون. وبالنظر في قانون العمل العماني نجد أنه أعطي أهمية كبرى للحفاظ على حقوق العامل دون تمييز بين العماني والأجنبي، وكفل الحقوق للعامل وعلي سبيل المثال لا الحصر تنص المادة الثانية عشرة من نفس القانون على أنه «لا يجوز فرض اي عمل إجباري على أحد إلا بمقتضي القانون ولأداء خدمة عامة وبمقابل أجر عادل»، وفي المادة الثالثة مكررا المنصوص عليها في المرسوم السلطاني رقم (74 / 2006) يحظر على صاحب العمل فرض أي شكل من أشكال العمل الجبري أو القسري. ونجد بالمثل في قانون الجزاء العماني مواد واضحة وصريحة لا تفرق بين مواطن ومقيم فالكل أمام العدالة والقضاء سواء.
ودوليا نجد أن السلطنة قد صادقت على الاتفاقية الدولية المتعلقة بمنع استعمال أي شكل من أشكال العمل الجبري والإلزامي، ومن جانب آخر صادقت أيضا على الاتفاقية المتعلقة بمنع استغلال الأطفال للقيام بأعمال لا طاقة لهم بها وتكليفهم بأعمال جبرية. واستكمالا لمجموعة الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بالحفاظ على حقوق البشر والتشريعات المحلية التي تنظم الحياة العامة للإنسان المقيم على أرض السلطنة سواء كان عمانيا أو غير عماني، فإن السلطنة عملت على تشكيل لجنة ممثلة لجميع الجهات المعنية للإعداد لقانون خاص يعالج مسالة الإتجار بالبشر ليكون بمثابة المرجعية الأساسية في هذا الشأن. والنطق السامي لجلالته يؤكد أن «القوانين ضرورة للدول المتحضرة، ولكن لتكن قوانين من بيئة المجتمعات ولتكن رحيمة.. قوانين يسر لا عسر.. ».
إن التمحيص البسيط لمجموعة القوانين والتشريعات والإجراءات العمانية التي تكفل الحرية والكرامة للإنسان تكفي لأن تكون دليلا وافيا لدحض أية افتراءات وادعاءات تمس مصداقية السلطنة في معالجتها لما يسمى بالإتجار بالبشر. وانطلاقا من ذلك يثير التقرير الأمريكي المسيء للسلطنة درجة كبيرة من الاستغراب والاستهجان كونه يفتقد للأسلوب المنهجي والعلمي في تناول القضية ولا يرتكز على ثوابت واسس واقعية ، ويبدو أن سيدة العالم الأولى تعمل على تقديم تقارير مضللة عن الدول والشعوب لتحقيق مآرب سياسية.
والمعروف عن عمان أن لها دبلوماسية عريقة تقوم على الاحترام المتبادل. وعمان بلد محب للسلام ويعمل من أجل السلام ويسعى لترسيخ مبادئ الحوار الهادئ البناء. ونظن أن على الولايات المتحدة أن تعيد النظر فيما ذكر عن السلطنة وأن تكون الأحكام الصادرة مبنية على الواقع وخصوصا أن عمان تتمتع بعلاقة وثيقة وحميمة مع أمريكا من قديم الزمان مبنية جسورها على التواصل والانسجام واحترام المصالح المشتركة.

  رجوع