الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....

معايير أمريكا
د. عبدالاله بلقزيز

حولت الادارات الامريكية المتعاقبة ـــ والاخيرة منها خاصة ـــ التقارير السنوية الصادرة عنها الى سلاح سياسي للاستعمال ضد كل من يعارض سياسات الولايات المتحدة في العالم. من يسير في فلكها تسكت عنه وعن ارتكاباته. ومن يحيد ـــ ولو جزئيا ـــ عن خط سير أو عن وجهة سياستها تسلط عليه النقد والنكير وتحول القليل من الخلل عنده الى كثير
كان في حكم الظن، ولسنوات طويلة اعقبت ميلاد منظمة الامم المتحدة والمنظمات الدولية الفرعية التابعة لها، أن للتقارير الدولية ـــ السنوية والدورية ـــ الصادرة عن تلك المنظمات مصداقية ووجاهة لا يطعن فيهما. كان الاعتقاد السائد بموضوعيتها وحياديتها وحسن مهنيتها يتغذى من اعتقاد تأسيسي مفاده ان العمل على تقارير تلك المنظمات محكوم بمرجعية لا نزاع عليها بين دولتين (هي) القانون الدولي: وهو قانون خارج اي اجتهاد او تأويل فكيف بتلاعب يسخره لغير ما وضع من اجله من اهداف انسانية عليا هي موطن اجماع دولي على اختلاف في النظم السياسية والاقتصادية وفي فلسفات الحكم. وكان يكفي ذلك الاعتقاد العام بالموضوعية والحياد والنزاهة كي يصنع في المجتمع الدولي هيبة لتلك التقارير حتى لدى الدول التي لم تكن تلزم بتوصياتها أو التي كانت عرضة لانتقاداتها الحادة على عدم وفائها للمعايير الدولية في هذه المسألة او تلك من المسائل التي تتناولها (التقارير الدولية).
لم تكن سنوات الثمانينات من القرن (العشرين) الماضي قد انصرمت، حتى كانت هيبة تلك التقارير تتراجع في نظر الرأي العام الدولي، وتحوم حولها الشبهات والاستفهامات. ثم لم تبث أصوات الاعتراض عليها أن بدأت تعلو هنا وهناك مشككة في صدقيتها ومتهمة هذه أو تلك من الدول الكبرى بالتدخل في توجيهها او في تقرير صياغتها على نحو تحيد فيه تماما عن خط القيم والمعايير التي يفترض فيها ان تلتزمه، وتتحول الى سلاح احتياطي يستعمله الاقوياء في النظام الدولي ضد الضعفاء وضد الاقل قوة. ومن نافلة القول ان ذلك التحول في صورة التقارير الدولية الرسمية وفي صدقيتها وهيبتها إنما أتى في امتداد تحول جرى قبل عشرين عاما في بيئة النظام الدولي، وغير من قواعدها ومعاييرها في سياق التغير الذي طرأ على التوازنات الدولية منذ عام .1988
منذ بدأت البيريسترويكا الجورباتشوفية تأخذ الاتحاد السوفييتي و(المعسكر الاشتراكي) الى حتفه، لتفتح الابواب ـــ بعد قليل من الزمن ـــ نحو انهيار التوازن الدولي، الموروث عن حقبة الحرب العالمية الثانية والقائم على ثنائية قطبية، ثم نحو ميلاد نظام الاوحدية القطبية الدولي الذي اصبحت الولايات المتحدة الامريكية فيه تحتكر السلطة والقرار وتأويل القانون الدولي، وفي جملته احتكار تسخير القرارات الدولية لمصلحتها: من قرارات مجلس الامن الى تقارير (البنك الدولي) و(صندوق النقد) ومفوضية حقوق الانسان والـ(فاو) و(الاونروا) و(اليونيسيف) .. وسواها من هيئات الامم المتحدة الفرعية!
نحن ـــ هنا ـــ في حضرة العصر الامريكي: عصر احتكار الثروة والسلطة والقرار والتأويل والتنفيذ، عصر احتكار الحقيقة والاخلاق والقيم والمعايير والرموز والصور، ثم ـــ حتى لا ننسى ـــ احتكار القوة، واحتكار استعمال القوة واحتكار تحصيل عائدات ونتائج استعمال القوة!
وفي هذا العصر، جرى إلقاء القبض على الامم المتحدة والقانون الدولي وتسخيرهما لصالح الولايات المتحدة، وضمن ذلك تسخير المنظمات الفرعية وتقاريرها الدورية.
ومع ان السلطة والقرار الدوليين انتقلا ـــ في هذا العصر الجديد ـــ من نيويورك الى واشنطن، ومن الجمعية العامة الى الكونجرس، ومن مجلس الامن الى البيت الابيض، اي من الامم المتحدة الى الولايات المتحدة، الا ان الاخيرة ما كان يكفيها ما حصلت عليه من مواريث وما سطت عليه من حقوق دولية مما اقطعته لنفسها في لحظة يتم عالمي قاهرة، وإنما أصرت على طلب المزيد: ومنه انفاذ احكام قانونها الخاص بها بوصفه قانون البشرية جمعاء!.. وبغض النظر عن القانون الدولي!
ولقد طفقت مؤسسات الولايات المتحدة واداراتها الفيدرالية تعمل على وضع القواعد والمعايير التي على دول ومجتمعات الكرة الارضية جميعا ان تلتزمها حتى تستحق اعتراف الجانب الامريكي و(صداقته) و(شفاعته)! ثم سمحت تلك المؤسسات لنفسها بأن تضع تقارير سنوية تصنف بها البشرية جمعاء على مقتضى معاييرها الذاتية « التي حولتها »كونية«». وفي اطارها تمتحن أية دولة في العالم وتضع لها علامة على دفتر مواد الاختبار، وتحصي مجموع العلامات كي تعلن ان كانت الدولة الممتحنة رسبت في الامتحان او نجحت! وما كانت هذه »البدعة« الامريكية جديدة في العلاقات الدولية، فلقد كرست نفسها منذ زمن بعيد، اي منذ استشعرت الولايات المتحدة انها دولة كبرى يسمح لها ثقلها في ميزان العلاقات الدولية ان تملي ارادتها على قسم كبير من العالم. غير انها اليوم وحيث انتهى اليها امر سياسة الدنيا بعد رحيل غريمها السوفييتي (إلى رحمة الله) ـــ تجد نفسها في الموقع الذي تعتقد بأنه يبيح لها وحدها (لا شريك لها) ان تفرض وصايتها على العالم كله. ولذلك فأنت ترى تقاريرها الفيدرالية ـــ وعلى رأسها التقرير السنوي الصادر عن وزارة الخارجية فيها ـــ تعلن على الملأ وكأنها تنزيل من السماء: لا يجحدها الا مارق ولا يحيد عن محجتها الا هالك!
ومع ان سيرة الولايات المتحدة الامريكية سيئة للغاية في نظر التقارير الدولية المحايدة للمنظمات العالمية غير الحكومية، بل هي الاسوأ في كل العالم، في مسائل حقوق الانسان وتقييد الحريات الخاصة وانتهاك الخصوصيات (المراسلات والاتصالات الهاتفية والالكترونية) وانتهاك القانون الدولي...الخ، الا انها لا تجد في نفسها حرجا في ان تخاطب العالم بلغة »التعليم الرسولي« وفي ان تدعي لها حق سدانة الاخلاق في الارض والوصاية على العصاة من الدول والبشر حتى يهتدوا الى تعاليمها، في الوقت نفسه الذي لا تلقي بالا للتقارير الدولية غير الحكومية والمحايدة (ويشارك في تحريرها خبراء امريكيون احرار وذوو ضمائر حية) التي تطالب الولايات المتحدة باحترام حقوق الانسان وعدم انتهاك القانون الدولي والقيم الانسانية، وفي الوقت نفسه الذي تتستر فيه على الجرائم العنصرية الصهيونية، بل تدافع عنها وتسبغ عليها الشرعية!
لقد حولت الادارات الامريكية المتعاقبة ـــ والاخيرة منها خاصة ـــ التقارير السنوية الصادرة عنها الى سلاح سياسي للاستعمال ضد كل من يعارض سياسات الولايات المتحدة في العالم. من يسير في فلكها تسكت عنه وعن ارتكاباته. ومن يحيد ـــ ولو جزئيا ـــ عن خط سير أو عن وجهة سياستها تسلط عليه النقد والنكير وتحول القليل من الخلل عنده الى كثير: إن لم يعجبها موقف مصر من (حماس)، حركت (قضية) اضطهاد الاقباط او قضية ايمن نور. وإذا ازعجها موقف سلطنة عمان المتوازن من التطورات في المنطقة تحدثت عن ظاهرة الاتجار بالبشر فيها، واذا ازعجها تطور الصين العلمي والاقتصادي او تزايد استقلالية قرار روسيا القومي، نزلت عليهما بتهمة خرق حقوق الانسان. وللأطفال الرضع ان يموتوا بالمئات في فلسطين، ولمئات الآلاف من التلامذة ان يحرموا من الذهاب الى المدارس في الضفة، ولمليون ونصف المليون في غزة ان يتضوروا جوعا وألا يجدوا الدواء ولا الماء ولا الكهرباء، فهذه (تفاصيل تافهة) لا تستحق ان تستوقف تقارير أمريكا! وليسقط العالم، عاشت أمريكا!!!

  رجوع