الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....

مغالطات وخلفيات سياسية
الدكتور بوشعيب أوعبي

امام تقارير سياسية وغير مبررة من هذا القبيل من طرف وزارة الخارجية الأمريكية لا يبقى أمام الدول وخاصة المصنفة منها في الفئة الثالثة إلا أن تستنكر هذا النوع من التقارير وترفض هذه الجرأة اللاذعة من طرف الحكومة الأمريكية التي تريد أن تجعل من نفسها الدركي الدولي الذي يسهر بمفرده على نشر القيم الأخلاقية؛ واتخاذ إجراءات جماعية موحدة ضد هذا الأسلوب الاستفزازي
تعد ظاهرة الاتجار في البشر ظاهرة عالمية تسود المجتمعات الحديثة بشكل متزايد بسبب عوامل عديدة تفرضها الظروف الراهنة التي تعرفها الأنظمة السياسية والاقتصادية السائدة؛ وبالتالي تسهم فيها أكثر من دولة: دول المنبع التي تصدر ضحايا هذه الظاهرة ودول العبور التي يتم من خلالها وعبرها تهريب الضحايا ثم دول الوجهة والجذب التي تعد المحطة النهائية في استقطاب البشر الوافد؛ وهكذا فظاهرة الاتجار بالبشر هي إحدى الجرائم الدولية الخفية التي ما زال المجتمع الدولي عاجزا عن إيجاد حل ناجع لها؛ بل هي من أخطر الجرائم بجانب جرائم المخدرات والسلاح وغيرها.
وان ظاهرة الاتجار بالبشر تشبه ظاهرة الاسترقاق أو الاستعباد التي سادت المجتمعات القديمة بشكل مألوف في السابق دون أن تكون محرمة في ذلك العهد بين المجتمعات ، لكنها تطورت بشكل غير إنساني لتزحف على الأخضر واليابس رغم محاربة المجتمع الدولي لها لتشمل اليوم الرجال والنساء والأطفال على السواء ؛علما أن 80٪ من ضحاياها نساء وأطفال ؛وهكذا فإذا تطلب الاسترقاق قرونا عديدة من أجل التغلب عليه فان ظاهرة الاتجار بالبشر ستتطلب بدورها اليوم عقودا أو قرونا أيضا ما دامت العناصر المسهمة فيها باقية بين ظهرانينا .
وثمة مجموعة من الأسباب تغذي جريمة الاتجار بالبشر وتسهم في انتشارها وذيوعها بشكل متزايد ؛ تتجلى أهمها في الفقر والمجاعة والهجرة وانتشار الحروب والنزاعات الأهلية أو الطائفية أو الدينية بين المجموعات البشرية ؛علما أن العامل الأساسي فيها هو تفشي ظاهرة العولمة الاقتصادية التي تزيد في توسيع الهوة بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة بسبب استغلال الدول الأولى للثانية والإثراء بلا سبب على حسابها والاستمرار في نهب ثرواتها بشكل غير عادل ؛مما يستنتج معه أن ظاهرة الاتجار بالبشر هي وصمة عار على الأنظمة الاقتصادية الليبرالية الرأسمالية بدرجة أساسية وعلى المجتمع الدولي الذي تهيمن عليه القوى العظمى وتتحكم في دواليبها ، وبالتالي حتى إذا ما استنتجنا أن المسؤولية عن الظاهرة هي مسؤولية دولية جماعية فهي بدرجة أولى على البلدان الصناعية أكثر ما هي على غيرها من الدول النامية .
وان ظاهرة الاتجار بالبشر بعدما كانت مرتبة من حيث الخطورة في المرتبة الثالثة بعد جرائم المخدرات وجرائم بيع السلاح فإنها أصبحت في المرتبة الأولى نظرا لكونها تدر أرباحا سريعة وخيالية على عملائها وسماسرتها تناهز ما يقارب حوالي 32 مليار دولار سنويا ويروح ضحيتها 2,5 مليون شخص سنويا في مختلف أرجاء العالم ؛علما أن منظمة العمل الدولية تعلن أن قارة آسيا هي الأكثر تصديرا لتجارة البشر وبشكل خاص دول كل من تايلاند والهند واليابان وتايوان وبنجلاديش وكمبوديا وميانيمار ؛وان الشركات الدولية الكبرى بدأت تغريها هذه السوق البشرية ما دامت بهذه السهولة في جني الأرباح من غير رسوم أو ضرائب أو جمارك .
وان المجتمع الدولي استشعارا منه لمسؤوليته في مكافحة ظاهرة الاتجار بالبشر بذل قصارى جهوده من أجل إصدار العديد من القواعد القانونية الدولية من خلال مختلف المنابر الدولية أهمها منظمة اليونيسيف ومنظمة العمل الدولية ومكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة والمنظمة الدولية للهجرة والمفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بتنسيق مع غيرها من المنظمات الإقليمية المهتمة كمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا وكذا مع غيرها في آسيا وإفريقيا ؛وهو ما صدرت عنه العديد من الاتفاقيات الدولية وقواعد القانون الدولي دون إغفال المجهودات التي تبذلها العديد من الدول من خلال تشريعاتها الداخلية .
وان المجتمع الدولي إذ يعد الضمير العالمي الذي يبذل الجهود القصوى في استصدار القواعد القانونية الدولية من أجل محاربة ظاهرة الاتجار بالبشر فان دولة الولايات المتحدة الأمريكية تنصب نفسها ؛بدون تفويض دولي؛على أنها حامية القيم الدولية والحريصة على ترسيخ قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ؛ حيث أصدرت سنة 2000 قانون مكافحة ظاهرة الاتجار بالبشر ؛تحدد بموجبه المعايير الأساسية التي يتعين احترامها من طرف حكومتها وحكومات الدول الأخرى بشأن مسألة المكافحة للظاهرة ؛محددة ذلك في ثلاثة أصناف من الدول ؛فئة أولى وهي تلك التي تحترم تلك المعايير الأمريكية وتبذل جهودا من أجل مكافحة الظاهرة ؛ وفئة ثانية وهي تلك الدول التي تحترم تلك المعايير ولا تبذل جهودا عملية في مجال الاتجار البشري ؛وفئة ثالثة من الدول يتم وضعها في قائمة خاصة وهي تلك الدول التي لا تحترم المعايير ولا تبذل جهودا من أجل مكافحة الظاهرة ؛وهكذا تصدر الولايات المتحدة ابتداء من سنة 2000 من خلال وزارتها في الخارجية تقريرا سنويا تصنف فيها وضعية الاتجار في مختلف دول العالم والتي تشمل اليوم تقاريرها 170 دولة ؛حيث يتعين على الدول المصنفة في الفئة الثالثة أن تبذل الجهود العملية خلال 90 يوما قبل أن يرفع ملفها إلى الكونجرس الأمريكي من أجل اتخاذ إجراءات عقابية في حقها وعلى رأسها حرمانها من المساعدات والدعم الأمريكي في مختلف أوجه الدعم .
ويتساءل المرء بشأن مدى أحقية الولايات المتحدة الأمريكية في تصنيف الأنظمة السياسية والحكومات القائمة بشأن ظاهرة الاتجار بالبشر ؛وهي الدولة التي معلوم عنها أنها هي القطب الأحادي المسؤول عن الأزمات الدولية التي تهيمن على عالم اليوم في المجالات الاقتصادية والسياسية ؛ وخاصة في ظل نظام العولمة المهيمن والذي يفيد رفع الحدود فيما بين الدول ونشر قيم حرية التنقل وحرية رفع الدعم عن المجالات الاجتماعية الحيوية وحرية تحديد الأسعار وفقا لقانون السوق أي وفقا لقانون العرض والطلب فيما بين الدول الذي تهيمن عليه الشركات الدولية الكبرى؛ والتي هي شركات أمريكية تحظى بحرية واسعة في التنقل تحت الحماية والدعم الأمريكيين .
ويتساءل المتتبعون أيضا عن مدى أحقية الولايات المتحدة الأمريكية في تصنيف الحكومات في مجال مكافحة ظاهرة الاتجار بالبشر وهي ذاتها عاجزة داخليا عن مكافحة الظاهرة ذاتها ؛إذ تقدر أجهزتها الرسمية استفحال ظاهرة الاتجار بالبشر بحوالي 12 مليون شخص يشتغلون بشكل قسري كالعبيد ووجود 16 مليون مهاجر سري وافد بشكل مخالف للقانون من أمريكا اللاتينية وكذا امتهان 6 ملايين امرأة في الدعارة ؛علما ان التقرير الأخير أعلن عن أن ما بين 14500 و17500 شخص يدخلون أراضي الولايات المتحدة في إطار الاتجار البشري ؛دون أن تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من الحد من هذه الظواهر المشينة .
ولا تفوت المناسبة دون أن نستنتج أيضا أن تقرير وزارة الخارجية الأمريكية السابع الصادر في 4 يونيو الأخير والذي يصنف الدول بين أبريل 2007 ومارس 2008 يفتقد إلى المصداقية وإلى الموضوعية في تقييمه وتصنيفه لـ 170 دولة وذلك للإعتبارات التالية:
∎ تصدر الحكومة الأمريكية رقما تعلن فيه بأن يبلغ عدد ضحايا الاتجار بالبشر في العالم يناهز حوالي 800 ألف ضحية ؛وهو رقم غير مبرر ويتعارض مع أرقام المنظمات الدولية كمنظمة العمل الدولية التي تحدد ذلك في 12 مليون شخص بينما غيرها من المنظمات تحدده فيما بين 4 ملايين و27 مليون ضحية .
∎ يغفل التقرير إدراج الكيان الصهيوني الذي يعد أحد الكيانات النشيطة والمستفيدة من ظاهرة الاتجار في البشر.
∎ يغفل التقرير إدراج دول محددة ضمن القائمة في الفئة الثالثة برغم انها من أكبر دول المنبع؛ وذلك لاعتبارات سياسية ضيقة .
∎ إغفال التقرير الأمريكي إدراج دولة روسيا كإحدى أهم دول العبور ؛حيث يعلم العالم كله أن روسيا وحدها تعد أهم دول العبور ؛إذ يمر عبر أراضيها أكثر من 20 مليون مهاجر سري .
∎ التساؤل عن سبب إدراج التقرير الأمريكي لدولة إيران ضمن القائمة ؛علما أنها ليست لا من دول المنبع ولا من دول العبور ولا من دول الاستقطاب نظرا لظروفها الجغرافية والاقتصادية والسياسية الصعبة.
∎ التساؤل عن إدراج دولة سوريا ضمن دول القائمة علما أنه لم يسبق للتقارير السابقة لوزارة الخارجية أن أدرج سوريا ضمن القائمة الأولى ولا الثانية فكيف لها أن تصنف بقدرة قادر وبشكل مفاجئ ضمن القائمة المشار اليها .
∎ ان إدراج من بين الدول 16 المصنفة في القائمة كل من دولة إيران وسوريا والسودان وكوريا الشمالية وميانميار وكوبا وما شابهها يفسر الخلفية السياسية الضيقة التي تنظر بها الولايات المتحدة الأمريكية لأنظمة هذه الدول وخاصة بنعتها لهذه الدول بدول الإرهاب الدولي وما شابه ذلك من النعوت السلبية ؛ وبالتالي ان إدراجها مرة أخرى حتى في قائمة الدول المتاجرة في البشر يفقد التقرير الأمريكي من كل مصداقية ؛حيث شتان ما بين ظاهرتي الإرهاب والاتجار في البشر.
∎ ان معدي التقرير الأمريكي بوزارة الخارجية لم يتمكنوا وهم يصنفون الحكومات الحالية أن يبرروا تقريرهم الأخير بوسائل إثبات محددة وبأدلة عملية وهو ما يفرغ التقرير من كل قيمة عملية.
∎ ان الجميع يشهد أن وزارة الخارجية الأمريكية الحالية لها مواقف محددة في العديد من القضايا الدولية اليوم ؛كما هو الشأن في قضية العراق وأفغانستان وفلسطين وإيران وكوبا وكوريا الشمالية وفي غيرها من القضايا ؛وهو ما يبرز بشكل واضح في التقرير الأخير كما هو منتظر ومتوقع من لدن المتتبعين .
أمام تقارير سياسية وغير مبررة من هذا القبيل من طرف وزارة الخارجية الأمريكية لا يبقى أمام الدول وخاصة المصنفة منها في الفئة الثالثة إلا أن تستنكر هذا النوع من التقارير وترفض هذه الجرأة اللاذعة من طرف الحكومة الأمريكية التي تريد أن تجعل من نفسها الدركي الدولي الذي يسهر بمفرده على نشر القيم الأخلاقية؛ واتخاذ إجراءات جماعية موحدة ضد هذا الأسلوب الاستفزازي الذي يفسح المجال للولايات المتحدة بالتدخل في قضايا داخلية يمنعها القانون الدولي .

  رجوع