الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....

أداة لتحقيق السياسة الخارجية
محمـد أبو الفضـل

«تنطوي معظم التقارير الصادرة عن الخارجية الأمريكية على أهداف متباينة. بعضها له علاقة بطبيعة الموضوع الذي تتعرض له سلبا أو ايجابا، وغالبيتها له صلة بما هو مطلوب تحقيقه من الدولة المستهدفة وتصب حصيلته في مربع الأدوات السياسية الناعمة للادارة الأمريكية. وكانت ولا تزال معالم الازدواجية ظاهرة في تقارير حقوق الانسان التي تعدها الولايات المتحدة».
منذ بزوغ نجم الولايات المتحدة كقوة كبرى أساسية وهي تواصل إبداعها في اختراع وسائل متعددة، لتأكيد هيمنتها على النظام الدولي، تارة بوسائل سياسية واخرى عسكرية وثالثة انسانية. وكلها تبغي تحقيق أغراض استراتيجية. وقد دخلت »موضة« التقارير السنوية مرحلة متقدمة في حساباتها العالمية، حتى أصبحت سيفا مسلطا على رقاب بعض الدول التي تتباعد سياساتها أو تصوراتها مع الولايات المتحدة. وتراجعت الأهمية التي نبتت من أجلها الظاهرة في العلن لصالح أهدافها الخلفية. وأضحت تقارير حقوق الانسان والحريات والإرهاب ثم ما يوصف بالاتجار بالبشر تحتل مرتبة عالية في سلم أولويات الإدارة الأمريكية، سواء في توجيه انتقادات لبعض الدول ومحاولة تصويب توجهاتها أو ارسال اشارات معينة ذات مرام محددة، فشلت في انجازها بالطرق التقليدية فلجأت الى طرق تبدو ناعمة ومبتكرة يمكن أن تفيدها في الوصول لنتائج مختلفة تلبي جزءا مهما من تطلعاتها .
جاء تقرير الخارجية الأمريكية الخاص بالاتجار بالبشر مؤخرا ليعزز قناعات بعض الدوائر بوجود أهداف سياسية وراء إصداره، حيث وضع عددا من الدول العربية المتهمة بممارسة هذه التجارة غير المشروعة في قائمة محددة ولوح بادراج عدد آخر مستقبلا، في حين أن هذه الظاهرة موجودة بصورة محدودة وفي غالبية الأحيان بشكل غير مقنن. بمعنى ـــ إن وجدت ـــ هي ناتجة عن ظروف لا يد للسلطات المحلية فيها، وإنما لعبت البيئة وتشابكاتها دورا في ظهورها أو نموها. وفي كل الأحوال ليست موضع ترحيب، بل محاربة ومحاسبة من الجهات الرسمية. لذلك فتسليط الأضواء عليها أو ابعادها عنها يخضع لاعتبارين. الأول، الرسالة المراد توصيلها من وراء التقرير الذي يتم اعداده بمعرفة وزارة الخارجية ، وهل هي عاجلة أم بعيدة المدى ؟. والثاني، درجة انتشار الظاهرة محل الانتقاد . ففي حالة الاتجار بالبشر هناك دول حافلة بالمظاهر التي تدل عليها واخرى قليلة ، لكن التركيز هو الذي يكشف مدى ضخامتها أو ضحالتها .

أدوات ناعمة ولكن
تنطوي معظم التقارير الصادرة عن الخارجية الأمريكية على أهداف متباينة. بعضها له علاقة بطبيعة الموضوع الذي تتعرض له سلبا أو ايجابا، وغالبيتها له صلة بما هو مطلوب تحقيقه من الدولة المستهدفة وتصب حصيلته في مربع الأدوات السياسية الناعمة للادارة الأمريكية. وكانت ولا تزال معالم الازدواجية ظاهرة في تقارير حقوق الانسان التي تعدها الولايات المتحدة وتضع الصين في مقدمة الدول التي تنتهكها ، بينما تتجاهل حالات ربما تكون أشد قسوة وضراوة في دول أخرى. وقد فرضت هذه السياسة على بكين اصدار تقارير مماثلة عن انتهاكات الولايات المتحدة لحقوق الانسان وفقا للمعايير الصينية . وبدا الأمر وكأنه سباق بين تيارات متصادمة. كما أدت بالبعض الى اللجوء لإصدار تقارير متنوعة عن قضايا داخلية شائكة. تستخدم كوسيلة دفاعية أو استباقية ضد التقارير التي تخرج من قنوات أمريكية. فلم تعد المسألة مقصورة على وزارة الخارجية. فهناك الكونجرس ولجانه وجماعات الضغط وفروعها والمؤسسات المهتمة بملفات خارجية حيوية.
بعد أحداث سبتمبر 2001 الشهيرة قامت الولايات المتحدة بتصرفات وضعتها في مصاف الدول التي تنتهك حقوق الانسان. وهو ما ضاعف من أهمية التقارير التي يجري اعدادها في أروقة وزارة الخارجية أو أي جهات استخبارية أمريكية وتوجه نحو قضايا انسانية لاستخدامها في تحقيق أهداف سياسية . في المقابل، أعطت بعض الممارسات الأمريكية الناجمة عن تصورات جديدة ذرائع لمبادلة واشنطن بالسياسة ذاتها. وما جرى في سجن أبو غريب وما يجري حتى الآن في معتقل جوانتانامو من أكثر البراهين والشواهد التي تثبت عكس ما تذهب إليه التقارير الأمريكية في هذا المجال. كما أن إهمال الانتهاكات التي ترتكبها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني لدليل دامغ على الانحياز السافر. الأمر الذي يؤثر في اجماله على مصداقية هذه النوعية من التقارير ويؤكد انتقائيتها وعدم موضوعيتها حيال القضايا التي تتعرض لها .

قيم ومعايير متصادمة
الحاصل أن الاتهامات التي تحتوي عليها سطور التقارير المختلفة تتجاهل معايير وقيم الدول الاخرى (المستهدفة) وتكون وثيقة بالأدبيات الأمريكية وما يتم الترويج له من أنماط وأشكال تتعلق بها. ففي التقارير الخاصة بالحريات ، فإن حريات الشواذ جنسيا أو أي جماعة دينية منحرفة هي حقوق يجب احترامها في نظر التقويم الأمريكي ، مع أنها بعيدة عن ثوابت القيم العربية والإسلامية. من هنا تسعى بعض التقارير التي ترصد ظواهر انسانية الى التأثير وربما تغيير منظومة القيم المحلية لحساب نظيرتها الغربية (الأمريكية). فإذا كان تقرير الخارجية الأمريكية الأخير اعتبر الدعارة المنظمة تدخل في نطاق الاتجار بالبشر ، فالحرية الجنسية بصرف النظر عن قانونيتها ومواءمتها لمؤسسة الزواج لا تدخل في دائرة الاتجار، اتساقا مع المنظور الغربي لهذه القضية. ويكشف هذا التناقض عن طبيعة الفجوة بين واضعي التقارير والجهات أو القضايا التي يتم الاقتراب منها .
المشكلة أن الملاحظات أو الانتقادات الأمريكية تجد في بعض الأحيان آذانا صاغية ، تظهر على شكل استجابة لها، اقتناعا أو رضوخا، من خلال ادخال تعديلات على القوانين المحلية. مما جعلها تبدو وكأنها تجاوب معها، حتى لو كانت تتوافق مع التحولات المجتمعية المحلية. وهو ما يسهم في الإعلاء من أهمية وجدوى التقارير الناعمة أو الخشنة، ويضفي عليها بريقا يخدم السياسة الأمريكية التي تتطلع (ضمن أشياء اخرى ) الى تسويق ما يوصف بـ »عولمة القيم الغربية«.
تفضي قراءة تقرير الاتجار بالبشر وما احتواه من مضامين الى ثلاثة أهداف رئيسية. الأول، أن الولايات المتحدة هي المسؤولة عن الدفاع على حقوق الانسان في العالم بشتى أطيافها وأصنافها، بدءا من الحريات وحتى الاتجار بالبشر. فالتقارير الصادرة في هذا المجال تشمل دولا عدة، كبيرة وصغيرة، غنية وفقيرة ، من الشرق والغرب ، من الشمال والجنوب. والثاني، حض الدول النامية على الاتساق مع التصورات والسياسات الأمريكية وفرملة تطلعات الدول الراغبة في الانضمام الى العالم الغربي المتقدم دون تغيير قيمها التي تبدو بعيدة عن قيمه الحضارية. والثالث، إبعاد شبح المسؤولية عنها، فأحد عوامل الهجرة قسرا واللجوء قهرا يكمن في الممارسات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، والتي أدت الى صراعات في العراق ونزاعات في أفغانستان بدلا من السعي لتوفير الاستقرار، أو عدم محاسبة إسرائيل التي تسببت انتهاكاتها المستمرة في الأراضي الفلسطينية في نزوح الملايين وتعرض جزء منهم لمشكلات تدخل في صميم حقوق الانسان .
يمكن أن تكون الفرصة مواتية للحد من الاتجار بالبشر في حالة توفير مجموعة من المطالب الأساسية . في مقدمتها، وضع تشريعات وسن قوانين تنظم عمل الأطفال، وتجعل عمليات الانتقال بين الدول خاضعة لرقابة مشددة لقطع الطريق على عصابات التهريب التي تستغل السيولة الحدودية في عبور أعداد غفيرة من البشر. فهناك نسبة كبيرة من رواج هذه التجارة تعود الى الهجرات غير الشرعية. وتساعد السيطرة على التوترات واطفاء نيران الصراعات المنتشرة في ربوع العالم على زيادة القدرة على التحكم في بعض مفاتيح هذه التجارة، حيث تؤدي الى رحيل جماعي تقوم بعض عصابات المافيا باستغلاله واستخدامه في تحقيق أغراض تجارية، دعارة وبيع أعضاء بشرية وبيع أطفال ومرتزقة وغيرها . ويمكن أن تؤدي مساهمة الولايات الإيجابية عبر تقديم مساعدات مادية في تخفيف حدة المعاناة عن كاهل كثير من الدول الفقيرة التي تعد مكانا مناسبا لهذه التجارة، بدلا من توجيه اللوم والانتقاد إليها.

  رجوع