يقول جوردون
براون إن المملكة المتحدة تقف في طليعة »نهضة
نووية عالمية« بيد أنه على الرغم من كل ما
يقال، تبدو الصورة الحقيقية قاتمة.
انبرى رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون
هذا الأسبوع ليؤكد لنا بكل ثقة أن بريطانيا
تقف في طليعة نهضة نووية عالمية، وأنه سيتوفر
لنا خلال بضع سنوات فقط ثماني مفاعلات نووية
جديدة على أعلى المستويات. لقد قيل لنا ان
الأسبوع يشكل فترة طويلة جدا في عالم السياسة،
لكن يبدو أن الوضع بالنسبة للصناعة النووية
البريطانية سوف يستمر على ما هو عليه إلى
الأبد.
نشرت هيئة الطاقة النووية البريطانية تقريرها
السنوي مؤخرا الذي تضمن خبرا متوقعا مفاده أن
تكلفة وقف تشغيل المفاعلات الحالية والتعامل
مع النفايات المشعة وتنظيفها قد ارتفعت مرة
أخرى، لتصل إلى 73 بليون جنيه إسترليني من 53
بليونا في عام .2006 وهذا الزيادة تعادل
التكلفة الكلية لأولمبياد لندن عام .2012
قالت الهيئة، «عندما أخذنا المواقع التسعة
عشرة المحددة، كان من الواضح تماما أننا بحادة
إلى بذل جهود كثيرة لفهم البرامج الكلية
وتكاليف كل موقع على حدة. وبعد ثلاث سنوات من
البحث والتحليل، لدينا الآن فهم جيد للوضع مما
أدى إلى زيادة التكلفة».
يعتقد بعض الخبراء ان التكلفة الإجمالية
الفعلية قد تزيد عن 85 بليون جنيه إسترليني،
وهذا مبلغ ضخم من أموال دافعي الضرائب. ولكي
نوضح حجم هذا المبلغ أقول انه يعادل التكلفة
الكلية لبرنامج أبولو الذي حمل الإنسان إلى
سطح القمر. بيد أن ما يؤسف له انه على عكس
الرحلة إلى القمر، ليس لدينا أي شيء يدعونا
إلى الاحتفال والابتهاج. والشيء الوحيد الذي
ستجلبه لنا هذه الأموال الطائلة هو ضرورة
معالجة مخلفات الطاقة النووية مثل الإشعاع
والمواد السامة.
تزعم هيئة الطاقة النووية أنها ستعمل على خفض
المبلغ الإجمالي لانها سوف تحقق دخلا من
عملياتها التجارية. لكن فكرة العمليات
التجارية التي تتحدث عنها الهيئة تدعو للضحك
لأن جزءا كبيرا من الإيرادات التي تود الهيئة
الاعتماد عليها لمدة قرن من الزمان أو أكثر
تعتمد على اثنين من أكبر محطات الطاقة النووية
الفاشلة في تاريخ الصناعة النووية البريطانية
وهما منشأتي ثورب وسيلافيلد موكس.
لقد تم إغلاق منشأة ثورب لإعادة المعالجة
لسنوات في أعقاب تسرب إشعاعي خطير وهي مغلقة
حاليا إلى ما بعد فترة أعياد الميلاد بينما
يتم في الوقت نفسه تركيب جهاز التبخير الجديد.
وفي الوقت نفسه، أعلن مؤخرا وبدون أي صخب ولا
دعاية إعلانية أن منشأة موكس التي تكلفت بليون
جنيه استرليني تقريبا، لم تنتج شيئا منذ
بنائها. وبالتالي لا يمكن الاعتماد على أي من
المنشأتين في توفير أي دخل.
إن حقيقة أن هيئة الطاقة النووية تلعب دورا
رئيسيا في تحديد تكلفة التخلص من نفايات
المفاعلات النووية ينبغي أن تجعلنا نتوقف
ونفكر بروية بشأن فوائد أي برنامج نووي جديد.
إن دافعي الضرائب هم الذين يتحملون تكلفة هذا
الفشل، الآخذة في الارتفاع. وكما قالت لجنة
الحسابات العامة مؤخرا، إنه لمن المستحيل أن
نتوقع أن لا يتحمل دافع الضرائب تكلفة محطات
الطاقة النووية الجديدة أيضا. كما أنه لا جدوى
من قول الحكومة بأنه لن يكون هناك أي دعم
لبرامج الطاقة النووية الجديدة.
على الرغم من كافة الأحاديث والوعود غير
المجدية بشأن منافع وفوائد المفاعلات النووية،
نجد أن الصورة الحقيقية قاتمة للغاية. أشارت
تقارير إخبارية أخيرة الى أن شركة بريتش
إينرجي تدفع مبالغ طائلة أيضا لتشغيل اثنين من
المفاعلات البريطانية مرة أخرى (تزيد التكلفة
عن 100 مليون جنية إسترليني). كما أن هناك
شائعات مفادها أن مؤسسة الطاقة النووية
الفرنسية المعروفة باسم «الكتريستي دي فرانس»
تعيد التفكير في شراء شركة »بريتش إينرجي«.
لكن وقبل أن نخلص إلى أن هذا الوضع يمثل حالة
من التوعك البريطاني، جاء الإعلان المذهل من
فرنسا أنه ينبغي فحص كافة مفاعلاتها النووية
لكي لا تتكرر عملية تسرب النفايات المشعة إلى
الأنهار الفرنسية كما حدث في أحد المواقع خلال
الأسبوع الماضي، والذي جاء في أعقاب الأخطاء
الإنشائية التي ظهرت في موقع بناء المفاعل
النووي الجديد في منطقة فلامانفيل. لذلك قررت
هيئة الطاقة النووية الفرنسية تعليق تنفيذ
المشروع بالكامل. تلك هذه المفاعلات وتلك هي
الشركات التي اختيرت لتقدم لجوردون براون
النهضة النووية التي يتحدث عنها. لكن ما لم
نوقف ذلك، فالاحتمالات كبيرة لتكرار مثل هذه
الأخطاء الكارثية.
جون سوفن
الجارديان
قسم الترجمة- عمان