منوعات....

نوافذ
ثقافات ودفاع عن الهوية
يكتبها : عبدالله العليان

قال أحد الدبلوماسيين الفرنسيين في إحدى المرات أثناء حديثه حول الضجة القائمة حول ما أسموه بالاختراق الثقافي الأمريكي للثقافة الفرنسية (من المفترض الدفاع عن الثقافة وخصوصيتها في قلب تشاركها مع الثقافات الأخرى في الإبداع الإنساني الواحد .. فالدفاع عن الهوية الثقافية لا يتعارض ومفهوم استثناء الثقافة ) .. اكتساح ثقافة لثقافة أخرى ليس لمصلحة أي بلد من بلدان العالم.. بل سيصبح العالم إذا ما تم ذلك الاكتساح فقيراً ثقافياً، وستتعثر تجربة التطور الإبداعي والفكري في العالم كله).
هذه الصيحات المعلنة ناقوس الخطر الثقافي القادم ليست صادرة عن وهم أو عاطفة ، بل هي استقراءات وتوقعات صادرة عن مفكرين ودبلوماسيين وفلاسفة.
فأين هي معايير الاصطناع والتخيل في البعض الذين ينكرون الاختراق الثقافي؟ نود أن يدلنا عليه هذا المكتشف الكبير الذي قال (إن فكرة الغزو الثقافي مصطنعة وشبه جملة غير مفيدة ، ولا تعبر إلا عن وهم من أوهامنا .. فالغزو عملية مستحيلة على الإطلاق).
أيضاً (اليونسكو) أكدت في عدة توصيات انبثقت عن مؤتمرات عديدة حول السياسات الثقافية وكيفية النهوض الذاتي على ضرورة درء الخطر الثقافي وصيانة الهوية الثقافية للشعوب، وأعربت (أن رفض البلد لأن يفقد ذاتيته بقبول نماذج أجنبية لا يعد مطلقاً ظاهرة سلبية .. بل ينبغي اعتباره أمراً إيجابياً ، سواء من وجهة نظر ذلك البلد أو من وجهة نظر عامة(...) فالمناداة بالذاتية الثقافية التي تعد عنصراً من أكثر العناصر تمييزاً لعصرنا ليست من قبيل الحنين الذي لا طائل تحته إلى ماضٍ عفا عليه الزمن حقيقة، بل أنها مرتبطة بالتقاليد وبذلك السجل الذي تدون فيه الخبرات المتراكمة التي اكتسبها المجتمع عبر التاريخ).
وهذه الذاتية الثقافية لا تعني على الإطلاق العزلة و الانطواء ،بل إنه سلوك محمود في التميز عن الآخرين وثقافاتهم كأسلوب للعيش وصياغة النموذج الخاص الذي تعرفه الشعوب والحضارات الإنسانية منذ فجر التاريخ ، فماذا ننكر على أنفسنا كعرب ومسلمين هذا التمايز والخصوصية في الوقت الذي تناقشه الأمم الأخرى كظاهرة إيجابية راهنة وموجودة على نطاق واسع ؟ .
كيف يقول بعضنا أنها وهم ـ وشبه جملة غير مفيدة ـ ومنذ سنوات قال رئيس وزراء كندا بيير ترودو عند زيارته للولايات المتحدة: إننا نشعر أننا راقدون قرب أقدام فيل ضخم (يقصد الولايات المتحدة الأمريكية) فإن كل شعرة تتحرك في جسمه تهز كندا، وأنه مهما كانت أوجه الشبه والتقارب بين البلدين فإن كندا دولة أخرى ولها ثقافة أخرى).
أيضاً تصريح آخر لوزير الخارجية الكندي في فترة السبعينات يبرز خطورة الاختراق الثقافي الأمريكي لهم وجوانب السطوة الفكرية من خلال وسائل التأثير الإعلامية والفنية بقوله: (لئن كان الاحتكار أمراً سيئاً في صناعة استهلاكية فإنه أسوأ إلى أقصى درجة صناعة الثقافة ، حيث لا يقتصر الأمر على تثبيت الأسعار ، وإنما تثبيت الأفكار أيضاً.
والمنطلق الحضاري والفكري يخالف هذا التفكير ويدحضه، ليس من باب العاطفة والتمايز فحسب، بل من التجربة الميدانية.. فالثقافة ليست لوحة رسم أو تحفة يمكن نقلها من مكان إلى آخر، بل هي مضامين شحنات نفسية وذاتية وبيئية من الصعب استيرادها أو فصلها عن بيئتها وكوامنها وإشكالياتها المتداخلة .
إن القول بوهم الغزو أو الاختراق الثقافي أشبه بنكران واقع الصراع الدولي حول المصالح والمنافع الاستراتيجية ، ومع ذلك نقر بالمفهوم السائد إن التفاعل الحضاري مطلب ملح في عصرنا الراهن، وحاجة البشرية إليه لا تقل أهمية عن ضرورات النهوض الأخرى ..لكن تظل قضية الدفاع عن الهوية قضية مركزية بالنسبة لكل الثقافات والحضارات الإنسانية.
والشيء الأغرب أن فرنسا التي أنكرت مقولة الغزو أو الاختراق الثقافي للشعوب منذ أكثر من ربع قرن عادت تطلقه من جديد خوفاً على ثقافتها وتراثها المتميز ، وكما قال الشاعر العربي :
ومن يحتفر بئراً ليسقط غيره
يقع دون شك بالذي هو حافر