منوعات....

مراس
«عبيد».. رجل القرية الخدوم
يكتبها : أحمد الفلاحي

في قرانا العمانية هناك شخصية أنذرت نفسها لخدمة الآخرين من خلال المجتمع الذي تنتمي إليه، شخصية لا تبحث عن مناصب، ولا عن شهرة، ولا عن عائد مادي لزيادة أرصدتها المالية في المصارف، تلهث ليل نهار بلا كلل، تراجع المؤسسات الخدمية أكثر من مرة في الأسبوع، تصوغ رسائل عديدة، امتلأت بها ملفاتها الخاصة، وتحرص كثيرا على إجازتها من شيخ القرية، والوالي، والمديرية العامة في المنطقة، وتتحمل المشاق للوصول إلى الوزارة في محافظة مسقط، ولا تستنكر الموعد تلو الآخر لمقابلة الوزير، أو الوكيل، المهم أن توصل رسالتها إلى من يهمه الأمر، كل ذلك لتحقيق خدمة ما لم تتحقق بعد بين أحضان القرية، وقد تكون على مستوى الولاية في بعض الأحيان.
«عبيد».. هذا الرجل تجده في محافظات السلطنة، ومناطقها، وقراها، يكتب كل يوم في الصحف الثلاث بهمة غير متوانية، وباستمرار غير منقطع، هو موظف غير رسمي، لم تسجله بعد سجلات الحكومة ليأخذ رقما وظيفيا في أي مؤسسة، ولا حتى القرية التي ينتمي إليها - في كثير من الأحيان - لا تقر له بكل هذا الفضل، ومع ذلك هو يجتهد، ويترك نتائج اجتهاده مساحة غناء تضفي أكلها كل حين للجميع.
«عبيد».. في كثير من الأحيان يكون رجلا ما عنده لا يكاد يكفيه، وقد يستقرض مالا لتسديد أجرة السيارات، وقد يستخدم هاتفا برقم من فئة البطاقات المدفوعة، وقد يكون غير متزوج أيضا، فمشاريعه التنموية التي يريد تحقيقها على المساحة المزروع فيها تشغله كثيرا عن الالتفات لنفسه، ويؤجل كل هذه المشاريع الخاصة به إلى أن تتحقق المشاريع العامة في قريته، أو منطقته.
اقتربت من «عبيد» مرة، حاولت جس نبضه، وأين له بهذه الطاقة الفاعلة، وغير العادية، توقعته أن يبدأ في رمي مجاديفه عن الاستمرار، فمجموعة الإخفاقات التي تواجه الواحد منا تصل إلى «عبيد» وقد تثنيه، ولكن توقعاتي لم تصل إلى غايتها، فلا تزال مجاديفه قوية، وهمته أقوى، وعندما سألته كيف بهذه الروح الوثابة، وغيرك نائم قرير العين، يعمل لبناء حياته، ويبهرجها، وأنت تنام وفي ذاكرتك عشرة مواضيع تريد أن تحققها، وهي ليست لك، وأكثر من مؤسسة في اليوم تريد أن تمر عليها، ولديك أخرى لا تدرك مدى سيتم إنجازها، وقد تسقط في وحل الروتين، والمراجعات اليومية، وليس لك إلا التعب، والشقاء، والعودة - أحيانا - بخفي حنين، لم يستوعب أسئلتي، وربما أدرجها في قائمة الانتظار، فما يشغله اكبر من اختزال أنشطته في الاجابة على أسئلة محبطة.
تساءلت مع نفسي إن كان بمقدور احدنا أن يكون بهمة «عبيد»، ولو لمرة في العام، وأيقنت أن التجاوب مع هذا المطلب صعب، فالنزاع الداخلي مع الذات يثنينا في كل مرة، فقد تسربلت نفوسنا بتحقيق المطلب الشخصي، وفقط، ولذا سيظل «عبيد» وحيد الهمة، وحيد الإقدام، وحيد التوجه، وحيد التحرر، وحيد الانعتاق من وشائج الذات، سيظل عبيد لؤلؤة مشعة في سماء قرانا، ومدننا، تزهر كل يوم لتجديد أمل وضاء لأنفس لم تجد سوى «عبيد» لترفع له التحية إجلالا، وإكبارا.